إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الأربعاء 13 أيار/مايو 2026 بسفر ترامب إلى الصين واليد الفارغة التي سيلقى بها الرئيس الصيني بعد عجزه عن تحقيق أي إنجاز في مضيق هرمز، كما بيّنت الاضطراب الذي تعيشه الدول العربية في الخليج بسبب مشاركتها في الحرب على إيران ومآلات هذه المشاركة.
دول الخليج مدينة لإيران
كتبت صحيفة وطن أمروز: "على الرغم من أن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة قد أزال مؤقتًا أجواء الصراع المباشر في المنطقة، إلا أنه لا يعني نهاية تداعيات حرب الأربعين يومًا التي فُرضت على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدعمٍ واضح من الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية في المنطقة. في الواقع، لا يعني توقف تبادل إطلاق النار بالضرورة نهاية ملف الحرب، إذ لا تزال العديد من أبعادها مفتوحة على المستويات الاستراتيجية والأمنية وحتى القانونية. خاصةً بعد اندلاع نزاعات نتيجةً للعملية العسكرية التي أطلقها ترامب (مشروع الحرية) في مضيق هرمز، ولا تزال نزاعات أخرى واردة، إذ أعلن ترامب مؤخرًا عن تنفيذ مشروع الحرية بلس. ومن أهم الجوانب المرتبطة بجو التوتر الحالي في المنطقة مسألة بنك الاستهداف الإيراني وحق إيران في الرد على دول الساحل الجنوبي للخليج، التي شاركت بطرقٍ مختلفة في مهاجمة إيران خلال الحرب، لكنها لم تدفع بعد ثمنًا مباشرًا لهذا الدعم.
في الحرب الأخيرة، ولأول مرة، انكشف التداخل العملياتي بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وبعض الأنظمة الملكية العربية الرجعية ضد إيران. وكشفت حرب الأربعين يومًا عن مستوى التعاون والدعم الذي قدمته دول الخليج للمشروع العسكري الأميركي ضد إيران. وحتى الآن، سعت العديد من هذه الدول إلى الظهور إعلاميًا وسياسيًا بمعزل عن التوترات المباشرة بين طهران وواشنطن، بل واستخدمت في بعض الأحيان خطاب الوساطة وخفض التصعيد، إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت أن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية العسكرية والاستخباراتية واللوجستية للعملية الأميركية ضد إيران قد تم إنشاؤه بالتعاون مع هذه الدول.
وخلال الحرب، تحولت القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة عمليًا إلى غرفة عمليات للهجمات ضد إيران. فمن البحرين والكويت إلى بعض المنشآت في السعودية، وخاصة الإمارات العربية المتحدة، لعبت جميعها دورًا في سلسلة العمليات الأميركية. ونُفذ جزء كبير من الهجمات الجوية والصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة ضد إيران من أراضي أو سماء هذه الدول. تُعتبر هذه المسألة نقطة بالغة الأهمية من منظور القانون الدولي وقواعد الحرب، لأنه عندما تُصبح أراضي دولة ما منصةً لشن هجوم على دولة أخرى، فإن تلك الدولة تُشارك فعليًا في النزاع، ويحق للطرف الآخر الرد بالمثل.
ووفقًا لمبادئ الدفاع عن النفس المعروفة في القانون الدولي، كان لإيران الحق في الرد في الوقت نفسه على مصادر الهجوم؛ أي أراضي الدولة التي تستضيف المراكز والقواعد والبنى التحتية الأميركية التي انطلقت منها الهجمات ضد إيران. ومع ذلك، أظهر سلوك إيران خلال الحرب أن طهران ميّزت جوهريًا بين القدرة على الرد وقرار الرد. وقد تزامن هذا التحفظ مع استهداف العديد من المراكز الحساسة والسيادية في إيران بشكل مباشر. فخلال الحرب، استُهدفت مجمعات مرتبطة بهيكل الحكم الإيراني، بدءاً من مكتب إمام الثورة الإسلامية الشهيد والمناطق السكنية، وصولًا إلى مراكز القيادة والمؤسسات الأمنية، وحتى بعض المباني السياسية الحساسة.
مع ذلك، لم تفعل إيران ذلك، رغم قدرتها على توسيع نطاق ردها ليشمل البنية التحتية الحكومية للدول المتحالفة مع الولايات المتحدة، وامتلاكها الحق القانوني في ذلك. فلم تستهدف إيران المراكز السياسية والحكومية في البحرين، ولا القصور ومراكز صنع القرار في الإمارات العربية المتحدة أو السعودية أو الكويت. في حين كان بإمكانها، من منظور استراتيجي، مهاجمة أهداف مماثلة في الدول المشاركة في الحرب بمنطق الرد المتكافئ.
خلال حرب الأربعين يومًا، فضّلت إيران، رغم امتلاكها الحق والقدرة على تنفيذ هذا العمل، تركيز ردها بشكل أساسي على قواعد ومراكز الدعم اللوجستي للجيش الأميركي، وبعض المراكز والمنشآت الاقتصادية التي للولايات المتحدة مصالح فيها.
وقد أصبحت هذه المسألة الآن من أهم متغيرات الردع المستقبلي، لأن ما لم يُستخدم خلال الحرب لم يُستبعد بالضرورة من الأجندة الاستراتيجية.
[...] بناءً على ذلك، باتت العديد من الدول العربية في المنطقة تدرك أنها لم تتلقَّ بعدُ جزءًا من ثمن أفعالها. ولا يمكن لأي دولة في جنوب الخليج أن تتصور أن مشاركتها في مشاريع عسكرية ضد إيران ستمر دون عواقب استراتيجية. لذا، لا شك في حق إيران في الردّ المناسب على مشاركة دول الخليج العربية في هجمات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في حرب الأربعين يومًا.
بعبارة أخرى، في حال نشوب أي نزاع عسكري بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وإيران، يحق لطهران الردّ المناسب على جميع أطراف العدوان، ولا سيما دول الخليج. فعلى سبيل المثال، لن تقتصر هذه المرة على استهداف المراكز والقواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة في المنطقة، فضلًا عن الأهداف المحددة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل ستستهدف إيران أيضًا المراكز الحكومية والسياسية للولايات المتحدة والدول الصهيونية الشريكة في الخليج ردًا على استهداف مراكزها الحكومية والسياسية. هذا الإجراء مرجحٌ للغاية، لا سيما فيما يتعلق بالإمارات العربية المتحدة، التي أصبحت طرفًا ثالثًا بارزًا في الحرب ضد إيران. وثمة نقطة بالغة الأهمية في هذا الصدد، وهي أن استهداف الحكومات والمراكز السياسية للولايات المتحدة والدول الصهيونية الشريكة في الخليج لا يحدث بالضرورة بعد اندلاع نزاع أو حرب جديدة. فعلى سبيل المثال، يحق لإيران الرد في أي وقت على استهداف حكوماتها ومراكزها السياسية في حرب الأربعين يومًا؛ أي أن استهداف حكومات ومراكز ومباني دول الخليج لم يُؤجل إلى حين استئناف الحرب. لإيران الحق في هذا الرد القانوني متى رأته مناسبًا. ومع ذلك، ورغم أن توقيت هذا الرد غير معروف، فإن المؤكد هو انتهاء ضبط النفس الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية تجاه الأنظمة الشريكة للولايات المتحدة والنظام الصهيوني في الحرب ضد إيران. فحكام هذه الدول مدينون لإيران، وهذا الدين سيُسدد حتمًا".
يد المقامر الخالية فيما يتعلق بإيران والصين
كتبت صحيفة رسالت: "لا يزال قرار إعادة فتح مضيق هرمز، الذي طال انتظاره، أمرًا بعيد المنال. ففي يوم الأحد، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب رد إيران بأنه غير مقبول، لذا فمن غير المرجح أن يتم التوصل إلى حل لفتح الممر المائي قبل سفره إلى بكين. ومع بقاء قضية هرمز دون حل، سيصل الرئيس الأميركي إلى قمة هذا الأسبوع خالي الوفاض (موقف أضعف) للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ. بعيدًا عن الضجة الإعلامية، ما هو الموقف التفاوضي الأميركي الحقيقي بشأن المضيق؟ أعلن ترامب وطهران في ۱۷ نيسان/أبريل عن فتح المضيق، لكن إعادة فتحه لم تدم سوى ساعات قليلة، وسرعان ما أغلقت إيران الممر المائي مجددًا، حيث أصرّ ترامب على إبقاء الحصار البحري على إيران حتى التوصل إلى اتفاق. على الرغم من ادعاءات ترامب المتكررة بأن الولايات المتحدة تملك زمام الأمور وإيران لا تملك شيئًا، إلا أن الواقع أقرب إلى الحقيقة. فالحصار البحري هو الملاذ الأخير للاعب عالق في لعبة خاسرة بلا مخرج سهل. هذه لعبة شطرنج طويلة الأمد على جبهات متعددة، وليست مجرد مناورة في لعبة بوكر. بعد أن لاقى تهديد ترامب بتدمير حضارة إيران - أي بنيتها التحتية المدنية - إدانة واسعة، أصبح الحصار البحري الخيار الوحيد المتاح. ومع قدرة إيران على عرض إعادة فتح مضيق هرمز بالمقابل، لم يتبق لترامب سوى ورقة واحدة، وهي ورقة غير فعالة كأداة أحادية الجانب، حتى وإن كانت مفيدة كورقة مساومة.
[...] لكسر الهيمنة الإيرانية، أطلق ترامب مشروع الحرية في 4 أيار/مايو واعدًا بتوجيه حركة الشحن التجاري عبر المضيق. ونشأ صراع إرادات، وردت إيران بالعنف؛ ففي اليوم الثاني من العملية الأميركية، تعرضت سفينة شحن فرنسية لهجوم في المضيق. وتشير التقارير إلى أن السعودية رفضت السماح لسلاح الجو الأميركي باستخدام قواعده لدعم "عملية الحرية". في المجمل، لم تعبر المضيق سوى سفينتين ترفعان العلم الأميركي خلال يومين قبل أن يُلغي ترامب ما أطلقت عليه إيران اسم مشروع المأزق. ويخوض اقتصادا البلدين سباقًا للبقاء. [...] على الرغم من اعتماد الاقتصاد الإيراني بشكل كبير على صادرات الطاقة، إلا أنه أصبح يتمتع بمرونة ملحوظة بعد عقود من العقوبات الأميركية. ولا تعتمد عائدات صادرات النفط الإيرانية على استمرار الإمدادات فقط، إذ يدعم اقتصاد البلاد طلب كبير من عميلها الرئيسي، الصين، والذي يمكن تعزيزه من خلال المبيعات المسبقة والتمويل المؤقت المضمون.
تتشارك إيران حدودًا برية مع سبع دول، ويمكنها نقل البضائع برًا في حال إغلاق التجارة البحرية. علاوة على ذلك، يظل بحر قزوين - وهو بحيرة أوراسية شاسعة لا يمكن لأي جهة خارجية حصارها - طريقًا تجاريًا رئيسيًا مع روسيا".
السخرية من سيناريو ترامب الاستفزازي
كتبت صحيفة كيهان: "اليوم، بات الجميع تقريبًا متفقين على أن الوقت هو العامل الحاسم في الحرب، بل إن له الكلمة الفصل في الوقت الراهن. وقد جعل هذا الأمر مسألة الصمود بارزة في هذه الحرب، ويعتقد الخبراء أن الطرف الأكثر تحملًا هو من سيفوز من الآن فصاعدًا. ويعزو هؤلاء الخبراء ذلك إلى الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها الأطراف المتحاربة. فإيران، بسيطرتها على مضيق هرمز وصواريخها الموجهة نحو البنية التحتية للطاقة في المنطقة، تُحكم قبضتها على الاقتصاد العالمي، بينما تسعى الولايات المتحدة، عبر العقوبات والحصار البحري والعمليات النفسية واستغلال عملائها في إيران، إلى تعظيم الضغوط الاقتصادية على بلادنا وإجبارنا على الاستسلام. بما أن الضغط الاقتصادي الذي تعاني منه الولايات المتحدة والعالم أجمع جراء إغلاق مضيق هرمز لا يُقارن إطلاقًا بالضغط الاقتصادي الذي تواجهه إيران، يُمكن الاستنتاج أنه إذا استطاعت إيران الحفاظ على هذه الظروف لثلاثة أشهر أخرى كحد أقصى، وإدارة الضغوط الاقتصادية بدعمٍ من الشعب، فستكون لها اليد العليا في حرب الصمود والحرب الاقتصادية.
مع ذلك، يرى الخبراء أن ما جعل إيران صامدة حتى الآن هو نظرة الإيرانيين إلى هذه الحرب، واعتبارها وجودية ، إلى جانب عيشهم في وضعٍ اعتادوا عليه - مع بعض التقلبات -؛ لكن هذه الصمود ليس بالأمر الهين على العديد من الدول، وخاصة الغرب؛ لأنها لم تختبر مثل هذا الوضع من قبل، ولم تُدرجه في حساباتها.
[...] ثمة قضية أخرى يتفق عليها الجميع تقريبًا، وهي أن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن العدو قد يستأنف أعماله الإرهابية والعدوانية في أي لحظة. ونعلم أيضًا أن ترامب ليس من النوع الذي يقدم تنازلات. فإما بسبب شخصيته النرجسية أو لأي سبب آخر، فهو يعشق الإنجازات العظيمة والمثالية والأحادية الجانب، وهذا ما يتضح من مواقفه والمحتوى الذي ينشره على وسائل التواصل الاجتماعي. بعبارة أخرى، لا يسعى ترامب إلى الانتقام لأنه يعتبره بمثابة خسارة. وتؤكد طريقة تعامله مع فنزويلا وكوريا الشمالية وأوروبا هذا الادعاء (لكنه لا يتبنى هذا النهج مع روسيا والصين). وقد صرّح الرئيس الأميركي مرارًا وتكرارًا وبصراحة تامة، "يجب على إيران الاستسلام" أو "يجب على إيران رفع الراية البيضاء". وهذا يعني أنه لا يسعى إلى مفاوضات بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث يُعطى ويُؤخذ. بل يسعى فقط إلى الأخذ. لذلك، فإن أولئك الذين يعتقدون في البلاد أنهم يستطيعون الحصول على تنازلات منه أو حماية حقوق الشعب الإيراني من خلال المفاوضات مخطئون تمامًا".