مقالات
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
لم تكن الحرب الأخيرة على إيران مجرّد مواجهة عسكرية تقليدية تُقاس بنتائجها الميدانية أو بحجم الخسائر البشرية والمادية، لقد شكّلت حدثًا مفصليًا أعاد تشكيل الإدراك السياسي والشعبي في العالم العربي إزاء طهران. إذ خلال أسابيع قليلة، انهارت سرديات راسخة استمرّ بناؤها عقودًا، وتبدّلت مواقع الفاعلين في الوعي الجمعي، لتتحوّل إيران من "خطر إقليمي" في الخطاب الرسمي والإعلامي إلى "رمز مقاومة" في نظر قطاعات واسعة من الشارع العربي. هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن تداخل العوامل العسكرية والإعلامية والسياسية، ولا عن طبيعة البيئة الإقليمية التي كانت مهيأة أصلًا لإعادة إنتاج تعريف "العدو" و"الحليف".
تجلّى عمق هذا التحوّل في القلق الذي عبّر عنه مسؤولون "إسرائيليون"، وفي مقدّمهم المجرم إيتمار بن غفير، والذي أقرّ بأنّ: "أكبر ما تخشاه إسرائيل هو اتحاد السّنة والشيعة"، في إشارة واضحة إلى أن أخطر ما أفرزته الحرب لم يكن في ميدان الصواريخ بقدر ما كان في ميدان الوعي. إذ بدأت تتآكل الحواجز المذهبية التي استُثمر فيها طويلًا. هذا الإدراك دفع نحو تفعيل أدوات ضغط موازية، تمثّلت في رسائل وتحذيرات أمنية موجّهة إلى عدد من الدول الخليجية، تحثّ على احتواء موجة التعاطف الشعبي مع إيران ومنع تمددها داخل الفضاء العام. بالفعل، شهدت بعض هذه الدول إجراءات أمنية مشدّدة طالت ناشطين ومؤثرين، في محاولة لإعادة ضبط السردية ومنع تشكّل كتلة رأي عام عابرة للطوائف، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحوّل الجاري لم يعد مجرّد موقف عاطفي، هو مؤشر على إعادة تشكّل عميقة في بنية الوعي العربي السياسية.
الحرب عامل كاشف لا منشئ
من الخطأ النظر إلى التحوّل في صورة إيران بوصفه نتيجة مباشرة للحرب فقط، الأدقّ عدّه نتاجًا تراكميًا فجّرته الحرب وأخرجته إلى العلن. إذ قبل اندلاع المواجهة، كانت صورة إيران في العالم العربي منقسمة بين سرديتين: الأولى رسمية وإعلامية تصوّرها تهديدًا طائفيًا واستراتيجيًا، والثانية شعبية كامنة تربطها بخطاب "المقاومة" ودعم القضية الفلسطينية. الحرب لم تُنشئ هذه الثنائية، لكنها حسمت الصراع بينهما لمصلحة السردية الثانية. حين تعرّضت إيران لهجوم واسع النطاق استهدف بنيتها العسكرية والسيادية، لم يُقرأ الحدث عربيًا بكونه نزاعًا بين قوتين إقليميتين، بل بكونه امتدادصا لنمط متكرر من التدخلات العسكرية الغربية في المنطقة. هذا الإدراك أعاد ترتيب أولويات التهديد، في ذهن المواطن العربي، حيث تقدّمت "إسرائيل" والولايات المتحدة مجددًا إلى صدارة المشهد بوصفهما المصدر الأساسي للخطر، فيما تراجعت إيران إلى موقع مختلف، أقرب إلى "الطرف المواجه" لا "الطرف المهدِّد".
فعالية "الرد" في صناعة الصورة
العامل الحاسم في هذا التحول لم يكن الهجوم بحد ذاته، بل كان طبيعة الرد الإيراني عليه. إذ إن الدول التي تتعرض لضربات عسكرية، من دون القدرة على الرد، تفقد تدريجيًا حضورها الرمزي، في حين أن الدول التي تنجح في فرض معادلة "الرد بالمثل" تعيد إنتاج شرعيتها، ليس فقط داخليًا، أيضًا خارج حدودها.
إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه العمق "الإسرائيلي" والقواعد الأميركية لم يكن مجرد فعل عسكري، بقدر ما هو رسالة سياسية مكثفة مفادها أن ميزان الردع لم يعد أحاديًا. هذه الرسالة وجدت صدى واسعًا، في الشارع العربي، والذي طالما ارتبط إدراكه للقوة بمدى القدرة على إيلام الخصم، لا بحجم الترسانة العسكرية فقط. وهنا تحديدًا، تحوّلت إيران من "دولة مثيرة للجدل" إلى "نموذج قدرة" في نظر قطاعات شعبية واسعة.
الأهم من ذلك، أن هذا الرد ترافق مع خطاب إعلامي منظّم نجح في تحويل الخسائر إلى عناصر تعبئة، بوصفها "تكلفة السيادة". هذا النمط من السردية أعاد إحياء مفاهيم، مثل الصمود والتضحية، وهي مفاهيم لها حضور عميق في الوعي السياسي العربي، لا سيما في ظل شعور عام بالعجز في كثير من الدول.
فشل البروباغندا التقليدية
أحد أبرز نتائج الحرب تمثّل بالفجوة التي كشفتها بين حجم الإنفاق على الحملات الإعلامية المعادية لإيران وبين تأثيرها الفعلي. على الرغم من استثمار موارد ضخمة في بناء صورة سلبية لطهران، لم تنجح هذه الجهود في ترسيخ قناعة شعبية مستدامة. هذا الفشل يعود إلى عاملين أساسيين. الأول؛ أن الخطاب الإعلامي المعادي لإيران ركّز، بشكل مفرط، على البعد الطائفي، في حين أن التحولات الإقليمية جعلت هذا البعد أقل تأثيرًا مقارنة بعامل "العدو الخارجي". الثاني هو أن التجارب الميدانية المتكررة، من العراق إلى غزة، أظهرت أن التهديدات الفعلية للأمن العربي تأتي من مصادر أخرى، ما أضعف مصداقية هذا الخطاب. بمعنى آخر، لم تعد الشعوب العربية تتلقّى الرسائل الإعلامية، بشكل سلبي، أصبحت تعيد تفسيرها في ضوء تجاربها الخاصة، وهو ما أدى إلى تآكل تدريجي في فعالية البروباغندا التقليدية.
تحوّلات رقمية في الرأي العام العربي
لقد عكست المؤشرات الكمية هذا التحوّل بصورة أكثر وضوحًا. إذ أظهرت بيانات ما بعد الحرب ارتفاعًا ملحوظًا في نسب التعاطف مع إيران على مستوى الرأي العام العربي. لقد سجّلت زيادة تراوحت بين %15 و %25 مقارنة بمرحلة ما قبل التصعيد. في بعض الدول العربية، ارتفعت نسبة من يرون إيران "قوة داعمة للمقاومة أو الاستقلال السياسي" من حدود %20 قبل الحرب إلى ما يقارب 40–%45 بعدها، في حين تراجعت نسبة من يرونها "تهديدًا مباشرًا" من نحو %30 إلى أقل من %10.
على مستوى ترتيب مصادر التهديد؛ حافظت "إسرائيل" على موقعها في صدارة المخاوف العربية بنسبة تراوحت بين %44 و %48، تلتها الولايات المتحدة بنسبة تقارب 20–25%، في حين بقيت إيران في مرتبة متأخرة لم تتجاوز 6–8% في معظم القياسات. حتى إن بعض المؤشرات النوعية أظهرت تحوّلًا أكثر عمقًا، فقد عبّر ما يزيد عن 50% من المستطلعين، في دول مثل تونس والعراق وفلسطين، عن "تفهم" أو "دعم" للرد الإيراني، بوصفه ردًّا مشروعًا على العدوان الخارجي.
هذه الأرقام، والمستندة إلى بيانات Arab Barometer وArab Center for Research and Policy Studies (مؤشر الرأي العربي)، لا تعكس فقط تبدّلًا ظرفيًا في المزاج الشعبي، أيضًا تشير إلى إعادة تشكيل تدريجية في سلّم الأولويات داخل الوعي العربي. إذ لم تعد الحملات الإعلامية التقليدية قادرة على إعادة إنتاج صورة "العدو" بالفاعلية السابقة نفسها، في ظل تصاعد تأثير التجربة الميدانية المباشرة وتآكل الثقة بالمصادر الرسمية، مقابل صعود سرديات بديلة تستمد شرعيتها من "القدرة على الفعل" لا من الخطاب فقط.
تراجع الاستقطاب الطائفي
الحرب أسهمت أيضًا في إحداث تحوّل مهم في بنية الخطاب الطائفي في المنطقة. إذ مع تصاعد المواجهة، تراجعت نبرة "الخطر الشيعي" لمصلحة خطاب يركّز على المواجهة مع "العدو الخارجي". هذا التحول لم يكن كاملًا أو نهائيًا، لكنه كان كافيًا لإعادة ترتيب الأولويات في قطاعات واسعة من الرأي العام. في دول مثل العراق ولبنان، حيث كان الانقسام الطائفي يشكّل عاملًا مركزيًا في الحياة السياسية، برزت مؤشرات على تراجع حدّة هذا الانقسام، ولو مؤقتًا، لمصلحة خطاب أكثر تركيزًا على السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي. هذا لا يعني اختفاء التوترات الداخلية، لكنه يشير إلى إمكان إعادة توجيهها ضمن أطر مختلفة إذا ما توفرت الظروف المناسبة.
النخب بين الانقسام وإعادة التموضع
على المستوى النخبوي، لم يكن المشهد أقل تعقيدًا. لقد انقسمت النخب العربية بين تيار استمر في تبنّي الرواية الغربية مسوغًا الهجوم تحت شعارات مثل "تغيير النظام"، وتيار آخر رأى في الحرب اعتداءً على دولة ذات سيادة، بصرف النظر عن الموقف من سياساتها الداخلية. هذا الانقسام يعكس، في جوهره، أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين النخب العربية ومصادر المعرفة والإعلام. إذ إن النخب المرتبطة بالمؤسسات الغربية أو المدعومة من أنظمة حليفة لها تميل إلى تبنّي مقاربات تتماشى وهذه البيئة، في حين تميل النخب القومية واليسارية إلى قراءة الأحداث ضمن إطار الصراع مع الهيمنة الخارجية.
غير أن اللافت، في هذه الحرب، هو عودة التيار المؤيد للمقاومة إلى الواجهة مستفيدًا من التطورات الميدانية ومن التحول في المزاج الشعبي. هذا الصعود لا يعني بالضرورة حسم الصراع بين التيارات، لكنه يشير إلى إعادة توازن داخل الحقل السياسي العربي.
إيران الرمز.. بين الواقع والتضخيم
على الرغم من هذا التحول، من الضروري التمييز بين "صورة إيران الرمزية" و"واقعها السياسي". إذ إن الصعود في الوعي العربي لا يلغي التحديات التي تواجهها طهران، سواء على المستوى الداخلي أم الإقليمي. كما أن تحويلها إلى "رمز عابر للطوائف" يحمل في طياته قدرًا من التبسيط، فالسياسات الإيرانية ما تزال محل جدل في عدد من الساحات العربية. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن الرمزية تؤدي دورًا حاسمًا في السياسة الدولية، لا سيما في مناطق تعاني أزمات في الهوية والسيادة. إذ غن الدول لا تُقاس فقط بقدراتها المادية، أيضًا بقدرتها على تمثيل قيم أو سرديات تجد صدى عند الآخرين. في هذا الإطار، نجحت إيران، خلال هذه الحرب، في تقديم نفسها طرفًا قادرًا على الجمع بين "القوة" و"الاستقلالية"، وهما عنصران يفتقدهما كثير من الفاعلين في المنطقة.
تداعيات التحول على التوازنات الإقليمية
التحول في صورة إيران لا يقتصر على البعد الرمزي، يحمل أيضًا تداعيات عملية على التوازنات الإقليمية. إذ غن ارتفاع مستوى تأييدها شعبيًا يضعف من قدرة بعض الأنظمة على تبنّي سياسات معادية لها، بشكل علني، كما يعزّز موقع القوى الحليفة لها داخل المجتمعات العربية. في المقابل، قد يدفع هذا التحول قوى إقليمية أخرى إلى إعادة تقييم سياساتها، سواء بمحاولة احتواء هذا الصعود أم بالانخراط في ترتيبات جديدة تأخذ في الحسبان المتغيرات الشعبية. هنا تحديدًا، يظهر البعد الأهم للحرب: أنها لم تغيّر فقط موازين القوة العسكرية، أيضًا أعادت تشكيل البيئة السياسية التي تتحرك ضمنها هذه القوى.
حدود التحول وإمكاناته
مع ذلك، يجب التعامل مع هذا التحول بحذر. إذ إن التجارب السابقة تشير إلى تغيّر المزاج الشعبي في المنطقة، بشكل سريع، تحت تأثير الأحداث. كما أن استمرار هذا الاتجاه يتوقف على عوامل عدة، منها سلوك إيران نفسه وقدرتها على ترجمة هذا الرصيد الرمزي إلى سياسات تحظى بقبول أوسع. كذلك، لا يمكن إغفال دور العوامل الاقتصادية والاجتماعية، والتي تبقى محدّدًا أساسيًا في تشكيل المواقف السياسية؛ فالتأييد الرمزي لا يتحول بالضرورة إلى تحالفات مستدامة ما لم يُترجم إلى مصالح ملموسة.
في النهاية؛ لقد أعادت الحرب رسم صورة إيران في المنطقة، لا لأنها غيّرت جوهر السياسات، بل لأنها كشفت خللًا عميقًا في السرديات السائدة، وفتحت المجال أمام إعادة تعريف مفاهيم، مثل العدو والسيادة والمقاومة. هذا التحول يعكس، في جوهره، أزمة أوسع يعيشها النظام الإقليمي، حيث تتراجع فعالية الأدوات التقليدية في التأثير، وتبرز الحاجة إلى مقاربات جديدة تأخذ بالحسبان تعقيدات الواقع وتداخل مستوياته.
بذلك؛ نجحت إيران، إلى حد كبير، في تحقيق ما هو أكثر أهمية في السياق العربي: إعادة تموضعها في الوعي الجمعي والانتقال من موقع الدفاع عن الذات إلى موقع الفاعل القادر على التأثير في تعريف الصراع نفسه. هذه، في عالم تتقدّم فيه السرديات على الوقائع أحيانًا، ليست نتيجة هامشية، هي تحوّل استراتيجي مفتوح على احتمالات متعددة.