اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الناشطة شاهيناز غياض: متمسكون بأرضنا وسنعود إليها بفضل الدماء التي تروي أرض الجنوب

مقالات

من الهيمنة المدرعة إلى الاستنزاف الذكي: انقلاب في فلسفة الحرب البرية
مقالات

من الهيمنة المدرعة إلى الاستنزاف الذكي: انقلاب في فلسفة الحرب البرية

109

د. غازي قانصو


يعكس استخدام المسيّرات الانتحارية من نوع (FPV)، والصواريخ الصغيرة المضادّة للدُّروع، أي ضد الدبابات والمدرعات، تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الحرب البرية، يمكن وصفه بالفعل بأنه “إعادة تعريف لوظيفة الدبّابة” أكثر من كونه مجرد تطور تكتيكي. فالدبّابة، منذ الحرب العالمية الثانية، كانت تمثل أداة الحسم الأرضي بفضل قدرتها على الجمع بين الحماية النارية والحركية. غير أنّ دخول المسيّرات منخفضة الكلفة وعالية الدقة إلى ساحة المعركة كما يظهر في تجربة لبنان أحدث خللاً في هذا التوازن.

وبناءً عليه، يُفهم ما يُنسب إلى المقاومة في جنوب لبنان، من اعتماد نمط “حرب المسيّرات والصواريخ ضد الدروع”، حيث تُستخدم المسيّرات الصغيرة لاستهداف نقاط الضعف في الدبابات، مثل السقف أو الخلفية، وهي مناطق لم تُصمَّم تاريخيًا لتحمل ضربات دقيقة من الأعلى. إنّ الادعاءات المتعلقة بتعطيل أو تدمير دبابات ميركافا، تشير إلى اتجاه عملياتي واضح: تحويل الدبابة من أداة هجومية حاسمة إلى هدف مُكلِف قابل للاستنزاف.

يثير هذا التحول عدة قضايا استراتيجية وعسكرية:
أولًا، اقتصاد الحرب: تكلفة المسيّرة FPV، أو الصاروخ الصغير المضادّ للدروع قد لا تتجاوز بضع مئات أو آلاف الدولارات، بينما تصل تكلفة الدبابة الحديثة إلى ملايين الدولارات. هذا الاختلال في الكلفة يعيد صياغة معادلة الردع، حيث يصبح بالإمكان استنزاف قوة مدرعة متقدمة بوسائل زهيدة.

ثانيًا، تحوّل العقيدة القتالية: الجيوش التي اعتمدت تاريخيًا على التفوق المدرع تجد نفسها مضطرة لإعادة النظر في تكتيكاتها، عبر تعزيز أنظمة الحماية الناشطة، أو دمج وسائل الحرب الإلكترونية، أو تقليل الاعتماد على التقدم المدرع المكشوف، أو بكل بساطة التخلي عن سياسة العدوان.

ثالثًا، الانتشار والتقليد: ما بدأ في هذا المجال الحربي في العالم لم يعد محصورًا في مناطق معينة، بل بات نموذجًا قابلاً للانتقال إلى ساحات أخرى، كما في جنوب لبنان. وهذا يطرح سؤالًا أوسع: هل نحن أمام “انتشار” أدوات التأثير العسكري، بحيث لم تعد التكنولوجيا المتقدمة حكرًا على الدول؟

رابعًا، حدود الفعالية: على الرغم من هذا التحول، لا تزال الدبابات تحتفظ بقيمتها في بيئات معينة، خصوصًا في العمليات المركبة التي تجمع بين المشاة، والدعم الجوي، والاستخبارات، وبعض البيئات الجغرافية المناسبة. غير أن الحديث عن “نهاية الدبابة” أصبح أمرًا واقعًا، وبالتالي، تراجع احتكارها لدور الحسم.

ختامًا، ما نشهده ليس مجرد تطور في سلاح، بل تحول في فلسفة الحرب البرية. المسيّرات FPV لم تُلغِ الدبابة، لكنها جرّدتها من تفوقها المطلق، وأجبرتها على التكيّف ضمن منظومة قتالية أكثر تعقيدًا.

الخلاصة أن ساحة المعركة الحديثة لم تعد تُحسم بالمنصات الثقيلة وحدها، بل بالتكامل بين التكنولوجيا المنخفضة الكلفة والذكاء العملياتي. وفي هذا الإطار، فإن أي قوة لا تُعيد تعريف أدواتها وتكتيكاتها، ستجد نفسها تقاتل بعقيدة قديمة في حربٍ جديدة.

 
الكلمات المفتاحية
مشاركة