مقالات مختارة
خطاب التناقضات: ترامب يتناسى أهداف الحرب
يوحي خطاب ترامب بتراجع تكتيكي مغلّف بلغة النصر، مع إعادة تعريف أهداف الحرب بعد تعثّر تحقيقها، وسط مؤشرات إلى مأزق استراتيجي يدفع واشنطن نحو خيار التفاوض بدل الحسم العسكري.
يحيى دبوق - صحيفة الأخبار
بدا خطاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي تضمّن خليطاً غريباً من الإنكار والاعتراف غير المباشر بالفشل - وإن غُلّف بعبارات النصر والتفوّق -، إعلاناً غير مباشر لبداية تراجع تكتيكي مُنظّم، تحت عنوان «انتصار» ما. والواقع أن هذا التراجع كانت بدأت ترتسم معالمه خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، قبل أن يأتي خطاب فجر الخميس ليتوّجها بسردية عنوانها: «انتصرنا»، على الرغم من كثرة الوقائع التي تناقض ادّعاء الانتصار.
وتُعدّ قضية اليورانيوم المُخصّب واحدة من أهم القضايا التي كشفت المأزق الذي وصلت إليه الولايات المتحدة. ففي بداية الحرب، كان واحداً من أهدافها المُعلَنة الاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب؛ إذ قال ترامب نفسه، في مؤتمر صحافي قبل ثلاثة أسابيع: «نريد عدم وجود أيّ تخصيب لليورانيوم في إيران، ونريد تسليم كلّ اليورانيوم المخصّب الموجود هناك، حتى الغبار النووي»، مشدّداً على أن هذا الشرط أساسي لأيّ اتفاق مع إيران. لكن قبل خطاب أمس، سأله صحافي عن ذلك اليورانيوم، فأجاب بقوله: «إنه في عمق الأرض إلى درجة أنني لا أهتمّ به. سنراقبه عبر الأقمار الاصطناعية فقط». وعلى الرغم من أن ترامب لم يستخدم العبارة نفسها في خطابه أمس، فإنه تجاهل مطلب انتزاع القدرات النووية من إيران، وركّز على تدميرها. ويعني ما تقدّم ببساطة، أن الولايات المتحدة تعيد تعريف الهدف من القتال في منتصف الطريق، بعدما أصبح تحقيق الهدف الأوّلي متعذّراً.
وعلى المنوال نفسه، وعندما أغلقت إيران مضيق هرمز في الأسبوع الأول من الحرب، تعهّد ترامب فوراً بأن «البحرية الأميركية ستفتح المضيق خلال 48 ساعة». ثمّ مرّت المهلة، ومدّدها ترامب إلى 5 أيام، ثمّ إلى 10 أيام، قبل أن يتوقّف عن ذكرها تماماً. وفي مقابلة تلفزيونية سبقت الخطاب، سُئل عن تأخّر فتح المضيق، فأجاب بعبارة غير متوقَّعة: «أميركا لا تشتري النفط من هناك. نحن دولة مُصدِّرة للنفط الآن. لماذا نتحمّل العبء وحدنا؟»، ثم وجّه كلامه إلى أوروبا وآسيا، قائلاً: «هذا ممرّكم أنتم. افتحوه بأنفسكم». وفي خطابه الأخير، كرّر هذه الفكرة بقوله: «قلت لهم، اذهبوا إلى المضيق وخذوه. احموه لأنفسكم. أنتم تعتمدون عليه. نحن لا». وأضاف في ما يشبه التسليم بأن «هرمز» قد لا يُفتح: «إذا كنتم لا تستطيعون فتحه، اشتروا النفط من أميركا». ويبدو كلام ترامب هذا بمثابة إعلان عن تخلّي بلاده عن مسؤولية تأمين الملاحة العالمية، في ما يمثّل تحوّلاً جذرياً في دورها كحارس للخليج ومصادر الطاقة. والأهمّ، أنه يمثّل اعترافاً ضمنياً بأن البحرية الأميركية عجزت عن فتح المضيق، مثلما وعد به ترامب.
لا يستطيع ترامب أن يقرّر من طرف واحد إنهاء الحرب والعودة إلى ما قبلها
كذلك، في الأسبوع الأول من الحرب، وبعد الضربات الابتدائية في إيران، قال ترامب للإيرانيين: «هذه فرصة العمر لتتخلّصوا من نظامكم القمعي»، في ما دلّ بوضوح على تبنّيه هدف تغيير النظام. ولكنّ الانتفاضة الشعبية التي كان يتوقّعها إلى حدّ الإفراط لم تحدُث، والنظام الإيراني صمد، ليتوقّف ترامب والحال هذه عن تكرار تعبير «فرصة العمر»، ويبدأ في الحديث عن «إضعاف النظام» بدلاً من «إسقاطه». وفي مرحلة لاحقة، أخذ يتحدّث عن «مفاوضات مع القيادة الإيرانية الجديدة»، على الرغم من أن القيادة نفسها لا تزال في مكانها.
وهكذا، يمكن القول إن ترامب لم يأتِ في خطابه الذي امتدّ لـ19 دقيقة، بجديد، بقدر ما أعاد إنتاج علامات التراجع في مقام واحد، مزيّناً إياها بعبارات النصر. وعلى الرغم من أن الخطاب كان طويلاً بما يكفي ليشعر المتابع له بأنه استمع إلى خطة متكاملة، لكنه كان فارغاً من أيّ تفاصيل حقيقية: فما هي الأهداف الحقيقية للحرب؟ وما الذي تحقّق منها حتى الآن؟ وكيف ستتمكّن الولايات المتحدة من بلوغها وسط المراوحة وصمود إيران؟ ثمّ متى تنسحب واشنطن وتُخرِج قواتها من المواجهة، وإن من طرف واحد؟ وما هو شكل اليوم الذي يلي الحرب ومضمونه؟ كيف ستمنع الولايات المتحدة فيه، إيران، من إعادة بناء قدراتها؟ وماذا عن الساحات الأخرى وحلفاء طهران فيها؟ ثمّ كيف لا يؤثّر استمرار إغلاق مضيق هرمز في الولايات المتحدة، وإن كانت الأخيرة لا تتزوّد بالنفط الذي يَعبر منه؟ وكيف تحوّل المضيق في الوقت نفسه إلى وحدة قياس لأيّ فشل أو نجاح في الحرب؟
على أن الأهمّ من الأسئلة التي أثارها الخطاب، الإشارات التي استبطنها على استبعاد خيار الانسحاب الأُحادي من الحرب وإعلان النصر الأميركي، والذي جرى تداوله كثيراً في الأيام الماضية كفرضية راجحة، على الرغم من أن مقدّماته لم تصل إلى مستوى النضوج الكافي. وترجع هشاشة تلك الفرضية إلى عدّة أسباب، لعلّ أبرزها أنه يتعذّر على ترامب الانسحاب من الحرب وإعلان «الانتصار» طالما أن المضيق مُغلَق بقرار إيراني؛ إذ إن بقاءه على هذه الحال سيتسبّب في استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز في العالم عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، في حين أن الإقدام على عملية لفتحه يبدو مُحاطاً بمخاطر وتهديدات مُعتدّ بها، من دون يقين بما إن كان سيؤدي فعلاً إلى فتح المضيق.
كذلك، لا يستطيع ترامب أن يقرّر من طرف واحد إنهاء الحرب والعودة إلى ما قبلها؛ فشنّ الحرب قد يكون بإرادة منفردة، لكنّ إنهاءها يحتاج إلى طرفين. وحتى مع سحب الولايات المتحدة قواتها من المنطقة، فستبقى قواعدها ومنشآتها العسكرية على حالها. كما أن إيران قد تواصل ضرباتها ضدّ إسرائيل، بما يفقد الانسحاب فاعليته وتأثيره، ويجعله إعلاناً واضحاً ومباشراً عن العجز والفشل.
إزاء ذلك، يمكن الحديث عن أحد خيارَين، لا ثالث لهما عملياً: الأول: مواصلة الحرب والمخاطرة بعمليات برية ستكون ضرورية للخروج من المأزق؛ والثاني: التوجّه إلى طاولة تفاوض تكون للإيرانيين فيها أوراقهم الضاغطة، كما للأميركيين أوراقهم، وذلك على النقيض مما تحدّث عنه ترامب في خطابه. وبما أن ترامب يتجنّب العمليات البرية الخطرة خشية تداعياتها وعدم اليقين في جدواها، فسيكون عليه اللجوء إلى التفاوض، وإن سبقت هذا المسار فترةُ إنكار ومحاولة انتزاع مكاسب من إيران ما أمكن.
ومن شأن هذه المفاوضات، في حال انطلاقها، أن تلقي بظلالها أيضاً على ساحات مواجهة أخرى، من مثل العراق واليمن ولبنان، وتفتح الباب أمام حلول وتسويات لاحقة. ذلك أن السيناريو التفاوضي يصعّب فصل إيران عن حلفائها، في حين أن «الربط» سيتعذّر في حال الانسحاب الأُحادي الأميركي من الحرب.
في النتيجة، لم يخسر ترامب الحرب بعد، لكنه لم ينتصر فيها، فيما خطابه يقول عملياً، إنه لن ينتصر على أيّ حال.