مقالات
إعلامي وباحث في الشأن السياسي
لطالما عُرفت السياسة الخارجية الإماراتية بسعيها الدائم للمشي على حبال التوازنات الدولية، وهي الحالمة دومًا بتزعّم القرار الخليجي وتحدّي «الأخ الأكبر» السعودي. لكن عام 2026 يسجل لحظةً فارقةً تتجاوز فيها أبو ظبي دور الوسيط لتتقمص دور اللاعب المغيّر لقواعد اللعبة، بعدما أصبح كل شيء يُدار ويُنفذ «على المكشوف»، وإعلان حاكمية الإمارات الانسياق التام وراء المشروع الأميركي - «الإسرائيلي» في المنطقة، لا سيما بعدما أسقطت واشنطن بإدارة دونالد ترامب الخطوط الحمر التي تحكم التوازنات الجيوسياسية في المنطقة بإعلان الحرب على إيران.
ولم يعد التحرك الإماراتي مجرد سعيٍ لتنويع الاقتصاد، بل تحول إلى استراتيجية «تكسير عظام» جيوسياسية، تتقاطع فيها طموحات السيادة النفطية مع بناء قوسٍ أمنيٍ يمتد من سواحل الهند وصولًا إلى البحر المتوسط، مرورًا بالقرن الأفريقي؛ إنها ولادة عقيدة «الأمن القومي البحري» التي لا تكتفي بتأمين الحدود، بل تسعى للتحكم في تدفقات العولمة.
الانقلاب على «أوبك»
في قلب هذا التحوّل، تبرز الرغبة الإماراتية في التحرر من عباءة «أوبك» و«أوبك بلس». وهذا التوجه ليس وليد لحظةٍ عابرةٍ في فضاءٍ خليجيٍ ملبّدٍ بالملفات المشتعلة، بل هو نتيجة تضاربٍ بنيويٍ بين رؤية الإمارات الاستثمارية وقيود المنظمة الدولية التي يسيطر عليها منطق «تجميد الإنتاج» للحفاظ على الأسعار.
اندفعت أبو ظبي لتفك الارتباط الاستراتيجي، فاستثمرت مئات المليارات لرفع طاقتها الإنتاجية إلى أكثر من خمسة ملايين برميل يوميًا، بعدما وجدت أن الالتزام بحصص «أوبك» يعني بقاء نحو 30 بالمئة من قدرتها الإنتاجية معطلة، وهو ما تراه استنزافًا لفرصها في تمويل «صناديقها السيادية» العملاقة.
ماذا يعني الانسحاب!؟ هو انتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الحصة السوقية، ما يمنحها مرونةً هائلةً في توقيع اتفاقياتٍ ثنائيةٍ طويلة الأمد مع القوى الناشئة كالهند، بعيدًا عن الفيتو السعودي أو التنسيق الروسي، وطبعًا بما ينسجم مع السياق الأميركي والطموح «الإسرائيلي» في تحويل «تل أبيب» إلى عاصمة التحكّم بالتجارة النفطية في العالم.
يأتي هذا التحرك في وقتٍ حساسٍ أعلنت فيه وكالة الطاقة الدولية نفاد مخزونات الطوارئ العالمية، ما يمنح أي برميل نفط إضافي تنتجه الإمارات قوةً تصويتيةً وسياسيةً مضاعفةً، وتدرك الإمارات أن زمن «النفط كمصدر دخل» ينتهي، لتبدأ مرحلة «النفط كأداة نفوذٍ جيوسياسيٍ» أخيرة قبل التحول الكامل للطاقة الخضراء.
المربع الذهبي والممر الاقتصادي البديل
تفيد المؤشرات والمعلومات المتقاطعة بملامح تشكيل محور تحالفٍ رباعيٍ يضم الإمارات، «إسرائيل»، الهند، وإثيوبيا. وهذا المحور لا يهدف فقط للتبادل التجاري، بل يمثل الخيار الغربي البديل لطريق الحرير الصيني، وهو ما يُعرف بمشروع (IMEC). على أن يوفّر الوجود «الإسرائيلي» في هذا المربع المظلة التكنولوجية والأمنية.
وعليه فإن «اتفاقيات أبراهام» لم تعد مجرد تطبيعٍ دبلوماسيٍ بغطاءٍ شبه ديني - ثقافي، بل تحولت إلى دمجٍ عسكريٍ تجلّى في نشر منظومات «القبة الحديدية» و«مقلاع داوود» لحماية حقول الغاز والمنشآت الحيوية الإماراتية، ما يعني إنشاء «شبكة إنذارٍ مبكرٍ» تمتد من خليج العقبة إلى مضيق هرمز، يهدف إلى تحييد القدرات الصاروخية للخصوم، أي إيران على وجه التحديد.
من هنا فإن الدعم الإماراتي النوعي لأديس أبابا يمثّل استثمارًا في «القوة الصاعدة» بأفريقيا، سواء من خلال السيطرة على الاستثمارات الزراعية والطاقوية في إثيوبيا، بما يضمن للإمارات موطئ قدمٍ في منابع النيل، ويمنحها ورقة ضغطٍ قويةً في التوازنات الإقليمية، أو من خلال جعل إثيوبيا حليفًا بريًا يكمل القوة البحرية الإماراتية.
عسكرة الممرات والكماشة الجغرافية
يكشف الواقع الميداني الراهن عن تحركاتٍ إماراتيةٍ لإحكام السيطرة على «عنق الزجاجة» في التجارة العالمية، وذلك من خلال:
بناء قواعد عسكريةٍ في أرض الصومال وتطوير ميناء بربرة، وهذا ليس مجرد نشاطٍ تجاريٍ، بل هو تحويلٌ لخليج عدن إلى منطقة نفوذٍ حصرية، حيث تعمل هذه القواعد كمنصات رقابةٍ متقدمةٍ تخدم الأجندة الغربية في رصد التحركات البحرية الإيرانية والصينية المتجهة نحو قناة السويس.
السيطرة على جزيرة سقطرى وتأمين السواحل الجنوبية لليمن، ما يؤدي إلى إغلاق الدائرة الأمنية. وهنا تصبح الإمارات «البوابة» التي تتحكم بالممر الملاحي الدولي، وهي قدرة تمنحها حق «الفيتو الجغرافي» على حركة التجارة الدولية، ما يرفع من أهميتها لدى القوى العظمى التي تخشى تعطل سلاسل الإمداد.
المصلحة الأميركية «الإسرائيلية»
تستفيد واشنطن و«تل أبيب» من هذا التموضع الناشئ بطريقة «الربح المشترك» التي تعيد توزيع أعباء السيطرة، فواشنطن التي تعاني من تشتت مواردها بين أوكرانيا وتايوان، تجد في الإمارات شريكًا موثوقًا وقادرًا على تحمل عبء الأمن الإقليمي. وهذا التلزيم يسمح لأميركا بالانسحاب الجزئي دون ترك فراغٍ تملؤه الصين، حيث تقوم الإمارات بإدارة الممرات المائية بأدواتٍ تكنولوجيةٍ «إسرائيلية» وتمويلٍ ذاتي، إلا أن الجانب الآخر الأهم في هذا التلزيم هو محاصرة خصوم واشنطن، أي إيران وروسيا والصين، فكيف يكون ذلك!؟
إن وجود رادارات ومنظومات «إسرائيلية» على الأراضي الإماراتية يعني عمقًا استراتيجيًا لـ«تل أبيب» داخل منطقة الخليج الفارسي، ما ينهي أسطورة السيطرة الإيرانية المطلقة على هرمز.
وبالنسبة لروسيا فإن كسر وحدة «أوبك» عبر خروج الإمارات يضرب التنسيق الروسي - السعودي، ويحرم موسكو من التحكّم في سقف الأسعار، ما يضعف اقتصاد الحرب الروسي.
أما بالنسبة للصين فإن التحكّم بباب المندب وبربرة وسقطرى يعني أن «طريق الحرير البحرية» تمر عبر «فلتر» إماراتي - غربي، ما يجعل أمن الطاقة الصيني رهينةً لهذا التحالف في حال نشوب أي صراعٍ في المحيط الهادئ.
أوروبا المستفيد القلق
تقف العواصم الأوروبية في موقفٍ معقّدٍ تجاه هذا «التمرد» الإماراتي؛ فمن جهةٍ تحتاج أوروبا بشدةٍ إلى زيادة الإنتاج الإماراتي خارج قيود «أوبك» لتعويض الغاز الروسي والتحرّر من «ابتزاز الطاقة»، ومن جهةٍ أخرى تخشى أوروبا من أن يؤدي هذا الاستقطاب الحاد والتحالف العسكري المباشر مع «إسرائيل» إلى انفجار المنطقة، ما سيعني موجات هجرةٍ غير مسبوقةٍ وتهديدًا مباشرًا للملاحة في المتوسط. أوروبا تريد الإمارات كمنتجٍ للطاقة، لكنها تخشى دورها كرأس حربةٍ عسكريٍ قد يشعل فتيل مواجهةٍ كبرى.
ولا يمكن فهم هذه التحركات دون النظر إلى التنافس المحموم بين أبو ظبي والرياض، فقد وصل صراع النماذج إلى ذروته بين الجارين اللدودين، فبينما تستثمر السعودية في المشاريع العملاقة (نيوم) وتتسنّم القيادة الروحية والسياسية للمنطقة، تركز الإمارات على «القوة الناعمة» الممزوجة بالسيطرة اللوجستية البحرية، وما الخلاف في اليمن إلا قمة جبل الجليد؛ فالإمارات تريد يمنًا مقسّمًا يضمن لها السيطرة على الموانئ، بينما تريده السعودية يمنًا مستقرًا يحمي حدودها الجنوبية. وهذا التباين يجعل من القمم الخليجية مجرد «بروتوكول» يخفي خلفه صراعًا مريرًا على زعامة الاقتصاد الإقليمي.
أفق الصدام العالمي
السؤال الجوهري: هل ستصمت الصين وروسيا وإيران أمام هذه «الكماشة»؟ التقديرات المنطقية تشير إلى أن التموضع الإماراتي سيدفع قوى «بريكس» لاتخاذ خطواتٍ مضادة، ومنها اتجاه الصين إلى زيادة وجودها العسكري في قاعدة «جيبوتي» أو تطوير موانئ بديلةٍ في باكستان وإيران لتجاوز السيطرة الإماراتية.
وقد يدفع الضغط الزائد على إيران إلى تبنّي طهران استراتيجية «الكل أو لا شيء»، حيث تصبح السيطرة على الملاحة البحرية وسيلةً وحيدةً لفك الحصار التكنولوجي والأمني المفروض عليها من القواعد الإماراتية.
الإمارات والمقامرة الاستراتيجية
إن الرهان الإماراتي على التحالف مع «إسرائيل» والهند، والخروج من مظلة «أوبك»، وبناء إمبراطورية القواعد البحرية، هو بمثابة مقامرةٍ كبرى في سياق تشكيل النظام العالمي الجديد، وتأمل أبو ظبي بالنجاح في هذا المسار بما يجعلها المركز العصبي للتجارة الدولية و«سنغافورة الشرق الأوسط» المحصّنة تكنولوجيًا، لكن الفشل، أو الانجرار لصدامٍ عسكريٍ مباشرٍ مع إيران أو حلفاء الصين، سوف يحوّل هذه الموانئ والقواعد إلى أهدافٍ مشتعلةٍ في حربٍ عالميةٍ ثالثةٍ تبدأ شرارتها من المضائق. ولئن اختارت الإمارات أن تكون «رأس الحربة» في مشروع إعادة هندسة المنطقة، فعليها أن تستعد لمواجهة العاصفة، حيث لم يعد هناك مكانٌ للمناورة في منتصف الطريق.