إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الاثنين (27 نيسان/ أبريل 2026)، بتحليل الأوضاع العالمية المنعكسة بسبب الحرب الإيرانية الأميركية، وبالخصوص الوضع الداخلي الأميركي الذي ظهر باستعراض ترامب لمحاولة اغتياله وكذلك الوضع الأوروبي العجوز الذي ظهر في هذه الحرب.
تدمير قوة صناعة السردية في البيت الأبيض
بداية، كتبت صحيفة رسالت: "لم تكن الولايات المتحدة، في أوج صعودها، مجرد ترسانة عسكرية أو اقتصادية هائلة تلتهم الأسواق وتعيد رسم خرائط النفوذ، بل كانت صورة مُصاغة بعناية لدولة قيل إن قوتها الأعمق تكمن في مؤسساتها: في قدرتها على كبح جماح القرارات الفردية، وتنظيم القرارات، ومنع المشاعر من أن تصبح مصائر عالمية. كان تدمير ترامب لسردية القوة الأمريكية هو السردية الأمريكية العظيمة: قد يأتي رئيس ويرحل آخر، لكن الدولة تبقى أعمق من ساكن البيت الأبيض، وأكثر رسوخًا من عواطف اللحظة، وأكثر قدرة على تحويل السلطة إلى نظام، لا فوضى.
وتابعت الصحيفة "لكن ما يشهده العالم في واشنطن اليوم يُقلب هذه الصورة رأسًا على عقب. في أمريكا اليوم، لا نتعامل فقط مع رئيس صاخب، نرجسي، أو متفاخر، بل مع مشهد يُظهر بوقاحة نادرة أن حكومة لطالما قدمت نفسها على أنها قمة المؤسسية تتصرف أحيانًا كما لو كانت محكومة بمزاج شخصي، لا بمنطق مؤسسي. هذه هي صورة أمريكا اليوم: رئيس يستيقظ صباحًا، يحتسي قهوته، يُغرّد بتغريدة تُشعل الأسواق والسياسات والتحالفات، ثم بعد ساعات يُرسل رسالة أخرى تُناقض الأولى أو تُبطلها، وكأن العالم بأسره رهينة بين انفعالات الصباح وقلق الليل".
السؤال المحوري هنا يدور حول معنى ما يحدث في قلب الإمبراطورية نفسها. لأن المسألة ليست، في جوهرها، مجرد شكل فضفاض من أشكال التواصل، بل هي كشف سياسي وتاريخي عن دولة بدأ فيها الفرد (في إشارة إلى دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة) يُنافس المؤسسة، ويُبدع في التخطيط، ويُثير ضجة بعقله البارد الذي لطالما قيل إنه أحد أسرار التفوق الأمريكي.
[...] عندما يحدث هذا في بلد عادي، تكون المسألة أزمة حكومية؛ لكن عندما يحدث ذلك في دولة لا تزال تمتلك أوسع شبكة نفوذ عسكري ومالي وسياسي في العالم، يصبح الأمر قضية عالمية تؤثر على مصير دول وقارات بأكملها. هنا، يتجاوز المشهد السياسة إلى ما يشبه عبثية عظيمة. لكن هذه المرة، لا تُكتب هذه العبثية في نصوص فلسفية، ولا حتى في تصورات توفيق الحكيم لعالمٍ مُختل المنطق، بل تُكتب مباشرةً على خرائط العالم؛ الفراغ الذي تُصدره الإمبراطورية الأمريكية اليوم من مركزها، لا من محيطها؛ فراغ لا يُربك أمريكا داخليًا فحسب، بل يُربك الحلفاء والأعداء والأسواق وساحات المعارك في آنٍ واحد.
عندما تصل أعظم قوة في العالم إلى هذه النقطة من التناقض اليومي بين رسالتها ورسالتها المضادة، بين التهديد والتراجع عنه، فإننا لا نواجه ارتباكًا سياسيًا فحسب، بل نواجه أيضًا شرخًا في صورة مركز القوة نفسه. سابقًا، كان جزء أساسي من مصداقية الولايات المتحدة قائمًا على حقيقة أن قراراتها، حتى في أحلك اللحظات، كانت تنبع من جهاز الدولة، لا من أهواء وعواطف فرد. سابقًا، لم يكن العالم ينظر إلى واشنطن كقوة عادلة أو أخلاقية، بل كقوة مفهومة ويمكن التنبؤ بها، على الأقل إلى حد ما. لكن اليوم، من أخطر التطورات أن هذه القدرة على التنبؤ بدأت تتلاشى، وأن صورة الدولة التي تعرف ما تريد تتراجع لصالح صورة أخرى: دولة تمتلك قوة فائضة لكنها تفقد تدريجيًا النظام والمعنى لتلك القوة.
[...] هنا يكمن جوهر المأزق الإمبراطوري. لا تبدأ الإمبراطوريات بالانحدار فقط عند هزيمتها عسكريًا أو اكتساحها من قبل أعدائها، بل أيضًا عندما تعجز عن إدارة شؤونها بالحكمة التي بنت بها مجدها. عندما يحل استعراض القوة محل استخدامها الأمثل، وعندما يحل الضجيج محل التنسيق، وعندما تتلاشى المسافة بين الدولة والفرد إلى درجة يصبح فيها القرار الاستراتيجي أشبه برد فعل عفوي أو استجابة مزاجية؛ عند هذه النقطة تحديدًا يتحول الكبرياء الإمبراطوري من علامة على الهيمنة إلى علامة على الفوضى، ويبدأ الانحدار.
لا شك أن الولايات المتحدة لا تزال قوة عالمية، ولا يمكن لأي عاقل أن ينكر ثقلها العسكري أو المالي أو التكنولوجي، أو عمق شبكات تحالفاتها. لكن الهدف هنا ليس إنكار القوة، بل فهم طبيعة اللحظة الراهنة. قد تكون الإمبراطورية بالغة القوة، ومع ذلك تدخل مرحلة الانحدار. لعل مأساة الإمبراطوريات العظيمة تكمن في استمرارها في التصرف كما لو أن أوج مجدها لا يزال قائمًا، حتى مع بدء فقدانها لتوازنها الداخلي. هذا ما يجعل المشهد الأمريكي الراهن بالغ الأهمية: تسعى واشنطن جاهدةً للتصرف كقطب وحيد لا يخضع للرقابة، بينما تتسع الشقوق في مركزها، ويصعب على نحو متزايد التمييز بين قرارات الحكومة ومشاعر الرئيس.
لذا، لا يبدو الحديث عن اهتزاز أحادية القطب مجرد أمنية أيديولوجية لدى خصوم واشنطن، بل قراءة يفرضها الواقع نفسه، ولم يعد العالم يشهد لحظة القوة الأمريكية المطلقة التي سادت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
اليوم، تصعد الصين بسرعة، وتكافح روسيا لتحديد مكانتها، وتوسع القوى الإقليمية نطاق مناورتها، ويصبح حلفاء الولايات المتحدة التقليديون أقل ثقة وأكثر قلقًا بشأن تقلب مركز صنع القرار الأمريكي. بالطبع، لم تترسخ بعدُ تعددية الأقطاب العالمية، لكن المؤكد أن مرحلة أحادية القطب الأمريكية الواثقة لم تعد كما كانت. والأخطر من ذلك، أن هذا التحول لا يعود فقط إلى صعود الآخرين، بل أيضًا إلى ارتباك أمريكا نفسها. عندما يهتز المركز، لا يحتاج العالم إلى سقوط إمبراطورية ليشعر بأن حقبة كاملة تقترب من نهايتها".
سيرك محاولة الاغتيال
بدورها، كتبت صحيفة جام جم: "حطمت أصوات إطلاق النار الأجواء الهادئة لعشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض السنوي في فندق واشنطن هيلتون مساء السبت، مما دفع الرئيس دونالد ترامب وزوجته ميلانيا إلى الفرار من المنطقة بمساعدة عملاء الخدمة السرية".
وقالت الصحيفة "أطلق المشتبه به الرئيسي، كول توماس ألين، 31 عامًا، من تورانس، كاليفورنيا، النار على قوات الأمن عند نقطة التفتيش عند مدخل القاعة الرئيسية، وكان مسلحًا ببندقية صيد ومسدسات. أصيب أحد عناصر الخدمة السرية في الحادث، لكن سترته الواقية من الرصاص أنقذته، وحالته مستقرة".
[...] من المهم الإشارة إلى أنه في الوقت الذي جددت فيه إيران إذلالها لأمريكا في حرب الأربعين يومًا ومحادثات إسلام آباد، وغضب ساكن البيت الأبيض إزاء هذه القضية، وبينما كان الجميع يتوقع تجدد الحرب، كان من المتوقع أن تُحوّل هذه الحادثة الرأي العام، ولو مؤقتًا، عن فشل أمريكا في الحرب مع إيران، إلا أن النتيجة المتوقعة من صناع القرار لم تتحقق. بل على العكس، يرى العديد من المراقبين السياسيين والإعلاميين أن هذا الحدث كان سيناريو مُصممًا لتعزيز الدعم الشعبي الأمريكي المتضائل بشدة.
وقالت الصحيفة: "بالطبع، ثمة تحليل آخر مفاده أنه نظرًا لتشويه سمعة التهديد بشن هجوم عسكري، أو حتى وقوع هجوم عسكري فعلي، فقد نُفذت هذه المسرحية من قبل واشنطن لكي تكشف التحقيقات اللاحقة عن تورط إيران في الحادثة، وليتمكن ترامب من الحصول على تفويض من الكونغرس لمواصلة الحرب بعد انتهاء مهلة الستين يومًا للعمليات العسكرية. ومع ذلك، لا تزال الشكوك تحوم حول هذا الحادث، وعلينا الانتظار لنرى ما إذا كان مجرد تمثيلية لأغراض سياسية أم فضيحة أمنية في قلب أمريكا".
[...] وفقًا لبعض المراقبين، فإن إطلاق النار في حفل عشاء الصحفيين هو ارتداد مباشر للعنف السياسي الذي يمارسه دونالد ترامب، والذي يشع من منصاته داخل وخارج الولايات المتحدة منذ سنوات، وقد عاد الآن إلى قلب البيت الأبيض. لقد زرع بذور العنف في المجتمع بخطابه التحريضي، واستفزازه للمنتقدين، وترويجه لثقافة السلاح والحرب، وها هي تلك البذور نفسها تسقط عليه في صورة رصاص. يُعدّ هذا الاغتيال اعترافًا مريرًا بفشل السياسات التي خلقت جوًا مليئًا بالاستياء في الداخل بقمع الاحتجاجات، وفي الخارج بالعقوبات والتهديدات العسكرية، ولا أحد يُلام سوى ترامب نفسه. في الواقع، هذا الحادث هو الثمرة المشؤومة للعنف نفسه الذي فرضه نظامه على العالم. لقد حوّل عنف ترامب السياسي الوضع السياسي في الولايات المتحدة إلى برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة، وذلك بتحريض أنصاره على مهاجمة المؤسسات والشعارات المثيرة للفتنة في الداخل، وبنزعاته الحربية المتواصلة في الخارج. هو، الذي يصوّر نفسه ضحية، نسي أن جذور هذا الاغتيال تكمن في ثقافته الأمريكية، التي تُصنّف الجميع أعداءً وتُدمّر الثقة الاجتماعية".
وقالت "إن عواقب هذه السياسات تعود الآن بطريقة لم تستطع حتى المخابرات الفيدرالية منعها، وهذا يُظهر عمق الأزمة الداخلية في المجال السياسي. بقراراته، لم يدفع ترامب خصومه الأجانب فحسب، بل دفع أيضاً المواطنين الأمريكيين إلى النقطة التي يحملون فيها السلاح، وقد بدأ هو نفسه هذه الحلقة المفرغة".
عجز اوروبي في هرمز
هذا؛ كتبت صحيفة وطن أمروز: "أوروبا، التي كانت تُعتبر سابقًا لاعبًا مهمًا في التطورات الدولية، لم تعد اليوم مجرد دولة بلا دور في الحرب الحالية، بل أصبحت مستهلكًا رئيسيًا للأزمة. يكشف تحليل السلوك السياسي والاقتصادي والأمني لهذه القارة في مواجهة الحرب التي تشنها الولايات المتحدة والنظام الصهيوني ضد إيران حقيقة الأمر. فرغم أن أوروبا تُعرب باستمرار عن قلقها، وتُصدر بيانات، وتُحذر بشأن أمن الممرات المائية، وتلجأ إلى عقد اجتماعات متتالية لإيجاد طرق عبور ومصادر طاقة بديلة، إلا أنها في جوهر هذه المعادلة ليست عاملًا حاسمًا. فعلى الرغم من كل جهودها للضغط على إيران، لم تكن هذه القارة القوة الدافعة ولا المُبادرة لهذه الحرب، كما أنها لا تملك الوسائل لإنهائها من جانب واحد، ولا تستطيع النجاة من تبعات تفككها دون تكبّد تكاليف باهظة. لقد عانت أوروبا من فقر استراتيجي؛ فالمنطقة التي تعتبر نفسها مركز الحضارة والنضج السياسي، تسعى الآن إلى ضمان أمنها وبقائها على خريطة رسمها آخرون".
وقالت إن "التوتر المتصاعد في غرب آسيا بمثابة مرآة شاملة تعكس ثقل أوروبا الحقيقي ومكانتها في النظام العالمي. لسنوات، من باريس وبرلين إلى بروكسل وروما، تكررت عبارات مثل السيادة الأوروبية والاستقلال الاستراتيجي والاكتفاء الذاتي الدفاعي، ولكن مع كل أزمة حادة، تتضح الفجوة العميقة بين الخطاب السياسي والقوة الاستراتيجية لأوروبا. فإذا كانت الحرب في أوكرانيا قد كشفت عن اعتماد أوروبا الشديد على المظلة العسكرية لواشنطن، وإذا كان انقطاع الغاز الروسي قد أظهر أن رفاهية الأوروبيين مرهونة بالموارد العابرة للحدود، فإن الحرب الحالية قد أثبتت أن الحياة الاقتصادية لأوروبا وشريان الطاقة فيها مرتبطان بممرات مائية تبعد آلاف الكيلومترات عن حدودها".
[...] في هذا الصراع، يحتل مضيق هرمز مكانةً محوريةً ورمزيةً. فهو بمثابة شريان الحياة للعالم الصناعي، يربطه بجسم غرب آسيا. وتشير التقارير إلى أن أكثر من خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يمر عبر هذا الممر المائي، لذا فإن أي انسداد أو اضطراب فيه سيمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من إيران والخليج العربي والمستهلكين الآسيويين. وسينعكس هذا الاضطراب الحيوي سريعًا وبشكل مباشر على أسعار الوقود، وتكاليف النقل العالمية، والتضخم المحلي، وشلل قطاع الطيران، والارتفاع الصاروخي في رسوم التأمين البحري، وحتى على العلاقات السياسية الداخلية في الدول الغربية".
ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، تُعد الحرب الحالية واحدة من أكبر أزمات أمن الطاقة في التاريخ، لدرجة أنها أجبرت العالم على اتخاذ خطوة غير مسبوقة تتمثل في إطلاق جزء كبير من احتياطياته النفطية الاستراتيجية لبناء حاجز ضد الصدمة السعرية المدمرة. وقد أدرك قادة أوروبا هذه الحقيقة المُرّة سريعًا، لكنهم لا يملكون القدرة على تغيير الوضع أو حتى التأثير فيه. تؤكد ردود فعل فرنسا وبريطانيا، والأفكار التي طرحتاها لتشكيل أسطول دفاع بحري مشترك، وتحذيرات توتال إنرجي من خطر مجاعة الطاقة الوشيكة في العالم، في جوهرها، أن أوروبا لا تزال تكافح من أجل الاستجابة. ببساطة، تكافح أوروبا للحد من التكاليف الكارثية التي لم يكن لها دور في إحداثها، ولا تملك الأدوات الكافية للسيطرة عليها.
وتابعت الصحيفة "لم تعد أوروبا فاعلة في الأزمة، بل أصبحت مجرد مستهلكة لها. ويمكن تحديد دورها الفاعل من عدمه بسهولة من خلال هذا المقياس؛ فالفاعل الحقيقي هو من يضع قواعد الساحة وفقًا لإرادته، ويغير مسار الدبلوماسية، ويلقي بعبء المواجهة على عاتق الخصم، ويرسم سيناريوهات تدعمها إرادته. أما الفاعل المستهلك، فعليه حتمًا تحمل العواقب التي يمليها عليه الفاعلون الآخرون، والتفاوض على حجم الدمار المتبقي، والتكيف مع بيئة لم يكن له أدنى دور في خلقها."