اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الموسوي: نرفض المفاوضات المباشرة وتحت النار.. والسلطة لم تغتنم الفرصة

عربي ودولي

مفاوضات إسلام آباد: مسار تفاوضي على وقع فشل العدوان وتثبيت معادلات ردع جديدة
عربي ودولي

مفاوضات إسلام آباد: مسار تفاوضي على وقع فشل العدوان وتثبيت معادلات ردع جديدة

55

انطلقت في إسلام آباد جولة مفاوضات حساسة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران، في محاولة لاحتواء تداعيات المواجهة المفتوحة التي تخوضها واشنطن و"الكيان الإسرائيلي" ضد طهران، وسط مؤشرات متزايدة على عجز الخيار العسكري عن تحقيق أهدافه، واتجاه الأطراف نحو المسارات السياسية تحت ضغط الوقائع الميدانية.

وفي هذا السياق، أعلن البيت الأبيض أن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس عقد اجتماعًا مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بحضور المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين الباكستانيين، حيث جرى البحث في ترتيبات هذا المسار التفاوضي، في ظل محاولة أمريكية واضحة لإدارة الانكفاء وتقليل الخسائر الناتجة عن مسار التصعيد.

من جهته، أكد مكتب رئيس الوزراء الباكستاني أن انطلاق المحادثات تم بلقاء مباشر بين شريف والوفد الأمريكي، مشيدًا بـالانخراط البنّاء للطرفين، في وقت تشير الوقائع إلى أن الولايات المتحدة تسعى، عبر هذه المفاوضات، إلى إعادة ضبط إيقاع المواجهة بعد إخفاق رهاناتها على الحسم السريع.

وعلى الضفة المقابلة، كشفت وسائل إعلام إيرانية عن تحرّك دبلوماسي موازٍ، حيث عقد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي اجتماعًا مع رئيس البرلمان الباكستاني، في إطار تنسيق المواقف وتعزيز الحضور السياسي الإيراني قبيل الدخول في التفاصيل الدقيقة للمفاوضات.

وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عن تبادل رسائل واضحة وصريحة مع الجانب الباكستاني، مؤكدًا أن الوفد الإيراني نقل مواقف طهران بثبات، بما يعكس تمسك الجمهورية الإسلامية بثوابتها الوطنية وحقوقها السيادية، ورفضها لأي مقاربات تقوم على الإملاءات أو الضغوط.

بدوره، أكد مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، أن الجولة الحالية من المفاوضات مع الولايات المتحدة في إسلام آباد تتجاوز كونها حوارًا تقليديًا، وأنها "مطالبة" تفرضها طهران على واشنطن. وأوضح مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، أن طبيعة المحادثات الحالية مع الجانب الأمريكي في إسلام آباد تختلف جوهريًا عن سابقاتها.

وأكد غريب آبادي على أن هذه الدورة لا تقتصر على مجرد التفاوض التقليدي، بل هي في جوهرها "مطالبة" تفرضها الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الجانب الأمريكي، وذلك في ظل تاريخ أميركا الحافل بالخداع وغياب المصداقية. وأضاف أن "مستوى التمثيل الإيراني في هذه الدورة يعكس جدية الجمهورية الإسلامية"، مشيرًا إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية "مستعدة تماماً للسيناريوهات كافة".

وتابع غريب آبادي: "فإذا كان الخيار هو السيناريو العسكري والدفاعي فنحن جادون للغاية، وإذا كان الخيار هو التفاوض فنحن أيضًا في غاية الجدية، وأنه في ظل الجدية الكبيرة التي يتمتع بها الوفد الإيراني ورئيسه، وبناءً على موازين القوى التي تميل لصالحنا في المجال العسكري، والوحدة والانسجام الوطني القائم، فإننا نأمل في الوصول إلى النتائج المرجوة.

ومع انتقال المفاوضات إلى مرحلة أكثر تقدّمًا، دخلت المحادثات حيّز المباحثات الفنية، حيث يباشر خبراء من الجانبين دراسة ملفات معقّدة تتصل بآليات تنفيذ اتفاقات خفض التوتر، وفي مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، إلى جانب ملف الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.

وفي هذا الإطار، أفادت وكالة إرنا، أن الوفد الإيراني شدد على أن وقف إطلاق النار في لبنان لم يُنفّذ بشكل كامل حتى الآن، محمّلًا الولايات المتحدة مسؤولية إلزام الكيان  الصهيوني بوقف اعتداءاته المستمرة، ومؤكدًا أن أي تهدئة لا تكتمل دون وقف شامل للخروقات.

ولفتت الوكالة إلى أن طهران تتابع هذا الملف عبر الوساطة الباكستانية، إضافة إلى طرحه بشكل مباشر على طاولة المفاوضات، في مسعى لتثبيت معادلات ردع واضحة تحول دون تكرار الاعتداءات، وتكرّس توازنًا جديدًا في قواعد الاشتباك.

أما في ما يتعلق بملف الأصول الإيرانية المجمدة، فقد تحدثت الوكالة عن وجود موافقة أميركية مبدئية على مواصلة البحث في الآليات التقنية للإفراج عنها، غير أن هذا المسار لا يزال يتطلب مفاوضات دقيقة ومعمّقة، في ظل حرص إيراني على الحصول على ضمانات عملية تحول دون أي التفاف أو تسويف في التنفيذ.

ويخوض الوفد الإيراني  هذه الجولة من المفاوضات مستندًا إلى تجربة تراكمية طويلة، وبمقاربة حذرة تتسم بالريبة تجاه التزام الجانب الأميركي، في ضوء سوابق سابقة، ما يدفعه إلى التركيز على بناء أطر تنفيذية واضحة ومُلزمة لأي تفاهمات محتملة.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة معنية بإنجاح هذا المسار، في محاولة لاحتواء تداعيات الفشل العسكري والسياسي، وتجنّب توسّع رقعة المواجهة في المنطقة، لا سيما في ظل التحديات المرتبطة بأمن الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، وما يمثّله من شريان حيوي للاقتصاد العالمي.


وقد استبق الطرفان هذه الجولة بتصريحات تعكس هشاشة الموقف؛ إذ حذر فانس طهران من محاولة "التلاعب" بواشنطن، فيما شدد قاليباف على أن إيران "تملك نوايا حسنة لكنها لا تثق بالأمريكيين"، مستحضرًا سجلًا طويلًا من "نكث الوعود". وفي هذا السياق، وضعت طهران شرطين أساسيين: وقف إطلاق النار في لبنان، حيث يواصل "الكيان الإسرائيلي" عدوانه على حزب الله، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.

في المقابل، وضعت واشنطن أولوياتها التفاوضية، وفي مقدمتها إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة فيه، إلى جانب الحصول على ضمانات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، في محاولة لإعادة ضبط موازين الردع في المنطقة.

وبرز ملف مضيق هرمز بوصفه واحدًا من أكثر القضايا تعقيدًا، حيث أعلن ترامب أن بلاده بدأت "عملية فتح المضيق" بشكل أحادي، منتقدًا ما وصفه بتقاعس دول أخرى، فيما تحدثت مصادر أمريكية عن عبور سفن حربية للممر بهدف طمأنة الملاحة التجارية، في خطوة لم تُنسق مع طهران. في المقابل، نفت وسائل إعلام إيرانية هذه الرواية، مؤكدة استمرار سيطرة إيران على هذا الشريان الحيوي، ما يعكس حجم الاشتباك السياسي والإعلامي الموازي للمفاوضات.

ورغم الهدنة المعلنة بين واشنطن وطهران، لا تزال الجبهة اللبنانية تشهد تصعيدًا عنيفًا، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ غارات على مئات الأهداف، في حين أفادت وزارة الصحة اللبنانية بسقوط عشرات الشهداء والجرحى جراء العدوان المستمر. وفي موازاة ذلك، أعلنت رئاسة الجمهورية اللبنانية عن اجتماع مرتقب في واشنطن للتحضير لمفاوضات لبنانية–إسرائيلية، وهو ما قوبل برفض قاطع من حزب الله الذي وصف الخطوة بأنها "خرق فاضح" ومحاولة "للتلاعب بمصير البلاد".

على خط الوساطة، تؤدي باكستان دورًا محوريًا، حيث استقبل رئيس وزرائها شهباز شريف الوفدين الأمريكي والإيراني في لقاءات منفصلة قبل انطلاق المحادثات، معربًا عن أمله في التوصل إلى "سلام دائم"، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة، لا سيما في ما يتعلق بتثبيت وقف دائم لإطلاق النار.

وفي مؤشر على اهتمام إقليمي واسع، شهدت إسلام آباد زيارة مفاجئة لوزير المالية السعودي محمد الجدعان، في خطوة تُفسر على أنها دعم اقتصادي لباكستان ومتابعة مباشرة لمسار المفاوضات، نظرًا لانعكاساتها على أمن الخليج.

وتجري هذه المحادثات على خلفية تاريخ طويل من العداء بين واشنطن وطهران، بدءًا من أزمة الرهائن عام 1979، مرورًا بتصنيف إيران ضمن "محور الشر"، وصولًا إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، وانتهاءً بالضربات الأمريكية–الإسرائيلية المشتركة في فبراير/شباط 2026، والتي أدت إلى اضطرابات حادة في الاقتصاد العالمي.

ومع اقتراب انتهاء مدة الهدنة في 22 نيسان/ أبريل ، تواجه المفاوضات اختبارًا حقيقيًا؛ إذ يبقى نجاحها مرهونًا بقدرة الأطراف على كسر جدار انعدام الثقة والتوصل إلى تفاهمات حول الملفات الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها مضيق هرمز، والعدوان على لبنان، والبرنامج النووي الإيراني. أما الفشل، فسيعني عودة سريعة إلى التصعيد العسكري، مع ما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية ودولية قد تتجاوز حدود السيطرة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة