اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي مفاوضات السفيرين في واشنطن: فرصة "إسرائيلية" لتكريس وقائع وكسب وقت

مقالات

قراءة في خطاب الشيخ نعيم قاسم : التفاوض المجاني هو شكل من أشكال الاستسلام
مقالات

قراءة في خطاب الشيخ نعيم قاسم : التفاوض المجاني هو شكل من أشكال الاستسلام

149

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق

في البيئات الدولية التي تحكمها علاقات قوة غير متكافئة، لا يمكن فهم الدبلوماسية بوصفها أداة محايدة لحل النزاعات، بل باعتبارها امتدادًا مباشرًا لتوازنات القوة القائمة. فالدبلوماسية، في جوهرها، لا تُنتج حلولًا بقدر ما تعكس موازين القوى التي تُدار ضمنها. ومن هنا، يصبح التفاوض، حين يُجرى في غياب عناصر ردع حقيقية، أقرب إلى آلية لإعادة إنتاج الخضوع، لا وسيلة لتجاوزه. هذا ما يمكن استخلاصه بوضوح من خطاب الشيخ نعيم قاسم، الذي لا يقدّم فقط موقفًا سياسيًا، بل يطرح نقدًا ضمنيًا لبنية كاملة من العلاقات الدولية والإقليمية التي تُدار تحت عنوان "الاستقرار".

الدبلوماسية القسرية: إدارة الصراع بدل حله

يبدأ الخطاب من فرضية مركزية: أن ما يجري ليس مجرد نزاع حدودي أو أمني، بل عدوان بنيوي يستهدف إعادة تشكيل توازن القوى داخل لبنان والمنطقة. هذا التوصيف ليس تفصيلًا لغويًا، بل يحمل دلالة تحليلية عميقة، إذ يضع الصراع في سياقه الأوسع، حيث تتداخل الأدوار بين "إسرائيل" والولايات المتحدة ضمن منظومة واحدة، تعمل على فرض معادلة أمنية وسياسية تُقصي أي قوة محلية قادرة على إنتاج توازن مضاد.

ضمن هذا الإطار، يكتسب الحديث عن فشل الدبلوماسية بعد خمسة عشر شهرًا من "الصبر" معنى يتجاوز البعد الزمني. فالمشكلة، كما يُفهم من الخطاب، ليست في بطء المسار التفاوضي، بل في طبيعته ذاتها. إذ لم يكن هناك، من الأساس، مسار تفاوضي قائم على الندية، بل عملية إدارة للصراع من طرف واحد، حيث تُفرض الشروط ويُطلب من الطرف الآخر الالتزام بها دون مقابل. هذا النمط من "الدبلوماسية القسرية" يعيد إنتاج نماذج تاريخية عديدة، حيث تُستخدم المفاوضات كغطاء لإدامة الاختلال في ميزان القوى، لا لتصحيحه.

التجارب العربية: السلام الذي غذّى التوسع

حين ننظر إلى مسار "التفاوض العربي-الإسرائيلي" خلال العقود الماضية، لا نكاد نجد سوى سردية واحدة تتكرر بأشكال مختلفة: تنازلات تُقدَّم تحت ضغط اللحظة، مقابل وعود مؤجلة تتحول لاحقًا إلى وقائع دائمة تُكرّس التفوق "الإسرائيلي" رغم أنه "أوهن من بيت العنكبوت". من اتفاقيات أوسلو إلى اتفاقية كامب ديفيد ثم معاهدة وادي عربة وصولًا إلى "اتفاقيات أبراهام"، لم يكن الخلل في التفاصيل التقنية للاتفاقيات بقدر ما كان في جوهرها: نقل الصراع من كونه صراعًا على الوجود والسيادة إلى ملف إداري قابل للتأجيل والتفريغ. هكذا تحولت فلسطين من قضية تحرر إلى سلطة محدودة الصلاحيات، وتحوّلت مصر من مركز ثقل عسكري إلى طرف مقيّد بشروط أمنية، كما تعيش حالة من "الخناق الاستراتيجي" في ملف المياه (سد النهضة)، وأصبح الأردن في موقع الدفاع المستمر عن هويته السياسية في ظل مشاريع "الوطن البديل"، بينما دخلت بعض الدول الخليجية في معادلة تطبيع غير متكافئة تُقايض السيادة الاقتصادية والأمنية بوعود حماية هشة. النتيجة النهائية ليست "سلامًا"، بل إعادة إنتاج للاختلال: "إسرائيل" أكثر توسعًا وثقة، والعالم العربي أكثر تشرذمًا وانكشافًا.

فحين تُقدَّم تصريحات بنيامين نتنياهو ووزرائه حول التوسع وفرض ما يُسمّى "دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات" بوصفها نشازًا في الخطاب السياسي، فإن هذا الوصف لا يصمد طويلًا أمام الواقع؛ فهي في الحقيقة امتداد طبيعي لمسار طويل من التراكم السياسي والعسكري الذي تغذّى على اختلال ميزان الردع العربي. فالتكرار العلني لهذه الطروحات من قبل تيارات اليمين المتطرف لم يعد مجرد خطاب أيديولوجي، بل أصبح انعكاسًا لقناعة بأن البيئة الإقليمية تسمح بفرض الوقائع دون كلفة تُذكر، خاصة في ظل الاكتفاء العربي ببيانات التنديد خلال حروب غزة وما جرى في الضفة الغربية دون أي تحرك فعلي. وتزداد خطورة هذا المسار مع تصريحات مايك هاكابي، الذي استند إلى نصوص توراتية لتبرير سيطرة "إسرائيل" على مساحة تمتد "من النيل إلى الفرات"، معتبرًا أنه "لا بأس لو أخذوها كلها"، في موقف يتجاوز الدعم السياسي إلى منح غطاء أيديولوجي لمشروع توسعي يطال عمليًا سيادة دول عربية قائمة. في هذا السياق، لا يعود الحديث عن "أرض توراتية" تشمل الأردن وسورية ولبنان وأجزاء من مصر والعراق والسعودية مجرد تنظير ديني، بل يتحول إلى سردية سياسية تجد ترجمتها في الحروب التوسعية التي يلمّح نتنياهو إلى أنها تبدأ من لبنان وسورية باعتبارها إنجازًا استراتيجيًا. وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية: إذ إن استمرار هذا المسار، في ظل غياب ردع حقيقي، يفتح الباب أمام تكرار نموذج الضفة الغربية، حيث سلطة بلا سيادة، ما يفرض على دول مثل لبنان إدراك أن ما يُطرح اليوم كخطاب قد يصبح غدًا واقعًا مفروضًا إذا استمرّت في الإطار التفاوضي.

التفاوض المجاني: حين تتحول السياسة إلى تنازل

في هذا السياق، يصبح مفهوم "التفاوض المجاني" مفتاحًا لفهم الخطاب. فالتفاوض، حين يُفصل عن أدوات القوة، يتحول إلى سلسلة من التنازلات غير المتكافئة، تُقدَّم تحت ضغط الواقع، وتُبرَّر بخطاب "العقلانية" و"تجنب التصعيد". غير أن هذا الخطاب يغفل حقيقة أساسية: أن غياب الكلفة على الطرف المعتدي يشجعه على الاستمرار في سياساته، بل وتوسيعها. وهكذا، لا يكون التفاوض وسيلة لاحتواء العدوان، بل أحد شروط استمراره.

هذا التحليل لا ينفصل عن قراءة أوسع لدور الدولة في مثل هذه السياقات. فحين يشير الخطاب إلى خطر تحوّل السلطة إلى "أداة تنفيذية" لما يريده الخارج، فإنه يلامس إشكالية مركزية في النظم السياسية الطرفية: فقدان القدرة على إنتاج قرار سيادي مستقل. ففي ظل الضغوط الدولية، والاعتماد الاقتصادي، والانقسامات الداخلية، تجد هذه الدول نفسها مضطرة للعمل ضمن حدود مرسومة مسبقًا، ما يجعل أي خيار خارج هذا الإطار يبدو وكأنه مغامرة غير محسوبة.

الدولة بين السيادة والوظيفة: أزمة القرار اللبناني

غير أن هذا التوصيف، رغم دقته، لا يكتمل دون فهم الديناميات الداخلية التي تسمح باستمراره. فإعادة إنتاج الخضوع لا تتم فقط عبر الضغوط الخارجية، بل أيضًا عبر خطاب داخلي يشرعنها. هذا الخطاب يقوم على ثنائية واضحة: الاستقرار مقابل الفوضى. حيث يُقدَّم أي خروج عن المسار التفاوضي كتهديد مباشر للكيان، فيما يُصوَّر الالتزام بالشروط المفروضة كخيار "واقعي" و"مسؤول". بهذه الطريقة، يُعاد تعريف المصلحة الوطنية بما يتناسب مع متطلبات النظام الدولي، لا مع احتياجات المجتمع المحلي.

في المقابل، يطرح الخطاب مفهومًا بديلًا للسيادة، يقوم على الجمع بين القدرة العسكرية والإرادة السياسية. فالسيادة، في هذا التصور، ليست مجرد اعتراف دولي، بل قدرة فعلية على فرض الكلفة على الطرف الآخر، ومنعه من التصرف بحرية مطلقة. ومن هنا، تأتي الدعوة إلى "المواجهة" ليس كخيار أيديولوجي، بل كضرورة استراتيجية لفرض توازن يتيح لاحقًا تفاوضًا أكثر عدالة.

حين يفرض الميدان منطقه

هذا الطرح يجد صداه في الواقع الميداني، كما يظهر في معركة بنت جبيل، التي تحولت إلى نموذج لحروب الاستنزاف المعاصرة. فالفشل "الإسرائيلي" في تحقيق حسم سريع، رغم "التفوق التكنولوجي"، يعكس حدود القوة حين تواجه بيئة مقاومة متجذرة. في مثل هذه الحالات، لا يعود التفوق التكنولوجي كافيًا، بل يصبح عبئًا حين يُستخدم في بيئة حضرية معقدة، حيث تتلاشى الفوارق التقليدية بين الجيوش النظامية والقوى غير النظامية.

الأهم من ذلك، أن هذا النمط من الحروب يعيد تعريف مفهوم النصر ذاته. فالنصر لم يعد يُقاس بالسيطرة الجغرافية، بل بالقدرة على الاستمرار، وفرض الكلفة، ومنع الطرف الآخر من تحقيق أهدافه. بهذا المعنى، يصبح "الصمود" بحد ذاته إنجازًا استراتيجيًا، لأنه يحوّل الزمن إلى عامل ضغط على الطرف الأقوى، الذي يجد نفسه مضطرًا لإدارة حرب طويلة دون أفق واضح للحسم.

غير أن هذا التحول يطرح تحديات جديدة، لا سيما على المستوى السياسي. فاستمرار المواجهة يتطلب إطارًا وطنيًا جامعًا، قادرًا على استيعاب كلفتها، وتوزيع أعبائها بشكل عادل. دون ذلك، قد تتحول المقاومة نفسها إلى عامل انقسام داخلي، يُستخدم لتبرير مزيد من الضغوط الخارجية. ومن هنا، تأتي أهمية الدعوة إلى الوحدة الوطنية التي يتضمنها الخطاب، ليس كشعار أخلاقي، بل كشرط عملي لإدارة الصراع.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل المخاطر المرتبطة بهذا المسار. فالمواجهة، مهما كانت مبرراتها، تحمل في طياتها كلفة بشرية ومادية عالية، وقد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب. غير أن تجاهل هذه المخاطر لا يلغيها، بل يعيد إنتاجها بشكل أكثر حدة، حين تُترك المبادرة للطرف الآخر. وبالتالي، فإن الخيار ليس بين الحرب والسلام، بل بين إدارة الصراع بشروط ذاتية، أو الخضوع لشروط مفروضة.

في هذا الإطار، يمكن فهم رفض التفاوض بالشروط الحالية ليس كرفض للدبلوماسية بحد ذاتها، بل كرفض لنمط محدد منها، يقوم على غياب التوازن. فالدبلوماسية، كما تُظهر التجارب التاريخية، تكون أكثر فاعلية حين تأتي في سياق قوة، لا في غيابها. وهذا ما يفسر نجاح بعض المسارات التفاوضية في تحقيق نتائج ملموسة، حين كانت مدعومة بعناصر ردع حقيقية.

السيادة كقوة: ما بعد وهم "الاستقرار"

أما في الحالة الراهنة، فإن استمرار الرهان على "الدبلوماسية المجانية" لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة، وتعميق الاختلال القائم. فكل جولة تفاوض لا تستند إلى توازن قوى حقيقي، تعيد إنتاج الشروط نفسها، وتؤجل المواجهة دون أن تلغيها. وهكذا، يتحول "الاستقرار" إلى حالة مؤقتة، قابلة للانفجار في أي لحظة.

في المحصلة، يكشف خطاب الشيخ نعيم قاسم عن إشكالية أعمق من مجرد خلاف سياسي أو استراتيجي. إنه يسلط الضوء على أزمة بنيوية في مفهوم السيادة، وطبيعة الدولة، ودور الدبلوماسية في عالم تحكمه القوة. وبينما قد يختلف البعض مع استنتاجاته أو خياراته، فإن الأسئلة التي يطرحها تظل قائمة: ما قيمة التفاوض دون قوة؟ وما معنى السيادة دون قدرة على فرضها؟ وأي استقرار يمكن أن يقوم على اختلال دائم في ميزان القوى؟

هذه الأسئلة، في جوهرها، لا تخص لبنان وحده، بل تعكس معضلة أوسع تواجه العديد من الدول في النظام الدولي المعاصر. وفي غياب إجابات واضحة، سيبقى الصراع مفتوحًا، وستبقى الدبلوماسية، في كثير من الحالات، أداة لإدارة الاختلال، لا لتجاوزه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة