اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي عمليات المقاومة الإسلامية ليوم الأربعاء 13 أيار/مايو 2026

مقالات

 ذو الفقار: السيف الذي لم يُغمد
🎧 إستمع للمقال
مقالات

 ذو الفقار: السيف الذي لم يُغمد

150

ثمّة رجالٌ يولدون في صمت، يعيشون في ظلّ الحكايا، ويغادرون كالانفجار الذي يضيء عتمة التاريخ. هم «الأسرارُ المقدّسة» التي تمشي على الأرض، ولا يعرف الناس وجوههم إلا حين تستحيل وجوهُهم أيقوناتٍ على جدران الذاكرة. والسيد مصطفى أمين بدر الدين، «ذو الفقار»، لم يكن مجرّد قائدٍ عسكريٍّ في فصيلٍ مجاهد، بل كان «الروح» التي تسكن الزناد، و«العقل» الذي ينسج خيوط النصر في غرف العمليات، ليشرق النور في ساحات الوغى.

في ذكرى عروجه، لا نستذكر غيابًا، بل نستحضر حضورًا طاغيًا؛ حضورَ الرجل الذي سكن كوابيس قادة الاحتلال لثلاثة عقود، من دون أن يظفروا منه بظلٍّ أو صورة.

من الغبيري عام 1961 بدأت الحكاية، من ضاحية بيروت التي كانت تُعِدُّ رجالها لملاقاة القدر. ومع أول زفرةٍ للاحتلال في صيف 1982، لم يكن مصطفى الشاب يقف على الحياد. عند مداخل خلدة، حيث تكسّرت أحلام الجنرالات الصهاينة، كان «السيد» هناك، يكتب بدمه الجريح أول سطرٍ في كتاب المقاومة.

لم يكن الجرح الذي أصابه يومذاك مجرّد ندبةٍ في جسده، بل كان «الختم» الذي ميّزه كقائدٍ اصطفاه الله ليكون من بناة صرح العزّ. ومن هنا انطلقت المسيرة؛ من التدريب والتحضير وبناء المجموعات الأولى، حين كان الحلم يبدو مستحيلًا، لكنه في عين مصطفى كان «حتميّةً إلهيّة».

عظمة «ذو الفقار» تكمن في أنّه لم يكن «عسكريًا جافًا»، بل كان مثقّفًا برتبة ثائر. هو الذي لم تُثنهِ ساحات الجهاد عن مقاعد العلم، فنال شهادة العلوم السياسية، متسلّحًا بلغة العلم ليفهم العالم، وبلغة الرصاص ليفهمه العدو.

كان يتحدّث الإنجليزية بطلاقة، لا ترفًا، بل ليكون قادرًا على قراءة عقل خصمه ومخاطبة العالم بقوّة المنطق كما يخاطبه بمنطق القوّة. وهذا المزيج الفريد جعله شخصيةً استراتيجيةً قادرةً على تفكيك شبكات التجسّس المعقّدة، ومواجهة أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية في صراع الأدمغة، حيث كان يتفوّق دائمًا بخطوةٍ وبصيرةٍ لا تخيب.

في عام 1992، تسلّم السيد قيادة الوحدة العسكرية المركزية، ومنذ ذلك الحين تغيّر وجه المواجهة. هو الذي جعل إسحاق رابين يجرّ أذيال الهزيمة في عدوان 1993، وهو الذي خطّط وأشرف على معجزة أنصارية عام 1997؛ تلك الليلة التي تحوّلت فيها نخبة الكوماندوز "الإسرائيلي" إلى حطام، بفضل كمينٍ نصبه عقلُ مصطفى قبل سواعد المقاتلين.

وعندما حان موعد «تموز 2006»، تشكّل ذلك الثالوث الأسطوري: سليماني، مغنية، وبدر الدين. هناك، في غرف العمليات التي لم تنم، كان «ذو الفقار» ينسج مع رفاق دربه ملامح النصر الإلهي. كان «وزير أمن» المقاومة، الذي جعل من «الميركافا» أسطورةً محطّمة، ومن الجندي الصهيوني تائهًا يبحث عن مخرجٍ من جحيم المقاومة.

لقد كانت بصماته حاضرةً في كل صاروخٍ انطلق، وفي كل عبوةٍ زُرعت، وفي كل تكتيكٍ أعجز قادة العدو عن الفهم.

حين أطلّ الإرهاب التكفيري برأسه عام 2011، لم يكن السيد ممّن يكتفون بالرصد. أدرك ببُعد نظره أنّ الدفاع عن مقام العقيلة في الشّام وعن دمشق هو دفاعٌ عن بيروت والقدس. فانبرى «ذو الفقار» في الميدان السوري، يطارد فلول التكفيريّين من زقاقٍ إلى زقاق.

أصبح المطلوب الأول لدى القوى الكبرى والتنظيمات الإرهابية على حدٍّ سواء، لأنهم أدركوا أنّ وجوده في الميدان يعني حسم المعركة.

وفي الثالث عشر من أيار 2016، كان الموعد الذي انتظره طويلًا. في دمشق، وبالقرب من مطارها، ارتقى السيد شهيدًا بصاروخٍ غادر.

رحل السيد ذو الفقار، ليُعلن حزب الله للعالم، للمرة الأولى، عن وجهه؛ فإذا به ذلك الوجه السمح، ذو العينين اللتين تخبئان أسرار الانتصارات، والشيب الذي وقّره الله به كتاجٍ للجهاد.

الكلمات المفتاحية
مشاركة