عربي ودولي
في الوقت الذي تواصل فيه المملكة المغربية مسارها التطبيعي الرسمي ، تعلو أصوات نخب وحقوقيين مغاربة محذرة من "الاختراق الصهيوني" الذي يتجاوز أروقة السياسة ليلامس النسيج الاجتماعي والثقافي للبلاد. هذه التحذيرات لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى رصد دقيق لأنشطة ميدانية يقول النشطاء إنها تهدف إلى "تبييض" صورة الاحتلال داخل المجتمع المغربي.
التطبيع الثقافي والعلمي.. الجبهة الجديدة
يرى المناهضون للتطبيع أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الاتفاقيات الموقعة بين الدول، بل في المحاولات الحثيثة لفرض واقع ثقافي واجتماعي جديد. وتشير تقارير النشطاء إلى تغلغل في قطاعات التعليم، الفلاحة، والسياحة، بدعوى "الشراكة وتبادل الخبرات"، وهي مسميات يراها مراقبون غطاء لمشروع أعمق يهدف إلى تفكيك الموقف الشعبي التاريخي الداعم للقضية الفلسطينية.
ولا تقتصر التحذيرات التي يطلقها النشطاء على الجانب السياسي أو الأيديولوجي فحسب، بل تمتد لتشمل قراءة في الآثار الأمنية والاقتصادية للتعاون التقني والعلمي. ففي الوقت الذي تروج فيه بعض الجهات لـ "النموذج الإسرائيلي" في تطوير قطاعات الفلاحة الذكية والتقنيات العالية (High-tech) كحل لمعضلات الجفاف وضعف الإنتاجية، يرى النشطاء أن هذه الشراكات تحمل في طياتها مخاطر "التبعية التكنولوجية". ويؤكد هؤلاء في تقاريرهم أن هذه المشاريع قد تتحول إلى أدوات لجمع البيانات الحساسة أو التحكم في مفاصل الاقتصاد الوطني، مما يجعل المغرب عرضة لضغوطات خارجية لا تخدم مصلحته العليا، بل تكرس نفوذا صهيونيا في بنية الدولة التحتية الحيوية، وهو ما يصفه المناهضون بأنه "استعمار من نوع جديد" لا يحتاج إلى دبابات، بل إلى اتفاقيات تقنية ومشاريع استثمارية تبدو في ظاهرها تنموية، وفي باطنها تكريس لواقع تطبيعي دائم.

أحمد ويحمان: التحذير من "خطر التفكيك"
لطالما كان الأستاذ أحمد ويحمان، رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، صوتا بارزا ضد التطبيع الصهيوني. يشدد ويحمان على أن ما يحدث ليس مجرد علاقات تطبيعية عادية، بل هو مشروع استراتيجي يستهدف "التحصين الهوياتي" للمغاربة.
ويؤكد ويحمان في تصريح خاص لـ" العهد" على أن الهدف الصهيوني يتجاوز المصالح الاقتصادية، فهو يسعى إلى اختراق "قلعة" المغرب الشعبية التي ظلت عبر عقود الحصن المنيع للقضية الفلسطينية. ويرى ويحمان أن المخططات الحالية تراهن على "تغييب الوعي" وتمرير الأجندة الصهيونية عبر أدوات "ناعمة"، محذرا من أن السماح بهذا التغلغل سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف الجبهة الداخلية الوطنية، بل وإلى تهديد وحدة المجتمع الذي يرفض -بأغلبيته- أي اختراق لسيادته القيمية.
ميزان القوى: بين الواقع الرسمي والنبض الشعبي
يرسم ويحمان صورة قاتمة لـ "الأجندة الصهيونية في المغرب"، مُرجعًا ذلك الى استغلال التنوع الثقافي كمحاولة توظيف المكون العبري في الثقافة المغربية لخدمة أجندة سياسية معينة. وكذلك يشير الى مخاطر التغلغل الزراعي ، اذ تزداد المخاوف من السيطرة على قطاعات حيوية مرتبطة بالأمن الغذائي للمواطن المغربي. ويؤكد محدثنا على تعدد المحاولات الحثيثة لتغيير نظرة الأجيال الجديدة للصراع، عبر تغيير الخطاب الإعلامي والتربوي.
التحدي القادم
تضع هذه التحذيرات رافضي التطبيع الصهيوني أمام معادلة صعبة: فكيف يمكن تحويل الإجماع الوطني الشعبي حول رفض التطبيع الصهيوني الى استراتيجية متكاملة لإسقاط اتفاقية التوقيع المشؤومة . ويختتم أحمد ويحمان، دعواته -والتي تمثل صوت جل النشطاء في المغرب- بالتأكيد على أن "المناعة الشعبية" هي خط الدفاع الأخير. فبينما تتسارع الخطوات في المكاتب المغلقة، يبقى الشارع المغربي -بمثقفيه وحقوقييه- العين الساهرة التي لا تتردد في كشف المخططات الصهيونية، معتبرين أن القضية الفلسطينية هي قضية وطنية بامتياز، وليست مجرد ملف خارجي قابل للمساومة.