خاص العهد
لم تكن الوقفات الاحتجاجية الأخيرة، في المدن المغربية، مجرد محطة عابرة في الأجندة النضالية ضد التطبيع الصهيوني، لقد كانت تجسيدًا حيًا لـ"استمرارية الزخم" التي يراهن عليها الشارع المغربي لإسقاط الأجندات الصهيونية في المنطقة. من طنجة شمالًا إلى بني ملال في الوسط، وصولًا إلى وجدة شرقًا، توحدت الحناجر في سيمفونية غضب شعبي ترفض "الممارسات المستفزة" للتطبيع الرسمي في المغرب، وتجدد العهد مع القضية الفلسطينية، في وقت يظن فيه البعض أن عامل الزمن قد يوهن العزائم.
من المسجد إلى الساحة
انطلق الحراك من قلب مدينة بني ملال، حيث تحول "مسجد الشرايبي" إلى منصة للتنديد الشعبي. بدعوة من "الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة"، اجتمعت الحشود لرفع شعارات تربط بوضوح بين رفض التطبيع وبين حماية الثوابت القومية. لم تكن الوقفة بروتوكولية، بل حملت لغة سياسية حادة، مع التركيز على أن الموقف الشعبي في المدن الداخلية المغربية يظل صمام أمان لا يتزحزح.
في سياق متصل، تسلمت "عروس الشمال" طنجة المشعل، حيث لبى المواطنون دعوة "الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع". غصت الساحات بآلاف المتظاهرين الذين رفعوا لافتات ذات دلالات عميقة، ترفض أي دور لوجستي أو دبلوماسي قد يخدم الاحتلال، بربط ذكي بين الجغرافيا المحلية أي الموانئ والحدث الميداني في فلسطين، ما يعكس وعيًا سياسيًا متقدمًا عند المحتجين.
النضال الشبابي: حملة "لأجلك"
خارج الميدان الواقعي؛ برز حراك موازٍ في الفضاء الرقمي عبر حملة "دقيقة لأجلك" لتمثل أداة تعبوية حديثة شارك فيها جيل الشباب بفعالية. تعطي مشاركة طالبات من مدينة وجـدة، في فيديوهات قصيرة ومنتشرة، مؤشرًا على "تأميم" القضية بين الجيل الصاعد. المشاركة عبير تواهري تؤكد لـ" العهد" أن هؤلاء الشباب لا يكتفون بالشعارات الكلاسيكية، أيضًا يصيغون خطابًا إنسانيًا وحقوقيًا بلغة العصر، ما يضمن ديمومة القضية وتوارثها بين الأجيال. تضيف بالقول :" إن ما يميز هذا الحراك هو "التكامل الوظيفي" بين مختلف الهيئات الميدانية والحركات الطلابية. فعلى الرغم من اختلاف المرجعيات، إلا أن هناك اجماعًا على أن فلسطين قضية وطنية بامتياز".
تكشف الصور القادمة من المسيّرات، والتي ترفع صور الرموز النضالية الفلسطينية جنبًا إلى جنب مع الأعلام المغربية، أن الشارع المغربي يرفض أن تكون دماء الفلسطينيين جسرًا لأي تطبيع صهيو-مغربي.
مخاطر التغلغل الصهيوني
بالموازاة ، احتضنت مدينة الرباط لقاء مهمًا لـ "الساحة المغربية للمؤتمر القومي الإسلامي"، خُصص لتدارس مخاطر التغلغل الصهيوني وتأثيراته في السيادة الوطنية المغربية. أجمع المشاركون، في اللقاء، على أن التطبيع تجاوز أبعاده السياسية ليصبح اختراقًا بنيويًا يهدد قطاعات حيوية، مثل التعليم والفلاحة والاقتصاد، ما يستوجب بناء جبهة مجتمعية موحدة تضم مختلف القوى المدنية والحقوقية. خلص الاجتماع إلى ضرورة تفعيل آليات الرصد والمتابعة الميدانية والقانونية لمواجهة هذا المسار، تأكيدًا على التلازم المبدئي بين حماية الثوابت الوطنية المغربية ودعم القضية الفلسطينية العادلة".
هذا؛ ويظل الحراك الميداني والفكري المغربي، بتنوعه الجغرافي وتعدده الوسائطي بين الساحة والشاشة، رسالة واضحة: إن "نبض الشارع" في المغرب ما يزال حيًا، وأن الرهان على "تطبيع الوعي مع الصهاينة" هو رهان خاسر أمام صمود الذاكرة النضالية للمغاربة ووفائها التام لقضية فلسطين.