اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي
المقال التالي بروتوكول إيراني عُماني لضمان «العبور الآمن» عبر مضيق هرمز

مقالات مختارة

تبدّد رهانات «الصدمة» الأولى: ماذا بقي في أيدي واشنطن؟
مقالات مختارة

تبدّد رهانات «الصدمة» الأولى: ماذا بقي في أيدي واشنطن؟

53

لينا بعلبكي
تُظهر الحرب الأميركية – "الإسرائيلية" على إيران غياب استراتيجية واضحة لدى واشنطن، مع تبدّد رهانات الحسم السريع وارتفاع الكلفة العسكرية والاقتصادية، مقابل قدرة إيرانية على الصمود وفرض معادلات ميدانية أربكت الحسابات الأميركية.

«التكتيكات من دون استراتيجية ليست سوى الضوضاء التي تسبق الهزيمة»؛ تبدو هذه المقولة المنسوبة إلى المنظّر العسكري الصيني، سون تزو، شديدة الانطباق على الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، والتي دخلت شهرها الثاني، من دون أن يكون لدى مُطلقيها تصوّر لكيفية بلوغ نقطة النهاية فيها. فالطموحات المتعلّقة بتغيير النظام الإيراني، أو فرض الاستسلام غير المشروط عليه، أو حتى ما تحدّث عنه ترامب من اختيار مرشد أعلى جديد، لم تكن صعبة التحقيق فحسب، بل أقرب إلى «الوهم» و«الهراء»، وفق توصيف وزير الدفاع الأميركي السابق، جيمس ماتيس.

هكذا، بدت بعض الأهداف التي طرحتها إدارة دونالد ترامب، في الأسبوعَين الأوّلين، أقرب إلى «رغبات» سياسية منها إلى خطط استراتيجية، في حين تمّ التقليل من مدّة العملية، والمبالغة في الوقت نفسه في جدواها. وفي بداية العدوان، بذل كبار مسؤولي الإدارة كلّ جهد ممكن لتجنّب توصيف ما يجري بأنه «حرب» ضدّ إيران. ورغم أن ذلك يرجع جزئياً إلى اعتبارات دستورية، في ظلّ غياب تفويض من «الكونغرس» بشنّ الحرب، فهو هدفَ أيضاً إلى الإيحاء بفكرة العملية الخاطفة، على غرار ما جرى في فنزويلا. وعبّر عن تلك الفكرة ترامب نفسه بوضوح، حينما وصف «الغضب الملحمي» بأنها «رحلة صغيرة»؛ قبل أن يتراجع لاحقاً إلى تبنّي توصيف أكثر تحفّظاً، هو «العملية العسكرية».

إلى جانب ما تقدّم، بدا واضحاً أن التصعيد الأفقي السريع الذي اعتمدته إيران، عبر استهداف صادرات الطاقة والبنية التحتية في الخليج، كان خارج حسابات واشنطن، رغم تهديدات المرشد الأعلى الشهيد علي خامنئي، المسبقة، بأنه «على الأميركيين أن يعلموا أيضاً أنهم إذا أشعلوا حرباً هذه المرّة، فإن هذه الحرب ستكون حرباً إقليمية». كذلك، شكّل إقفال «مضيق هرمز» لحظة فارقة؛ إذ رغم أن هذه الخطوة كانت بطبيعة الحال متوقّعة، ودأبت وسائل الإعلام، قبيل الحرب، على التحذير من تداعياتها الاقتصادية، لم تستبق الولايات المتحدة عدوانها بأيّ إجراءات قد تخفّف من تلك التبعات على نفسها وحلفائها بشكل خاص، أو على العالم بأسره. وفي وقت تصاعدت فيه مفاعيل إغلاق «هرمز» اقتصادياً، اتسم ردّ الفعل الأميركي عليه بالارتباك، وذلك عبر محاولة تشكيل تحالف دولي لإعادة فتح المضيق، والتراجع عن فرض العقوبات على النفط الروسي، وحتى على النفط الإيراني.

وفي ما يتعلّق بالأصول العسكرية، استهلكت الولايات المتحدة، حتى الآن، أكثر من 45% من صواريخها الهجومية من طراز «ATACMS» وصواريخ الضربات الدقيقة (PrSM)، ونحو 40% من صواريخ الاعتراض ضمن نظام «THAAD»، فيما تفيد تقارير حديثة بأن وزارة الدفاع الأميركية تدرس تحويل مساعدات عسكرية من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، في مؤشر إضافي على غياب التحضير الكافي للحرب. أمّا على المستوى المالي، فقد أعلن ترامب نية طلب 200 مليار دولار إضافية، فوق الميزانية الدفاعية التي تخطّت التريليون دولار للسنة الحالية، وهو ما لا يزال يواجه رفضاً في الكونغرس، علماً أن كلفة النفقات المباشرة للسنوات الثماني من الحرب الأميركية على العراق بلغت نحو 815 مليار دولار.

تراجع الرهان على القوة الجوية وحدها في مواجهة إيران التي أظهرت امتلاك مرونة وقدرات متنوعة

وعلى صعيد الخسائر البشرية، قُتل، وفقاً للمعلن، ثلاثة عشر جندياً أميركياً وأصيب أكثر من 300 آخرون، فيما اضطرّ عدد كبير من الجنود، في ظلّ كثافة الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ ودقّتها، إلى إعادة التموضع في مواقع بديلة، وهو ما يضاعف بدوره من تكلفة الحرب.
هذا في خصوص التكلفة؛ أما في شأن الجدوى، فالواضح تراجع الرهان على القوة الجوية وحدها في مواجهة «الخصم» الإيراني الذي أظهر امتلاك مرونة وقدرات متنوعة. وفي السياق، تنقل وكالة «رويترز» عن الخبير ماغنوس رانستورب، قوله إن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تدخلا الحرب «وهما غافلتان عن القوة الأيديولوجية لإيران، لكنهما قلّلتا من قدرتها على الصمود». وبحسبه، فإنهما افترضا أن «التفوق الجوي سيمنح حرية الحركة واحتواءً استراتيجياً. لكن النظام الإيراني تماسك بدل أن يتفكّك، جزئياً لأنه مدعوم بمؤسسات موازية صُممت لإعادة إنتاج نفسها تحت الضغط».

وإثر ما تقدّم، صعد خيار الغزو البري لجزيرة «خارك»، الذي يُبحث اليوم في أوساط الإدارة الأميركية تحت ضغط الواقع، وهو ما يُظهر أيضاً غياب التخطيط المسبق له. وإذ يجري الحديث إعلامياً عن قوة قوامها ما بين 16 و17 ألف جندي، فإن ذلك لا يرافقه أيّ تأكيد فعلي حول طبيعة المهمة، وعمّا إذ كانت ضغطاً تفاوضياً أم تحضيراً لعملية قتالية. وعلى أيّ حال، ولدى الإقدام على الخيار البري، فإن تلك القوات ستواجه مخاطر كبيرة، وستتكبّد خسائر بشرية جسيمة، فضلاً عن أنها تتطلب حماية إضافية تستنزف الموارد، في حين أن تأثير فعلها قد لا يتجاوز حدود الإزعاج المؤقت. ورغم أن السيطرة على «خارك» - في حال تحقق هذا السيناريو، من شأنها أن تُلحق ضرراً اقتصادياً بإيران، إلا أن الأخيرة أظهرت، على امتداد عمرها، استعداداً لتحمل أعباء اقتصادية وعسكرية كبيرة؛ إذ تشير تجربة حملة «الضغط الأقصى» التي أطلقتها إدارة ترامب الأولى إلى خفض متوسط صادرات إيران اليومية من النفط من أكثر من 2.1 مليون برميل يومياً في عام 2017 إلى ما دون الـ500 ألف برميل يومياً بحلول عام 2020، قبل أن تعود إلى الارتفاع لتبلغ 1.6 مليون برميل يومياً عام 2025، بفعل المرونة الإيرانية.
أمّا الخيار الآخر، والذي يتمثل في محاولة السيطرة على جزر قريبة من مضيق هرمز مثل «لارك» أو الجزر المتنازع عليها مع الإمارات (أبو موسى، طنب الكبرى، طنب الصغرى)، وإن تحقّق، فهو قد يقيّد بعض القدرات الإيرانية، لكنّه لا يلغي وجودها وتهديدها؛ فالساحل الإيراني الطويل يوفر بدائل متعدّدة، كما أن أيّ انتشار أميركي هناك سيظلّ محدود المساحة، فيما تبقى خطوط الملاحة ضمن مدى النيران الإيرانية.

ويضاف إلى ما تقدّم، أن القوات البرية الإيرانية، المزوّدة بأنظمة صواريخ موجهة مضادّة للطائرات تُطلق من الكتف (MANPADS)، وألغام مضادّة للأفراد والدروع، وغيرها من «الدفاعات المتعدّدة الطبقات»، ستجعل عملية الإنزال والسيطرة تحدّياً صعباً. والجدير ذكره، هنا، أن التهديدات الإيرانية لا تقتصر على استهداف القوات الأميركية فحسب، إنما قد تمتدّ إلى البنية التحتية الحيوية في الخليج من دون أيّ قيود، وهي تهديدات لا يمكن التقليل من جديتها بعدما نفّذت طهران بالفعل عمليات ضدّ أهداف مدنية في الخليج.

الكلمات المفتاحية
مشاركة