نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
بعد سنين وسنين من الشعارات التي تدّعي معاداة السلوك الميليشياوي وتنسبه إلى المقاومة التي لا تصوّب سلاحًا إلّا إلى صدر العدوّ، رفعت القوات اللبنانية الستار يوم أمس عن مشهد يُغالي في الميليشياوية، خلال مراسم تشييع ضحيّتي العدوان "الإسرائيلي" على المشروع الماروني في عين سعادة قبل يومين: زخّات من الرصاص انطلقت فوق رؤوس المشيّعين، بعد أن اقتربت مجموعة من الشبّان، معظمهم بلباس موحّد، بالصدفة، من سيارة مركونة ومعبّأة بالسلاح، بالصدفة أيضًا، وتناول كلّ منهم بندقية وانضمّ إلى صفوف مطلقي الرصاص، في استعراض يستمزج الدراما بالترهيب، ويحكي حقيقة النزعات القواتية المتناقضة مع شعاراتها الممجوجة، وكذلك يشير إلى عمل منظّم ومحضّر وليس مجرّد استعراض عفويّ.
قد لا يبدو المشهد غريبًا بالنسبة لمن اطّلع ولو على القليل القليل من تاريخ حزب القوات الفوّاح برائحة الدّم والبارود خلال الحرب الأهلية، ولا بالنسبة لمن شهد كيف في السنوات الأخيرة كشّر القواتيون في محطات مختلفة عن أنياب السلاح غير الشرعي، في عين الرمانة وفي الطيونة وغيرهما، إلّا أنّه قد يبدو صادمًا بالنسبة لمن يُنصت لخطاب حزب القوات وأدبيات الناطقين باسمه: هم أفصح من يُحاضر في حرمة السلاح خارج إطار الدولة، ولا سيّما السلاح الذي يحمي لبنان ويحفظ أرضه وأهله، وهم أبلغ من يصف ذاته بالبطولة إذ سلّم سلاحه الذي استخدمه خلال الحرب الأهلية لارتكاب المجازر وقتل مخالفيه وإعدام المارّة على حواجز الذبح على الهوية، ولا يلتفت لحقيقة أنّ هذا السلاح الظاهر والذي يُستعرض فيه، خلال جنازة، هو السلاح غير الشرعي بكلّ معنى الكلمة، فيما يظلّ سلاح المقاومة سلاحًا شرعيًا، يكتسب مشروعيته لا من أهل الأرض فقط، بل وأيضًا من المواثيق الدولية التي تُقرّ بمشروعية الدفاع عن النفس والأرض بشتى الوسائل.
المدهش في الأمر، أنّ الناطقين القواتيين أنفسهم يطالبون المقاومة بتسليم سلاحها، تحت شعار "حصر السلاح بيد الدولة"، وباعتباره السلاح غير الشرعي في البلد، ويطالبون الدولة بنزعه ولو أدّى ذلك إلى صدام يُهدر فيه دم اللبنانيين، ويتغنّون وسط التنهيدات بجمالية "لبنان" بدون سلاح، بدون سلاح المقاومة حصرًا. أمّا سلاح الاستعراض الميليشياوي الذي يجري مناورات حيّة فوق رؤوس الناس، أو في ظهورهم أحيانًا، فلا بأس به. بكلام آخر، يحاول القواتيون القول إنّ شرعية السلاح تكمن في ضمان عدم توجيهه إلى صدر العدو "الإسرائيلي"، وفي إمكانية استخدامه ضد اللبنانيين المخالفين للأجندات القواتية. كلّ سلاح يُوجّه نحو العدوّ ليس شرعيًا بحسب المنطق القواتيّ الموثّق بالصوت والصورة.
إذًا، بفيديو لا تتجاوز مدّته الدقيقة الواحدة، بات من واجب الناطقين القواتيين تجهيز سردية يشرحون فيها للقلّة القليلة التي تصدّق شعاراتهم ماهية هذا المشهد الذي تناقلته منصّات التواصل وسط موجة من الاستهجان. وليس مستبعدًا أن يحاول هؤلاء الادعاء بأن ما شوهد ليس سوى مجموعة صيادي عصافير صودف مرورهم في المكان، أو شبيبة من كشافة استخدمت رصاصًا خلّبيًا خلال تصوير مسلسل ما. قد يقول قائل إنّهم سيخجلون من التورّط في الكذب المكشوف والتضليل المفضوح على الأقل على سبيل احترام عقول المتلقّين، إلّا أنّ اختلاق الرواية المضلّلة والمليئة بالأكاذيب المكشوفة ليست مسألة تُحرجهم، والدليل لم يزل طازجًا ومتداولًا.
بالخلاصةبعد تعرّض أحد المباني في عين سعادة للقصف قبل يومين، اختلق الإعلام المتأمرك الفتنوي رواية تواجد قياديّ من حزب الله في المبنى المستهدف، وزعم أنّ الشقّة التي تعرّضت للقصف كانت مؤجّرة لهذا القيادي، رغم تأكيد كلّ من مالك الشقّة ورئيس البلدية وجميع سكان الحيّ أن الشقّة شاغرة. وقد تولّت أبواق حزب القوات الترويج لهذه الكذبة المكشوفة والتمسّك بها رغم ركاكتها، لدرجة لم يحاولوا حتى ادّعاء الثقة بالتحقيقات الأمنية وببيانات الجيش اللبناني التي أكّدت خلوّ الشقّة المقصودة. وهنا، ينكشف تناقض آخر بين الشعار والممارسة، إذ يتنقّل القواتيون ومن لفّ لفيفهم بين الشاشات التلفزيونية ومنصّات التواصل للقول بأنّهم طلاب دولة ومؤسسات، وبأنّهم الأحرص على الجيش اللبناني وعلى القوى الأمنية في لبنان، ثمّ ببساطة، حين تتناقض الوقائع التي يعلن عنها الجيش والقوى الأمنية مع الرواية التي تخدم أجنداتهم، تراهم يُنكرون الواقع ويتنكّرون للبيانات الواضحة، ويواصلون الترويج للوهم الذي يهدّد السلم الأهلي ويثير الفتنة بين أهل البلد الواحد.
بالخلاصة، أثبت القواتيون مرة أخرى أن "مش هينة تكون قوّات"، فالغرق في التنكّر للحقائق والترويج للأوهام بهدف التحريض، والاستمرار في ذلك رغم انكشاف زيف ما يروّجون له، ليست أمورًا "هينة"، وكذلك معاداة الجيش وسائر مؤسسات "الدولة"، و"التفسيد" على رئيس الجمهورية لدى واشنطن بالتزامن مع إطلاق الشعارات الداعية لاحترام "الدولة" ومؤسساتها ورموزها، ليست أيضًا مسائل "هينة". ولأنّ في ذهنية هؤلاء "الغاية تبرّر الوسيلة"، فلن يتوانوا عن المتابعة في كلّ هذه الوسائل "المش هينة"، لغاية في نفس الأجندة الأميركية.
أمّا بعد، السلاح غير الشرعي في لبنان رأيناه يوم أمس في تشييع ضحيتين جراء القصف على عين سعادة. رأيناه واضحًا، وقحًا، يُستعرض في لحظة إنسانية موجعة. والسلطة اللبنانية مطالبة في هذا السياق بسحب هذا السلاح الذي يهدّد السلم الأهلي، وبمساءلة من حملوه عن مصادره، وعن مبرّرات حيازته، وعن وجهة فوّهاته التي لم تكن يومًا سوى صدور اللبنانيين.