إيران
اهتمت الصحف الإيرانية، اليوم الثلاثاء (21 نيسان/أبريل 2026)، بحرب السرديات المشتعلة على جبهات الصراع الإيراني الأميركي-الصهيوني كافة؛ فقد أظهرت أهمية هذه الأبعاد من الصراع، وكيف تجلت هزيمة العدو في هذا الميدان.
انهيار الروايات وصعود الحقائق
كتبت صحيفة وطن أمروز: "أحيانًا، يحرق التاريخ أكثر السرديات الذهنية تعقيدًا في أتون الواقع الواضح، كاشفًا الحقيقة المجردة. والحرب الحالية هي تحديدًا إحدى تلك المنعطفات الفريدة. قبل اندلاع هذه المعركة، كانت صورة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في وسائل الإعلام الغربية والمعادية، صورةً باهتةً وواهيةً على وشك الانهيار في أي لحظة، ومن الداخل مع أول ضغط حقيقي. حاولت تلك الصورة، طوال الوقت، استبدال الجمهورية الإسلامية الإيرانية بصورةٍ مُختلقةٍ خاصةٍ بها، لكن الحرب، بطبيعتها الثابتة التي لا تترك مجالًا للمراوغة، كشفت الحقيقة. الآن، لم تعد ساحة المعركة مكانًا لتكرار التلميحات؛ فالحقيقة إما موجودة أو غير موجودة. في كلٍ من ذلك الدفاع المقدس، والذي دام 12 يومًا، وفي الحرب الحالية التي نخوضها، لم يظهر سوى الحضور القوي للجمهورية الإسلامية. مثّلت هذه المعركة نهاية حقبة الروايات الزائفة وبداية حقبة الفهم الحقيقي للحقائق الإقليمية.
تابعت الصحيفة: "كانت الحقيقة الصادمة الأولى التي تجلّت للمحللين الغربيين هي الفرق بين النظام الحقيقي للجمهورية الإسلامية الإيرانية وصورتهم المتخيلة عنه. لسنوات، رسّخت مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الرئيسة فكرة أن هياكل صنع القرار وسلسلة القيادة في إيران نظام هش وغير مستقر سينهار بمجرد تعرضه لضغوط خارجية. استند هذا السيناريو إلى افتراض خاطئ مفاده أن إرادة الحكومة في طهران مبنية فقط على الدعاية. لكن الحرب حطمت هذا الوهم. إذ عندما استُهدفت البنية التحتية العسكرية بدلًا من مشاهدة الانهيار المتوقع، شهد العالم استمرارية غير مسبوقة للانضباط، وبقاء سلسلة القيادة، وعزمًا راسخًا على الرد في أسرع وقت ممكن. كان صمود سلسلة صنع القرار في خضم هذه الأزمة واسعة النطاق أول دليل قاطع على زيف دعاية الخصوم، كاشفًا هذه الحقيقة: أن النظام الذي لا يتراجع في ذروة التوترات، وينظم الرد بطريقة منهجية ليس كيانًا افتراضيًا ضعيف الأساس. إنها قوة إقليمية عظمى اختُبرت إرادتها في خضمّ العواصف".
أما الحقيقة الثانية التي أكدتها الصحيفة؛ فهي: "التي انبثقت من قلب هذه الحرب؛ وكانت كشف القدرات الدفاعية الإيرانية. لعقود، غلّف أعداء الجمهورية الإسلامية القدرات الصاروخية الإيرانية بأساليب رمزية ودعائية وبثّ الرعب للتغطية على عمق تأثيرها الاستراتيجي في جمهورهم. كان الادعاء أن القوة العسكرية الإيرانية ليست سوى استعراض للتهديدات، وليست قدرة على التنفيذ، وأن مدن الصواريخ كلها أكاذيب جذابة، ولا وجود لأي منها في الواقع! إلا أن الهجمات المضادة الإيرانية المتتالية حطمت هذا المفهوم المجرد بقوة الصواريخ ودقة الصواريخ الموجهة. وصلت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، مخترقةً أشدّ طبقات دفاع الكيان الصهيوني كثافةً ومُخترقةً مظلة الدعم الأميركية إلى أعماق أهداف حيوية في المدن الكبرى. الآن، أصبح النقاش في القوة العسكرية الإيرانية حقيقة لا جدال فيها في المعادلات العسكرية العالمية، وأثبتت نفسها عنصرًا حاسمًا على طاولة حسابات مراكز الفكر الغربية. لقد ثبت أن قوة الجمهورية الإسلامية، خلافًا لرواية خصومها، متجذرة في حقائق هندسية وعملية أثبتت فعاليتها في لحظة الاختبار".
الحقيقة العميقة الثالثة، والتي أشارت إليها الصحيفة: "هي القيود المتأصلة في قوة العدو وهشاشة صورة السلطة المطلقة للغرب. في بداية المعركة، دخل النظامان الإرهابيان الأميركي والصهيوني إلى ساحة المعركة بإيمان راسخ بقدرتهما على تدمير البنية النووية الإيرانية وقطع ترسانتها الصاروخية وتدمير بنية النظام بأكملها دفعة واحدة باغتيال إمام الثورة الإسلامية الشهيد! لكن لم يحدث أي من ذلك كما توقعا. لقد بقي جوهر الخطط الاستراتيجية الإيرانية سليمًا، وعدت الأضرار التي لحقت بهما ضئيلة وقابلة للتعويض مقارنة بنطاق العملية. الأهم من ذلك، أن الفشل في تحقيق الهدف النهائي وهو تدمير الجمهورية الإسلامية كان فشلًا ذريعًا للنهج المتعجرف في مواجهة إيران، والتي تتمتع بمرونة هيكلية واجتماعية لا مثيل لها. هذا يعني أن حسابات العدو للقوة كانت خاطئة جوهريًا؛ فقد تخيلوا إيران دولة جامدة وضعيفة، لكنهم واجهوا بنية، رغم كل الضغوط، حمت إنجازاتها ومجالات نفوذها".
أما الحقيقة الرابعة؛ فقد قالت الصحيفة إنها: "انبثقت من هذه الحرب؛ وهي التحقق العلني من روايات الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها. لسنوات، شدد النظام على ركائز مثل الإرادة لمقاومة الاستكبار والصمود أمام الضغوط الشديدة والقدرة على الرد بقوة والتقدم الملحوظ وقدراته العملياتية والتنفيذية العالية. سخر المعارضون من هذه الروايات. وفرت الحرب سياقًا تحولت فيه هذه الأمور من مجرد خطاب سياسي إلى حقائق مُختبرة. لم تُكسر إرادة الحكومة، واستمر الرد بكامل طاقته، وكانت سرعة إعادة بناء منصات إطلاق الصواريخ بعد الحرب مذهلة حتى للمراقبين المحايدين. الحقيقة الخامسة هي إعادة تعريف مفهوم القوة. لقد أظهرت الحرب أن القوة الحقيقية على الصعيد الدولي لا تقتصر على عدد الطائرات وميزانية بمليارات الدولارات. القوة الحقيقية تعني امتلاك سياسة شعبية والقدرة على الصمود في وجه أشد العواصف. إيران قوية لأن شعبها، بعد تلقيه أشد الضربات، ما يزال صامداً، أكثر جرأة وقوة من ذي قبل، ولم يطرأ أي خلل على تسلسل القيادة أو البيروقراطية أو إدارة البلاد. على الرغم من كل ذلك، لم يتراجع الشعب الإيراني، بل أجبر النظامين المتحاربين على إعادة النظر في معادلاتهما الأولية. من هذا المنطلق، خرجت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الحرب قوة صبورة مبتكرة وتحليلية. كشفت تجربة المعركة أبعاد قوة إيران الخفية على المستوى العالمي، للأصدقاء والأعداء على حد سواء".
تنهي الصحيفة تحليلها حيال الحقيقة السادسة؛ وهي: "انهيار كذبة الخلاف بين الشعب والحكومة، والتي كانت إحدى الركائز الأساسية لدعاية الخصوم. استند هذا المفهوم الخاطئ إلى افتراض أن المجتمع الإيراني سيثور على نظامه السياسي أو سيعاني انقسامًا داخليًا عند وقوع اشتباك عسكري. لقد وفرت الحرب ساحةً أكثر جديةً للحكم، حيث تلاشت الإثارة الزائفة لشبكات التواصل الاجتماعي".
معجزة الوحدة وغضب العدو
كتبت صحيفة كيهان: "علينا أن نشكر جميع فئات الأمة على تحقيق هذا النصر حتى الآن بفضل وحدة الكلمة. وحدة كلمة جميع المسلمين ووحدة كلمة الأقليات الدينية مع المسلمين ووحدة الجامعات والمدارس العلمية ووحدة رجال الدين والفصائل السياسية. يجب أن ندرك جميعًا هذا السرّ: أن وحدة الكلمة هي سرّ النصر؛ ويجب ألا نفقد هذا السرّ- لا سمح الله- ولا تُفرّق الشياطين صفوفكم.."
تابعت الصحيفة:" "كان ذلك جزءًا من خطاب الإمام الخميني (رحمه الله) الموجز في مطار مهرآباد عند وصوله إلى الوطن في العام 1979. احتوى الخطاب على كلمة مفتاحية مهمة في فكر إمام الأمة القيادي، وقد أكّد عليها مرارًا. هذه الكلمة المفتاحية هي نفسها «وحدة الكلمة» التي، بحسب ذلك الحكيم، هي سرّ النصر ومقاومة الشياطين والأعداء. أدرك العدو، والذي جُرح بانتصار الثورة الإسلامية العظيمة للشعب الإيراني، منذ البداية سرّ انتصار الشعب على عالم الاستكبار والاستبداد المدعوم بالقوى المادية العالمية. ومن الطبيعي أن يسعى العدو، تعويضًا عن هزيمته، إلى إضعاف هذه الركائز الأساسية من خلال دراسة متأنية لنقاط قوة الخصم. بناءً على ذلك، ومنذ فجر قيام النظام الإسلامي المقدس في بلادنا، ركّز العدو جهوده بشتى الطرق وفي مراحل مختلفة على تحييد سلاح وحدة الشعب الإيراني".
بناء على هذه الرؤية؛ أكدت الصحيفة:" في يوم من الأيام، كان يبذل قصارى جهده لخلق فجوات عرقية وإقليمية وتحريض على الانفصال في بعض مناطق البلاد، حتى في الأيام الأولى لانتصار الثورة، وفي يوم آخر، كان يسعى إلى زرع الفتنة بإثارة الخلافات السياسية والأيديولوجية في الجامعات والشوارع وإشعال الصراعات بين الناس ومختلف فئات المجتمع...من جهة أخرى، عدت الفوضى والفتنة مكملتين للحرب العسكرية للعدو، بهدف إحداث انقسامات وتفتيت وحدة المجتمع، خلال العام الماضي؛ وذلك وفقاً للمعادلة القائلة بأنه لضمان نجاح الحرب العسكرية، يُستعان بالفوضى وتفتيت وحدة المجتمع، بينما لضمان نجاح الفوضى وتقسيم البلاد وتدمير الوحدة الاجتماعية، يُسعى أولاً إلى تمهيد الطريق وإضعاف المجتمع بهجوم عسكري".
تؤكد الصحيفة:"مما لا شك فيه أن مظاهر الوحدة الوطنية، في هذه الأيام، تتجلى بوضوح أكثر من أي وقت مضى، ألا وهي وحدة الشعب والمسؤولين، منهم الحكومة والبرلمان والقوات المسلحة، والذين تضافروا في إحباط مؤامرة العدو المعتدي. ولا شك أن على الشعب والمسؤولين في جميع القطاعات والفروع مواصلة العمل بجدٍّ واجتهادٍ أكبر من أي وقت مضى للحفاظ على هذه الوحدة التي تُنقذ الأرواح، لأن العدو، وقد أثخنته هذه المعركة، يبذل قصارى جهده لانتزاع هذه الورقة الرابحة والجوهرة الثمينة التي تفوق قيمتها أي سلاح من أيدي هؤلاء الشعب والمسؤولين. كما برزت في رسائل قائد الثورة الأخيرة توصياته ومطالبه بالحفاظ على الوحدة الوطنية وتوسيعها وتعميقها وتجاوز نقاط الخلاف. وهذا نهجٌ مهم، إن الحفاظ عليه وحمايته، بعون الله، سيكشف عن مظاهر أكثر إشراقًا لـمعجزة الوحدة لهذه الأمة".
أزمة ثقة على جانبي المحيط الأطلسي
كتبت صحيفة رسالت: "بدأت الولايات المتحدة والنظام الصهيوني حربًا ضد إيران بتفاؤل، حرب سرعان ما تجاوزت نطاق صراع إقليمي محدود مع إغلاق مضيق هرمز، وامتدت لتشمل العالم بأسره، مستنقعًا لم يستطع حتى صانعوه الخروج منه. في غضون أيام، حاولت الولايات المتحدة فتح المضيق الذي أُغلق نتيجة الحرب التي أشعلتها، وذلك باستهداف القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية والتباهي بنجاحاتها المزعومة، لكنها فشلت. هنا حاول ترامب جرّ حلف الناتو إلى الحرب، وهي ورقة كانت سابقًا ورقة أميركا الرابحة في المجالين العسكري واللوجستي، لكنها لم تُجدِ نفعًا في حرب رمضان. وخلافًا للتوقعات، لم يستجب أي من أعضاء الناتو لطلب المشاركة في الحرب؛ فقد تراجعت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا. ووصفت العديد من وسائل الإعلام الأميركية اليمينية موقف الناتو بأنه خيانة، ووعد ترامب بمعاقبتهم. ولكن ما مدى صحة هذه الرواية؟
تجيب الصحيفة:" كانت معاهدة شمال الأطلسي في الواقع نتاجًا لأحداث ما بعد الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة؛ تحالفًا عسكريًا بين دول أُنشئ في العام 1949 بهدف الدفاع الجماعي بين أوروبا الغربية وأميركا الشمالية ضد الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي. وبصرف النظر عن جميع وظائف الناتو، بما في ذلك التدريب والمناورات وتبادل التكنولوجيا العسكرية وغيرها، كان للناتو مبدأ واضح: إذا هاجمت دولة عضوًا واحدًا، فكأنها هاجمت جميع الأعضاء، ويجب على الجميع المشاركة في الدفاع عن تلك الدولة. وحتى نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، ظل الناتو عمليًا تحالفًا دفاعيًا. لكن في التسعينيات، سرعان ما تحول الناتو إلى قوة تدخلية؛ من حرب البوسنة إلى العراق وأفغانستان وليبيا. أصبح الناتو عمليًا جزءًا من القوة العسكرية واللوجستية والعملياتية الأميركية في العالم، وخاصة في جنوب غرب آسيا. كان هذا طبيعيًا، لأن أميركا، بصفتها القوة العظمى الجديدة في العالم، كانت المورد المالي والتكنولوجي للأعضاء، وكان الجزء الأكبر من ميزانية الناتو وقوته العسكرية يقع على عاتقها؛ ونتيجة لذلك، كانت القرارات تُحدد عمليًا من قبل واشنطن".
نتيجة لذلك؛ تتابع الصحيف:" يبدو اليوم أن خلافًا جوهريًا قد نشأ بين أعضاء حلف الناتو. فهم لم يعودوا مستعدين لدفع تكاليف حروب أميركا، ويفضلون الانسحاب. ثمة عدة أسباب رئيسية لهذا الخلاف. أولًا، كما ذُكر، فقد ابتعد حلف الناتو عمليًا عن الغاية التي وُجد من أجلها. كان هيكل الناتو هيكلًا من هياكل الحرب الباردة لعالم ثنائي القطب؛ ولهذا السبب، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أظهر سلوكًا جديدًا وأصبح أداة في يد أميركا في حروب النظام الأحادي القطب. لكن النظام العالمي اليوم يتغير. إذ برزت قوى عالمية وإقليمية خارج الناتو تباعًا؛ قوى مثل الصين التي تُعادل قوتها الاقتصادية والتكنولوجية قوة الولايات المتحدة، كما أن الأوروبيين يعتمدون عليها بطرق شتى. في ظل هذه الظروف، لم يعد اتخاذ القرار سهلًا على أعضاء الناتو، ما جعلهم أكثر حذرًا. من جهة أخرى، كانت الولايات المتحدة قادرة على وعد الناتو بحروب سريعة ورخيصة، لكن هذا لم يعد ممكنًا. أظهرت الحرب مع إيران أن الولايات المتحدة لم تعد تتمتع بالتفوق المطلق الذي كانت تتمتع به في السابق، وقد تجر حلف الناتو عن غير قصد إلى مستنقع لا يرغب الأوروبيون في التورط فيه.
تختم الصحيفىة بقولها إن عاملًا آخر في ذلك الانهيار؛ وهو تغير الرأي العام في الدول الأعضاء في حلف الناتو. إذ رأت شعوب هذه الدول، بريطانيا مثلاً، أنفسهم مخدوعين في تجارب مثل حرب العراق. ذهبوا إلى العراق بوعود بتدمير أسلحة الدمار الشامل، والقتل، ودفع الأموال، لكنهم سرعان ما أدركوا أن الأميركيين، بل وحتى مسؤوليهم، كذبوا عليهم، وأن القضية الوحيدة هي مصالح أميركا في قطاع الطاقة. كما أظهرت تجربة ليبيا أن مزاعم محاربة الديكتاتورية والإرهاب وشعارات الدفاع عن الديمقراطية، جوفاء، وأن العمليات العسكرية لا تزيد العالم إلا اضطرابًا. نتيجة لذلك، أصبح الرأي العام في هذه الدول أكثر حساسية إزاء المشاركة في الحروب".