خاص العهد
وسط التحديات التي فرضها العدوان الصهيوني على لبنان، تبرز المبادرات الإنسانية كقوةٍ داعمة تُعيد بثّ الأمل وتعزّز روح التكافل والصمود. ومن بين هذه المبادرات، كانت "عزم وثبات" بوصفها تجربةً تحمل في مضمونها معاني الإرادة والصمود والعمل المسؤول، إذ لم تكن مجرد عنوانٍ عابر، بل مشروعًا إنسانيًا واجتماعيًا متكاملًا انطلق من الحاجة إلى الوقوف إلى جانب الناس في أصعب الظروف. وقد جسّدت الهيئات النسائية في حزب الله في منطقة جبل عامل الثانية، من خلال هذه المبادرة، نموذجًا للعطاء المتواصل والتكافل الاجتماعي، عبر جهودٍ تنوّعت بين الدعم المادي والرعاية المعنوية والتثقيفية، تأكيدًا على أن خدمة الإنسان تبقى أولوية لا تعيقها الأزمات ولا تُضعفها التحديات.
"عزم وثبات" ليستا مجرد تركيب لغوي أو كلمتين عابرتين في قاموس اللغة العربية، بل عنوان مبادرة حمل في طياته رؤية واضحة ومنهجًا عمليًا في العمل الإنساني والاجتماعي، تقول مسؤولة الهيئات النسائية في منطقة جبل عامل الثانية الحاجة ماجدة منصور لموقع "العهد" الإخباري.
وتضيف: "عزم وثبات عنوان مبادرة أطلقتها الهيئات النسائية في منطقة جبل عامل الثانية لتعبّر عن التزامها بخدمة ودعم المجتمع والسعي لتخفيف أعباء النزوح عن كاهل أهلها ومحاولة تلبية الاحتياجات الأساسية"، مردفة: "هو اسم استُلهم من المعنى القرآني في قوله تعالى: "فإذا عزمت فتوكل على الله"، ليعبّر عن إرادة واعية وعزم لمواصلة المسير وثبات راسخ ليصنع الأثر".
تؤكد منصور أن عزم وثبات هو عنوان التزام قبل أن يكون اسمًذا، ورسالة عمل قبل أن يكون شعارًا، يجمع بين قوة الإرادة وصدق العمل في خدمة الإنسان والمجتمع، وانطلاقًا من هذا المعنى جاءت المبادرة لتجسّد هذا العنوان واقعًا ملموسًا عبر مسارين متكاملين: شق مالي خدماتي يهدف للمساعدة في تلبية الاحتياجات المادية والتخفيف من أعباء النزوح، وشق معنوي إنساني يعزز الصمود ويرسّخ بعض طمأنينة في النفوس.
عن الشق الأول، تتحدث منصور لـ "العهد"، قائلة: "تجلّى التكافل الاجتماعي بأبهى صوره، فكنا صلة الوصل بين المتبرعين والباذلين من مجتمعنا والمستفيدين منهم، فكانت التقديمات الاجتماعية بكافة أشكالها وأنواعها، من الملبس والمأكل إلى تأمين العديد من الحاجات والأدوات المنزلية الأساسية، إلى التقديمات الصحية والاستشفائية وكذلك حاجات الرضع من الحليب والحفاضات وجهاز الطفل، وصولًا إلى تأمين بعض الأدوات الكهربائية الملحّة وغيرها"، مضيفة: "منذ بداية الحرب بذلت الأخوات العاملات في الهيئات النسائية كل جهد ممكن لمتابعة العائلات النازحة من قراها، فسارعت إلى مساندتها والوقوف إلى جانبها ومحاولة التعرّف على حاجاتها لتقدير المساعدة بحسب الإمكانات المتوفرة. ولا يفوتنا أن نذكر أن الأخوات كذلك في الأغلب الأعم هن نازحات من قراهن كما أهلهن، وقد نالهن من الفقد والوجع ما نال أبناء مجتمعهن، ولكنهن بالرغم من كل ذلك يعملن بكل عزم وإرادة وبلا أي كلل لتقديم كل مساعدة ممكنة ويمكن أن تتوفر لديهن، ولا ندّعي تغطية حاجات أهلنا كلّها، فهي بلا شك أكبر من إمكاناتنا وقدراتنا، ولكن يمكننا القول إننا لم نألُ جهدًا ولم نترك فرصة إلا وعملنا على استثمارها لتقديم وبذل كل ما استطاعت أيدينا الوصول إليه".
وتتابع: "الجدير بالذكر أنه بين شهري آذار ونيسان فاقت تقديماتنا الاجتماعية الستمائة وخمسين ألف دولار لأكثر من ثمانين ألف مستفيد جلّهم من النساء والأطفال".
وعن الشق المعنوي، تلفت منصور إلى أنه في إطار مبادرة عزم وثبات وخلال فترة الحرب والنزوح تم تنفيذ برامج متعددة شملت الدعم النفسي والتربوي وتقديم المؤازرة والاستشارات الخاصة، إلى جانب تنظيم محاضرات عامة توعوية وتثقيفية ولقاءات مختلفة عبر المنصات الإلكترونية، تناولت محاور ثقافية ودينية وفقهية وسياسية واجتماعية وإعلامية، هدفت إلى تعزيز الصمود النفسي والاجتماعي وتخفيف آثار الظروف الصعبة وترسيخ ثقافة الوعي والثبات لدى الأفراد والعائلات، إضافة إلى تنظيم لقاءات اجتماع القلوب لتلاوة سور القرآن الكريم وأدعية النصرة التي أوصى بها إمامنا الشهيد القائد الخامنئي دعمًا للمجاهدين وطلب النصرة لهم والثبات وتعجيل الفرج، وترسيخ قيم الايمان والثبات والوعي الروحي في المجتمع.
وتختم منصور: "هذا غيض من فيض الجهود المبذولة بكل حب لأهلنا ومجتمعنا والمجبولة بالصدق والإخلاص،
وفي هذه المرحلة الاستثنائية، وللفترة المقبلة نقول إننا سنكمل كما بدأنا بعزم وثبات، وسنواصل عملنا بإصرار ومسؤولية، غير آبهين بالتعب أو العناء، ثابتين في الوقوف إلى جانب أهلنا رغم كل الظروف، تأكيدًا على أن خدمة الإنسان لا تتوقف أمام الشدائد، وإننا على يقين راسخ أن النصر حليفنا بإذن الله وأن الفرج قريب مهما اشتدت المحن".
الكلمة الهادفة
وفي هذا السياق، تسهب مسؤولة ملف الإعلام للهيئات النسائية في منطقة جبل عامل الثانية منال غزال بالحديث عن اهتمام الهيئات في منطقة جبل عامل الثانية بملف الإعلام، قائلة: "رغم ظروف الحرب وما فرضته من تحديات قاسية على مختلف المستويات، حرصنا في الملف الإعلامي للهيئات النسائية في منطقة جبل عامل الثانية على البقاء إلى جانب الناس، ومواكبة الواقع بمسؤولية ووعي. فكان حضورنا مستمرًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سواء من خلال تقديم الدعم المعنوي أو عبر تغطية ونشر الأنشطة والمبادرات التي أقامتها الأخوات في مراكز النزوح والقرى والبلدات، بما يعكس روح الصمود والتكافل الاجتماعي في هذه المرحلة الحساسة. وقد تولّت صفحات الهيئات "نَسْمات" و"أثر" مواكبة هذه الأنشطة ونقلها إلى الناس بشكل مستمر".
وتتابع: "كما عملنا على مواكبة المرحلة ثقافيًا وإعلاميًا عبر صفحة "منتدى نسم الثقافي"، من خلال نشر نتاجات الأخوات المنتسبات إلى المنتدى من نصوص أدبية وثقافية، تنوّعت بين النثر والشعر والمقالات التي عبّرت عن واقع المرحلة وتحدياتها، بهدف تعزيز الوعي الثقافي والفكري وإبقاء الكلمة الهادفة حاضرة في مواجهة الظروف الصعبة"، مردفة: "بطبيعة الحال، واجهتنا صعوبات كبيرة في توثيق بعض الأنشطة التي أُقيمت في عدد من القرى والبلدات، نتيجة الظروف الميدانية والأوضاع الأمنية الخارجة عن إرادتنا، إلا أنّ ذلك لا يحجب حجم الجهود التي بذلتها الأخوات، ولا الأثر التربوي والاجتماعي والإنساني الذي تركته هذه المبادرات في بيئاتها رغم كل التحديات".
بحسب غزال، شكّلت المنصات الإلكترونية مساحة أساسية لاستمرار التواصل واجتماع القلوب، "حيث نظّمنا أكثر من خمسين لقاءً عبر الأونلاين، تنوّعت بين اللقاءات التوعوية والثقافية والسياسية والإيمانية، بهدف تعزيز الوعي والثبات والتخفيف من آثار المرحلة الصعبة".
وتبين غزال، أنه في إطار مواكبة الأحداث والتحديات الراهنة، "أطلقنا أيضًا قناة "وتواصَوا" عبر تطبيق واتساب، وهي تُعنى بنشر أبرز المواد التوجيهية السياسية والدينية والاجتماعية، بما يساهم في رفع مستوى الوعي ومتابعة المستجدات المرتبطة بالعدوان على لبنان والمنطقة".
الفرص تُنتزع من قلب التهديد
بدورها، تشدد مسؤولة الملف الثقافي في منطقة جبل عامل الثانية الحاجة مريم حريري على أن "بيئتنا لم تعتد الاستسلام للألم والخطر، ولا تعوّدت أن تجلس حبيسة النفس بانتظار الفرج، بل إنّها هي التي صنعت كل انتصار، وعملت بما اكتنزت من قوّة الذين سبقوا حتى تبلغ الفرج".
وتتابع لـ "العهد": "كما في كلّ استحقاق، أثبتت أخواتنا في الهيئات النسائية في منطقة جبل عامل الثانية أنّ الفرص تُنتزع من قلب التهديد، فكانت محطة العصف المأكول نوعًا من الثبات وتحقيق مستلزمات النصر وشروط نيل القرب الإلهي، فبدأن العمل في مختلف الميادين، على الجبهات كافّة، من الناس وإليهم، في سبيل التخفيف عنهم وتوعيتهم وتحقيق هذا القرب، وتابعن الأنشطة الثقافية المختلفة من البرامج العبادية والأدعية نصرة للمجاهدين، وختميات القرآن ومجالس العزاء عن أرواح الشهداء، والمحاضرات واللقاءات الثقافية والتوجيهية الهادفة للأمهات وللفتيات والناشئة، وتعميم محاضرات العلماء التي تساهم بالدعم النفسي والمعنوي وتوضيح الحقائق، ومؤازرة عوائل الشهداء، والقيام بواجب تجهيز وتكفين الشهيدات، وإعداد المواد الثقافية والتربوية والنفسية ونشرها على وسائل التواصل، وإحياء المناسبات الدينية المختلفة، وإنشاء مجموعات خاصة للأسئلة والاستفسارات الفقهية التي شكلت محل حاجة في النزوح".