مقالات مختارة
ريم الهاني - صحيفة الأخبار
تُظهر المعطيات أن الحصار الأميركي على إيران لم ينجح في وقف صادراتها النفطية، التي لا تزال تتدفّق رغم القيود. ويأتي هذا في ظلّ اعتماد طهران على آليات التفاف متطوّرة، ما يضعف فعالية الاستراتيجية الأميركية ويهدّد بتحوّلات أوسع في سوق الطاقة والنظام الدولي.
ظلّت النظرة الجيوسياسية السائدة في العالم لسنوات، تتركّز على أن النظام العالمي يتحرّك حول ثلاثة مراكز قوة: الولايات المتحدة والصين وروسيا، وذلك باعتبار أن قوة أيّ دولة مُستمَدّة، في المقام الأول، من حجمها الاقتصادي وقدرتها العسكرية. على أن هذا الافتراض لم يعُد، بعد الحرب الأخيرة على إيران، صحيحاً؛ إذ إن مركزاً رابعاً للقوة العالمية ينشأ بسرعة، متمثّلاً في إيران، التي لا تنافس الدول الثلاث المذكورة اقتصادياً أو عسكرياً، بل تستمدّ قوتها المكتشَفة حديثاً من سيطرتها على أهمّ نقطة اختناق للطاقة في الاقتصاد العالمي، مضيق هرمز. وعلى الرغم من أن العديد من المحلّلين يعتقدون أن قبضة إيران على المضيق مؤقّتة فقط، وأنه من المتوقّع على نطاق واسع أن تنجح القوات البحرية الأميركية وحلفاؤها في إعادة الاستقرار إلى تلك المنطقة قريباً، وأن تهيّئ الطريق لاستئناف تدفقات النفط وفق خطوط مألوفة، فإن هذا التوقع يبدو هو الآخر «خاطئاً».
وفي حال استمرّ الحال على ما هو عليه نزولاً عند رغبة طهران، فإن «الترتيب في الخليج» سوف يتغيّر حتماً، ما يفسح المجال لقيام نظام إقليمي مختلف، تستوعب فيه دول الخليج، على نحو متزايد، أن الجهة الفاعلة القادرة على التأثير بشكل مباشر على موثوقية صادراتها، هي، مرّة جديدة، إيران. ومن زاوية أوسع، تبدو السيناريوات المعقولة الأخرى المتعلّقة بالنظام العالمي الجديد الناشئ أكثر قتامة؛ فقط «تخيّلوا أن إيران تسيطر على نحو 20% من النفط العالمي، وروسيا تسيطر على نحو 11%، والصين قادرة على استيعاب قدر كبير من تلك الإمدادات. سوف تشكّل هذه الدول كارتيلاً لحرمان الغرب من 30% من نفط العالم. وبالتالي، فإن العواقب الكارثية سوف تتمثّل بالتراجع الحادّ في قوة الولايات المتحدة وأوروبا، والتحوّل العالمي نحو الصين وروسيا وإيران»، بحسب ما يرد في مقال رأي نشرته «نيويورك تايمز».
وعليه، باتت الولايات المتحدة تواجه خياراً صعباً: إمّا الالتزام ببذل جهد طويل الأمد لإعادة تأكيد سيطرتها على مضيق هرمز، أو قبول ترتيب عالمي جديد للطاقة لا تكون فيه السيطرة الأميركية مضمونة. وفي هذا الإطار، يرد في المقال نفسه «أن الحرب الإيرانية ليست صراعاً عسكرياً تستطيع الولايات المتحدة أن تتراجع عنه ببساطة، مع توقّع عودة الأمور إلى ما كانت عليه من قَبل. من المؤكد أن إيران سوف تطالب بثمن باهظ في تسوية جديدة مع الولايات المتحدة، ولكن هذا السعر هو بالتأكيد أقلّ تكلفة من سعر المستقبل البديل. إنها حرب تحويلية، وإذا استمرّت هذه التغييرات ولو لبضع سنوات، فإن النظام العالمي سوف يتغيّر بشكل لا رجعة عنه».
وفي محاولة لـ«كبح جماح» التحوّل المشار إليه، لجأ دونالد ترامب إلى فرض «حصار آخر» على المضيق المحاصر بالفعل، مطلقاً العنان لحرب علنية لـ«السيطرة» على «هرمز». على أن المخاطر الناجمة عن هذا القرار، جنباً إلى جنب الآليات التي طوّرتها إيران، طوال عقود، لـ«الالتفاف» على العقوبات الغربية، تقوّض فرص الاستراتيجية الأميركية. وفي السياق، يورد موقع «ويندوارد »، التابع لواحدة من أبرز الشركات العالمية الرائدة في مجال «الذكاء الاصطناعي » (Maritime AI) أن الصادرات الإيرانية لا تزال «نشطة» على الرغم من الحصار الأميركي.
إذا استمرّ الواقع في المضيق على ما هو عليه لبضع سنوات، فإن النظام العالمي سوف يتغيّر بشكل لا رجعة عنه
وبحسب تقرير نشره الموقع في الـ16 من الجاري، فإنه «اعتباراً من 15 نيسان، كان هناك ما يقرب من 153.7 مليون برميل من النفط الإيراني على الماء، 84.9% منها متّجهة إلى الصين». وفي حين لا يزال متوسط حجم الصادرات اليومية من جزيرة خارك بين شباط ونيسان مرتفعاً عند حوالي 2.04 مليون برميل يومياً، يؤكد تحليل الأقمار الاصطناعية مغادرة ناقلتَين عملاقتَين من طراز «VLCC» على الأقلّ، جزيرة خارك مباشرة بعد بداية الحصار، وهما تحملان العلم الإيراني، وكلّ منهما محمّلة بحوالي 2.01 مليون برميل، وذلك في طريقهما إلى دونغجياكو في الصين.
وتؤكد هذه الأنماط أن تدفقات الصادرات الإيرانية لا تزال نشطة، في وقت لا يزال فيه النشاط البحري «غير الشفاف» مرتفعاً عبر الموانئ الإيرانية ومنطقة المضيق. ويردف المصدر نفسه أنه في 15 نيسان، تمّ التعرف إلى 117 سفينة تابعة لـ«أسطول الظلّ» في الخليج، منها 12 سفينة تعمل حالياً من دون «AIS»، الذي يُعدّ بمثابة «البطاقة الشخصية» للسفن ونظام الرادار الرقمي في الملاحة الحديثة، والذي تصبح الناقلات، لدى إطفائه، في حالة «الإبحار المظلم». وفي الوقت نفسه، تمّ رصد 19 سفينة يزيد ارتفاعها عن 250 متراً عبر صور الرادار الصناعي في منطقة هرمز، أربع منها متمركزة غرب المضيق، وتستعدّ على الأرجح للعبور إلى الخارج، وثلاثٌ متمركزة شرقاً، بما في ذلك واحدة موجودة بالفعل في بندر عباس، بينما تركّزت ما لا يقلّ عن إحدى عشرة سفينة كبيرة بالقرب من جزيرة لاراك.
وبالإضافة إلى الشكوك المحيطة بمدى «فعالية» الحصار، فإن بعض المراقبين يجادلون بأنه ينطوي على مخاطر كبيرة مستقبلية، إذ يرد في تقرير نشره موقع «ريسبونسبل ستيت كرافت» الأميركي، أنه في حين أن بعض الأصوات في الداخل الأميركي تعمد إلى «تضخيم» خطة ترامب والإشادة بها، من منطلق أن «وقف صادرات إيران وإيراداتها هو بديل أفضل لإغلاق المضيق»، وأنه سيزيد الضغط على الصين، لتضغط بدورها على إيران، فإن «ذلك الحصار، لا يشكّل، عملياً، بديلاً ذكياً للضربات العسكرية، بل هو في الواقع عمل حربي، وينطوي على مخاطر جسيمة»، طبقاً للمصدر نفسه.
ويردف التقرير أن «فكرة الحصار الأميركي في حدّ ذاتها تتجاهل الواقع القانوني، الذي يعتبر الحصار البحري لسواحل دولة ذات سيادة عملاً من أعمال العدوان المسلح، ويمنح إيران، بالتالي، الحق في استخدام الوسائل اللازمة كافة للدفاع عن نفسها». وبالمثل، فإن اقتراح إنشاء هيكل تشارك فيه إيران «ولكن لا تسيطر عليه» في المضيق، هو اقتراح «غير قابل للتنفيذ»؛ إذ لن تتنازل طهران أبداً عن السيطرة على مياهها السيادية للقبول بترتيب صمّمته القوة نفسها التي أعلنت «الحصار عليها».
على أن المشكلة الأعمق تتمثّل في ما إذا كان يمكن للبحرية الأميركية، عملياً، فرض مثل حصار «موثوق»؛ إذ إن هذا السيناريو يتطلّب وجوداً بحرياً كبيراً ودائماً، مباشرة داخل نطاق الصواريخ الإيرانية الساحلية وأسراب الطائرات المُسيّرة. وفي حين كان مجرّد التهديد بالحصار كافياً لدفع أسعار النفط إلى الارتفاع والتسبّب بتقلّبات خطيرة في الأسواق العالمية، فإن إيران لن تكون الدولة الوحيدة التي تتعرّض للضغوط، بل إن العالم أجمعه سوف يشعر بها، ما قد يدفع ببعض الدول إلى «الردّ»، وأبرزها الصين، التي بدلاً من أن تضغط على طهران، قد تقرّر مرافقة الناقلات بسفنها البحرية الخاصة، ما سوف يسلّط ضغوطاً على واشنطن نفسها. ويخلص التقرير إلى أن الرأي القائل بأن الحصار هو أداة ضغط نظيفة ومنخفضة المخاطر «هو وهم خطير».