إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الاثنين 11 أيار 2026 بالرد الإيراني على المقترح الأميركي، وتصاعد هشاشة وقف إطلاق النار، مع تحليلات تركز على القوة الإيرانية الصاعدة في هذه الحرب رغم الخسائر الكبيرة في هذه الحرب اللامتكافئة.
حرب لا تستطيع أميركا إنهاءها
كتبت صحيفة رسالت: "لا تنتهي الحروب دائمًا كما بدأت. فقد دخلت إمبراطوريات عديدة غمار الصراع بفكرة الضربة السريعة والحاسمة، لتجد نفسها غارقة في مستنقع التكاليف الباهظة والاستنزاف وأزمة الشرعية. وتتزايد الآن المؤشرات على أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وإن بدأت بالتفوق الجوي والضربات المكثفة، فمن المرجح أن تنتهي بنوع من التراجع السياسي والاستراتيجي من جانب واشنطن؛ تراجع قد يُسمى بغير اسمه، لكن جوهره لن يتغير.
كانت الفكرة الأساسية للحرب بسيطة لكنها خطيرة: هجوم واسع النطاق لإسقاط هيكل قيادة الجمهورية الإسلامية، وتدمير بنيتها النووية، وإحداث شرخ في سيادة إيران. افترض مخططو هذا السيناريو أنه بعد أسابيع قليلة من القصف، ستستسلم طهران سياسيًا أو ستنزلق إلى فوضى داخلية. لكن تاريخ الشرق الأوسط أثبت مرارًا وتكرارًا أن الحسابات العسكرية في المنطقة غالبًا ما تستند إلى تصورات ذاتية ومعلومات غير مكتملة.
إيران ليست كعراق عام 2003، ولا كليبيا عام 2011، ولا حتى أفغانستان في عهد طالبان. إنها مزيج معقد من حكومة مركزية، وهيكل أمني متعدد الطبقات، وقدرات صاروخية واسعة، وشبكات إقليمية، والأهم من ذلك، جغرافية تجعل أي عملية برية واسعة النطاق كابوسًا لوجستيًا. حتى لو سيطرت الولايات المتحدة على الأجواء الإيرانية، فسيكون من شبه المستحيل تحويل هذا التفوق الجوي إلى نصر سياسي.
أحد أكبر أخطاء واشنطن الاستراتيجية هو تجاهل منطق البقاء في الجمهورية الإسلامية. فقد تعرض النظام السياسي الإيراني لأشد الضغوط الاقتصادية والأمنية والاستخباراتية على مدى العقود الأربعة الماضية، وفي ظل هذه الظروف تحديدًا طوّر نموذج بقائه. لم تفشل العقوبات والاغتيالات والتخريب الإلكتروني والضغوط الدبلوماسية في إسقاط البنية السياسية الإيرانية فحسب، بل جعلت جزءًا كبيرًا من نظام صنع القرار في طهران أكثر أمانًا ومرونة. هذا يجعل فكرة الانهيار السريع للنظام تبدو أقرب إلى أمنية سياسية منها إلى تحليل واقعي.
من جهة أخرى، تواجه الولايات المتحدة قيودًا لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام. فالجيش الأميركي لم يتعافَ بعد من تبعات حربي العراق وأفغانستان. ولا يمكن للرأي العام الأميركي أن يتقبل حربًا أخرى في الشرق الأوسط، لا سيما حربًا بلا نهاية واضحة ولا أمل واضح في تحقيق النصر. كما أن الاقتصاد الأميركي لم يعد قادرًا على إدارة الأزمات المتزامنة بسهولة كما كان يفعل في تسعينيات القرن الماضي. فارتفاع الإنفاق العسكري، واضطرابات سوق الطاقة، وعدم الاستقرار العالمي، كلها عوامل قد تُشكل ضغطًا هائلًا على الحكومة الأميركية.
لكن نقطة ضعف أميركا الأهم قد تكمن في مكان آخر: الطاقة. قد لا تتمكن إيران من هزيمة الولايات المتحدة في معركة تقليدية، لكنها قادرة على رفع تكلفة الحرب إلى مستوى لا تستطيع واشنطن تحمله. ولا يزال مضيق هرمز أحد أكثر ممرات الطاقة حساسية في العالم. فأي اضطراب واسع النطاق على طول هذا الممر سيُصيب الاقتصاد العالمي بصدمة.
كما أن ارتفاع أسعار النفط، وأزمة النقل البحري، والتهديدات التي تواجه منشآت الطاقة في الخليج، كلها عوامل قد تُحوّل حربًا إقليمية إلى أزمة عالمية بسرعة.
تخشى الدول العربية المطلة على الخليج استمرار هذه الحرب. فالسعودية والإمارات وقطر تدرك تمامًا أن اقتصاداتها تعتمد على استقرار الطاقة وأمن البنية التحتية. ورغم وجود خلافات سياسية بينها وبين إيران، إلا أن حربًا شاملة تستهدف مصافي النفط والموانئ ومحطات تحلية المياه قد تهدد وجودها الاقتصادي. ولهذا السبب، يسعى العديد من الفاعلين العرب في المنطقة إلى احتواء الأزمة والتوصل إلى وقف لإطلاق النار بدلًا من السعي لتحقيق نصر أميركي كامل.
في المقابل، لدى "إسرائيل" حسابات مختلفة. فبالنسبة للحكومة الإسرائيلية، يُعدّ إضعاف إيران جزءًا من مشروع أمني طويل الأمد. لكن حتى "إسرائيل" تدرك أن التدمير الكامل لقدرات إيران الصاروخية والإقليمية شبه مستحيل. فكلما طالت الحرب، ازداد الضغط الاقتصادي والأمني والنفسي على "إسرائيل". وقد تخلق الهجمات الصاروخية والاضطرابات الاقتصادية والتدهور النفسي للمجتمع الإسرائيلي ظروفًا تدفع تل أبيب إلى السعي نحو انسحاب مشرّف بدلًا من نصر مطلق. ومن الحقائق المهمة الأخرى لهذه الحرب تغيّر النظام العالمي، حيث لم تعد أميركا القوة المهيمنة الوحيدة في العالم. تلعب الصين وروسيا، بل وحتى بعض القوى الإقليمية، دورًا الآن.
وتُعدّ الصين عرضةً بشكل خاص لعدم الاستقرار في الخليج، نظرًا لأن جزءًا كبيرًا من طاقتها يأتي من هناك. ولهذا السبب، من المرجح أن تتدخل بكين في نهاية المطاف للتوسط في اتفاق أو وقف لإطلاق النار، كما فعلت في الماضي للمصالحة بين إيران والسعودية.
[...] حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا بالنسبة لواشنطن، من المرجح أن تظل إيران لاعبًا إقليميًا، ربما أضعف، وربما أكثر حذرًا، لكن لن يتم القضاء عليها. وهنا يبرز مفهوم الانسحاب الأميركي؛ ليس بالضرورة انسحابًا عسكريًا مباشرًا، بل انسحابًا من الأهداف الأصلية للحرب".
فرقاطات إيرانية صغيرة؛ سريعة وشرسة
كتبت صحيفة وطن أمروز: "لطالما كان مضيق هرمز، باعتباره شريان الحياة للطاقة في العالم وأحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية على كوكب الأرض، محط أنظار القوى العالمية والجهات الفاعلة الإقليمية. وفي الوقت نفسه، تشير التطورات الأخيرة والتقارير العديدة الصادرة عن وسائل الإعلام الدولية، بما في ذلك تانكر تراكرز وسي إن إن، وتحليلات الخبراء العسكريين الأميركان، إلى تحول جذري في فهم التهديدات البحرية. وينصب التركيز الرئيسي لهذه التطورات على الدور المحوري والمتزايد للزوارق السريعة في عقيدة الدفاع والردع للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
[...] ومع ظهور الحرب غير المتكافئة وتحول موازين القوى في العقائد العسكرية التقليدية، حيث يُحدد التفوق البحري عادةً بامتلاك حاملات طائرات وغواصات نووية ومدمرات كبيرة، هيمنت الولايات المتحدة على المحيطات لعقود من الزمن باستثمارها الضخم في أساطيلها البحرية، لكن إيران، إدراكًا منها لهذا التفاوت، فضلًا عن القيود التكنولوجية التي تعيق القوة البحرية التقليدية والقدرات العسكرية، لجأت إلى الحرب غير المتكافئة. في هذه الاستراتيجية، يكمن الهدف في إضعاف نقاط قوة العدو واستغلال نقاط ضعفه باستخدام وسائل رخيصة وسريعة ومتفرقة. وتُعدّ الزوارق السريعة رمزًا بالغ الأهمية لهذه العقيدة. وتؤكد التقارير الإعلامية أن زوارق الحرس الثوري الإسلامي السريعة تُشكّل تحديًا خطيرًا لأنظمة الرادار والدفاع المتقدمة نظرًا لصغر حجمها وقدرتها العالية على المناورة. وكما أشارت قاعدة بيانات متتبعي ناقلات النفط، تتمتع هذه الزوارق بقدرة على شنّ هجمات جماعية، مما يقلل من إمكانية رصدها (حتى لو تمكنت البحرية الأميركية من توجيه ضربة).
وهذه عبارة جوهرية، لأنه في الحرب البحرية الحديثة، قد يُرهق حجم النيران وعدد الأهداف التي يجب على نظام الدفاع تتبعها في آن واحد قدراته.
[...] من أبرز ما تناولته التحليلات الإعلامية مسألة التتبع الراداري. تتميز الزوارق السريعة بانخفاض مقطعها الراداري نظرًا لصغر حجم هياكلها واستخدامها لمواد كابحة للرادار أو تصاميم تمويهية. هذه الميزة تجعل من الصعب رصدها من مسافات بعيدة بواسطة رادارات السفن الحربية أو طائرات الاستطلاع. وتشير تقارير صور الأقمار الصناعية لهذه الزوارق التي تقوم بدوريات في مضيق هرمز إلى أن إيران تستخدم هذه الميزة لخلق ضباب راداري أو غطاء واسع. هذا التخفي التكتيكي يقلل بشكل كبير من زمن رد فعل القوات المعادية. فعند رصد زورق سريع من مسافة قريبة، يكون الوقت المتاح لإطلاق صواريخ مضادة للسفن أو مدفعية ضئيلًا للغاية. هذا العامل يزيد بشكل كبير من تكلفة مهاجمة هذه الفرقاطات الإيرانية الصغيرة جدًا بالنسبة للقوات الأميركية، حيث يمكن أن يؤدي أي عمل عسكري إلى خسائر مفاجئة وغير متوقعة.
[...] إن الطريقة التي غطت بها وسائل الإعلام الغربية هذه القضية دليلٌ على الأهمية الاستراتيجية للزوارق السريعة. فعندما تُعرب قنوات مثل CNN ومحللون علنًا عن مخاوف الولايات المتحدة أو قلقها بشأن هذه الزوارق، فإنهم في الواقع يُقرّون بنجاح العقيدة الإيرانية. تُظهر هذه التقارير نجاح استراتيجية الردع الدفاعي الإيرانية في تحييد التفوق التكنولوجي والعددي للبحرية الأميركية. وقد تحوّل هذا الخطاب الإعلامي من وصفها بالتهديد الإرهابي أو عامل زعزعة الاستقرار الإقليمي إلى فاعل عسكري فعّال وقوة ردع. تسعى وسائل الإعلام الآن إلى تحليل الآليات التقنية والتكتيكية لهذه الزوارق، بدلًا من مجرد إدانتها. يعكس هذا النهج التحليلي نضجًا في فهم وسائل الإعلام لحقائق ساحة المعركة الحديثة. في نهاية المطاف، لا تُعدّ الزوارق السريعة مجرد نوع من الفرقاطات، بل تُمثّل تحولًا استراتيجيًا في الحرب البحرية. فبالاعتماد على هذه الأدوات السريعة والرخيصة والفعّالة، تمكنت إيران من تغيير موازين القوى في مضيق هرمز لصالحها. إن الجمع بين السرعة والتخفي والقدرة على الهجوم الجماعي والتكامل مع الأسلحة الأخرى جعل هذه الزوارق عقبةً خطيرةً أمام أي محاولة للهيمنة العسكرية الأجنبية".
الكرة الآن في ملعب واشنطن
كتبت صحيفة إيران: "في ظل هشاشة وقف إطلاق النار في المنطقة واستمرار التوترات البحرية المحدودة في الخليج، أرسلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ردها على أحدث نص اقترحته الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، عبر وسيط باكستاني، يوم الأحد 10 مايو/أيار. وكان إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية، قد أعلن سابقًا أن إيران ستُقدم وجهة نظرها وملاحظاتها على المقترحات الأميركية بعد استكمال الدراسات والتوصل إلى استنتاجات نهائية. ووفقًا للخطة المقترحة، ينصب التركيز الرئيسي على إنهاء الحرب في المنطقة، ويأتي رد إيران على النص الذي أعدته الولايات المتحدة ردًا على مقترح الجمهورية الإسلامية المكون من 14 بندًا.
[...] مع إرسال إيران ردها على النص المقترح من الولايات المتحدة، دخلت التحركات الدبلوماسية الإقليمية مرحلة جديدة، حيث كثفت باكستان وقطر جهودهما للحفاظ على المفاوضات ومنع عودة التوترات. وأعلن رئيس أركان الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، يوم الأحد، أن إسلام آباد ستواصل جهود الوساطة بين طهران وواشنطن. ويأتي هذا الموقف في وقت أصبحت فيه باكستان إحدى القنوات الرئيسية لنقل الرسائل بين الجانبين في الأسابيع الأخيرة. في غضون ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية عن مكالمة هاتفية بين السيد عباس عراقجي ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان حول آخر التطورات في المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة؛ وهي مشاورات تُظهر أن المفاوضات تجاوزت الاتصالات الثنائية وأن الفاعلين الإقليميين يتابعون التطورات. في الوقت نفسه، كثّفت قطر تحركاتها الدبلوماسية. وناقش وزير الخارجية الإيراني السيد عباس عراقجي آخر التطورات الإقليمية والاتجاهات الدبلوماسية الحالية في مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يوم الأحد.
تأتي هذه المشاورات في أعقاب لقاء وزير الخارجية القطري مع كبار المسؤولين الأميركان خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، بمن فيهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الأميركي الخاص إلى واشنطن ستيف ويتكوف، ونائب الرئيس الأميركي مايك بنس. ووفقًا للتقارير، انصبّ التركيز الرئيسي للمحادثات على التطورات في غرب آسيا والجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
[...] تُشير التحركات الدبلوماسية الإيرانية إلى أن طهران تسعى لتحقيق هدفين في آنٍ واحد في الوضع الراهن: أولهما، منع انهيار المفاوضات، وثانيهما، إعادة تعريف التوازن السياسي والأمني في المنطقة بالاعتماد على الدبلوماسية الفعّالة والتنسيق مع شركائها الدوليين. مع استمرار المشاورات الإقليمية، سعت طهران إلى تحديد مسار المفاوضات بما يتجاوز المحادثات العرضية مع واشنطن. وفي هذا الصدد، ركزت التحركات الدبلوماسية الإيرانية في الأسابيع الأخيرة، أكثر من أي شيء آخر، على تعزيز التنسيق مع روسيا والصين. ولم ينظر المراقبون إلى زيارة السيد عباس عراقجي إلى موسكو ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وما أعقبها من زيارة إلى بكين ومشاورات مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي، على أنها مجرد لقاءات شكلية، بل اعتبروها مؤشرًا على جهود طهران لتشكيل تنسيق سياسي واستراتيجي في سياق وقف إطلاق النار وما يتبعه من استعدادات. وفي الوضع الراهن، تحاول إيران إدارة مسار أي اتفاق محتمل بالاعتماد على علاقات نشطة مع القوتين الشرقيتين".