اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي روانجي: خطة إيران ذات النقاط العشر أساس للمفاوضات

مقالات

لبنان بين مسارين واختبار تاريخي لمصداقية السيادة
مقالات

لبنان بين مسارين واختبار تاريخي لمصداقية السيادة

88

كاتب من مصر

إن أهم المنجزات الاستراتيجية في الحرب الراهنة هو منجز وحدة الساحات، بما له من انعكاسات ممتدة جغرافيًا عبر الإقليم، وفي أماكن حساسة واستراتيجية تضم أهم المضائق -هرمز وباب المندب- امتدادًا إلى البحر المتوسط، ومرورًا بالعراق، وهو ما يشكّل ملامح جديدة للمنطقة تتمثل في تغييرات جيوسياسية ثورية.

وهذه التغييرات لها وجه استراتيجي ذو صلة مباشرة بموازين القوى، حيث تصبح معه قوى المقاومة مكوّنات إقليمية وازنة تقطع الطريق على مشروع "إسرائيل الكبرى"، ولها وجه سياسي يتمثل في تراجع الهيمنة الخارجية وتراجع سلطة أموال النفط التي كانت تتلاعب وتتحكم في تشكيل الحكومات وقيادة التوجهات، وهي سلطة تبدو في طريقها إلى الانحسار الشديد.

وهنا فإن المصلحة الوطنية لأي دولة ذات سيادة تقتضي اقتناص هذه الفرصة التاريخية، وانتقاء المسارات التي تخدم تحررها الوطني ومشروعها السيادي.

وفي الحالة اللبنانية، وبفعل خصوصيتها ووضعها المعقّد، يتشكّل مساران: أحدهما مقاوم، اختار مسار وحدة الساحات كمشروع استراتيجي، والآخر تطبيعي تبنّته الدولة واختارت فيه الانعزال بالتفاوض دون أوراق قوة، والرهان على الوعود الأميركية.

ويكفي للحكم على المسارين أن نرصد تدشين العدو لمشروع مضاد لمشروع المقاومة باسم "فصل الساحات"، بهدف الانفراد بجبهة لبنان وتصفيتها من أوراق القوة وإخضاعها لمشروعه الاستعماري، الذي لم يُخفِ وزراء الكيان ملامحه، باحتلال الجنوب وجعل الليطاني حدودهم، وبدعاواهم التوراتية في الجنوب ومشروعاتهم الاقتصادية والاستيطانية فيه، وهو أمر فعلوه مع كل دولة خالية من القوة والردع.

ويكفي أن نستشهد بكلام وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس، الذي قال إن الاتفاق على فصل الساحات هو إنجاز مهم قاده نتنياهو، ويتيح لجيش الحرب الصهيوني العمل بقوة في خططه، وكشف أن هذه الخطط تتمثل في توسيع السيطرة على الجنوب، وهدم قراه وتسويتها بالأرض، والتوغّل حتى حدود الليطاني.

وهنا يمكن أن نستعرض باختصار كل مسار وانعكاساته وتداعياته:

أولًا: المسار المقاوم:

يتمثل المسار الأول في المقاومة والالتحاق بوحدة الساحات، وجذوره تشكّلت منذ الاحتلال، ونجح تاريخيًا في التحرير والردع وتحقيق الانتصارات الكبرى، ووصل الآن إلى قمة الهرم الاستراتيجي بانضمام جبهة لبنان إلى ملف تفاوضي دولي شامل وتسوية تاريخية كبرى، وهو ما يخلق فرصًا ومميزات استراتيجية نرصد أهمها:

1- تعدد الجبهات والانضمام إلى حلف مقاوم قوي يفرض ضمانات دولية لأي اتفاق، وهي ضمانات عصيّة على الانتهاك لخطورة تداعياته، وفي حالة الاتفاق مع إيران، فإن الانتهاك كارثي وله تأثيراته على الاقتصاد العالمي كما كشفت الحرب الراهنة.

2- وحدة الساحات تفرض معادلات اشتباك رادعة للعدو الصهيوني والأميركي، حيث يُعدّ أي تجاوز أو انتهاك للسيادة اللبنانية بمثابة مجازفة دولية كبرى، وهو ما يعطي لبنان قوة مضافة ومظلة أمنية واستراتيجية واسعة.
3- لا توجد أطماع إيرانية في لبنان، ولا توجد مخاوف من احتلال إيراني، وقد أثبتت التجربة أن قرار المقاومة مستقل، رغم انتمائها الوجداني والعقائدي لإيران، فما بالنا بالتعاطي الإيراني مع دولة لبنان بمكوّناتها المختلفة؟

ثانيًا: المسار التطبيعي:

هذا المسار ليس جديدًا على العرب، فقد جُرّب فشله حتى وصلوا إلى العجز الجماعي عن حماية أي بقعة عربية يتم انتهاكها، والعجز الفردي عن مواجهة انتهاكات الكيان وتهديداته. كما أنه ليس مسارًا جديدًا على لبنان، رغم عدم انخراطه في التطبيع، فقد جُرّب الرهان على خيار السلام المزعوم على مدى 15 شهرًا، عندما أتاحت المقاومة للدولة فرصة التصدي للعدوان وتجريب خيارها.

وهنا يمكن رصد عواقب هذا المسار:

1- التفاوض تحت النيران، حيث ترعى أميركا هذه المفاوضات في ظل استمرار العدوان، ودون ضمانات بوقف إطلاق النار، وهو بداية فاشلة تفتقد أبجديات التفاوض التي تفترض امتلاك الحد الأدنى من أوراق القوة.

2- انعدام الظهير الشعبي، حيث توجد كتلة شعبية كبرى ومكوّن رئيسي في لبنان ينحاز لخيار المقاومة، وقطاعات واسعة ترفض التطبيع حتى من غير المحسوبين على أنصار المقاومة، وهو ما يمسّ بشرعية أي اتفاق ويجعله اتفاقًا للفتنة والجدل والانقسام الوطني، بما يقود إلى تداعيات خطيرة.

3- الفشل العملي المجرّب، حيث جربت الدولة التفاوض مع تحييد المقاومة والرهان على أميركا طوال 15 شهرًا، وقد وجدت نفسها عاجزة عن إصلاح "قسطل" في مرجعيون، وسقط من جيشها شهداء، وانتهكت القرى وهُدمت البيوت، وسقط عشرات الشهداء من مواطنيها، دون أي ردع، ودون تحرّك حتى لإعادة إعمار حيّ صغير.

هنا لا بد أن تراجع الدولة هذا الخيار، لأنه خيار يتقاطع مع الخيار الصهيوني الخاص بفصل الساحات، والذي قال العدو إنه يمكنه من الانتهاك والهدم والتوغّل، فكيف يكون هذا الخيار خيارًا سياديًا تدخل به الدولة في تفاوض وهي تعلم أنه ورقة قوة استراتيجية للطرف الآخر؟

إن أميركا أوعزت إلى الكيان بارتكاب جريمة كبرى مروّعة ومجزرة في لبنان لإفشال وحدة الساحات، وتنصّلت من بند تم الاتفاق عليه نصًا في مفاوضات باكستان، يتعلق بوقف النار في جميع الجبهات ومنها لبنان، لأنه بند ينتمي لمنجز وحدة الساحات، فكيف تثق الدولة برعاية أميركا لمفاوضات بينها وبين الكيان؟

وكيف يترك لبنان مسارًا في باكستان اشترطت فيه إيران وقف العدوان وتجازف به بعودة الحرب وفاءً للبنان، ويتجه إلى مسار في واشنطن يشترط تفريغ الدولة من مقاومتها، وأقصى ما يقدمه العدو فيه وعود لتخفيف الضربات، ومسار يشترط الوقوع في فتنة نزع السلاح؟

هي أسئلة تتعلق بمصداقية الانتماء للبنان، وبمصداقية الحرص على السيادة والاستقلال، ومتروكة للإجابة. وقد وجدنا أن المقاومة تقدمت بالإجابة عبر المقاومة والتضحية، وحسمت أمرها في ذلك.

الكلمات المفتاحية
مشاركة