اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الرئيس بري لـ"الديــــار": إذا لم يتحقق وقف إطلاق نار حقيقي "خرب كل شيء"

مقالات مختارة

«بعد قليل»...
🎧 إستمع للمقال

حمزة الخنسا- صحيفة "الأخبار"

لم تعد عبارة «بعد قليل» التي يبثّها الإعلام الحربي في المقاومة يومياً مجرّد تنبيه تقني يسبق نشر فيديو لعملية عسكرية، بل تحوّلت تدريجياً إلى عنصر قائم بذاته في الحرب النفسية الدائرة على جانبي الجبهة. فالعبارة القصيرة، التي باتت مألوفة لدى الجمهورين اللبناني والإسرائيلي، أصبحت تحمل شحنة من الترقب والقلق والمعاني الميدانية قبل أن يبدأ الفيديو نفسه.

ويلحق هذا التنبيه نشر مشاهد مصوّرة لعمليات نوعية ضد جنود الاحتلال وآلياته في جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة، غالباً عبر المسيّرات الانقضاضية التي توثّق لحظة إصابة الهدف. غير أنّ الأثر الحقيقي لعبارة «بعد قليل» لم يعد مرتبطاً فقط بما تعرضه الشاشة لاحقاً، بل بما تخلقه من حالة انتظار وتوتر داخل الكيان.

وفي كثير من الأحيان، كان تنبيه «بعد قليل» يتزامن مع دوي صفارات الإنذار في المستوطنات الشمالية، حيث يعلن جيش الاحتلال حالة الاستنفار إثر رصد صاروخ أو مسيّرة انقضاضية أطلقها حزب الله باتجاه أهداف إسرائيلية داخل خط المستوطنات أو نحو المواقع التي أنشأها داخل الأراضي اللبنانية المحتلة. هذا التزامن خلق معادلة نفسية شديدة التأثير داخل المجتمع الإسرائيلي: المستوطن يسمع صفارات التحذير أولاً، ثم يرى بعد وقت قصير بالصوت والصورة ما حاول الجيش التقليل من شأنه أو التعتيم عليه.

وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط القوة في أداء الإعلام الحربي. فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي تسعى دائماً إلى ضبط الرواية الإعلامية ومنع انتشار صور الخسائر أو الإخفاقات الميدانية، تجد نفسها عاجزة أمام مشاهد مصوّرة توثّق لحظة الاستهداف بدقة عالية. ومع كل إصدار جديد، تتكشف أمام الإسرائيليين حقيقة أنّ ما قيل لهم عن «حماية الشمال» و«إبعاد الخطر عن المستوطنات» لم يتحقق عملياً، بل إنّ الجيش الذي يحتل الأراضي اللبنانية بذريعة تعزيز الأمن، تحوّل جنوده إلى أهداف متحركة ترصدها المقاومة وتستهدفها بدقة.

لذلك، لم تعد هذه الفيديوهات مجرد مادة دعائية أو توثيقية، بل تحولت إلى عنصر ضغط يومي على الوعي الإسرائيلي وعلى صورة جيش الاحتلال نفسه.

هذا الواقع انعكس بوضوح في تصاعد النقمة داخل المستوطنات الشمالية، حيث سادت وسائل الإعلام العبرية وصفحات المستوطنين ورؤساء المجالس الاستيطانية حالة من الغضب والانتقاد للحكومة والجيش. فبدلاً من استعادة الشعور بالأمان، وجد المستوطنون أنفسهم يعيشون تحت التهديد الدائم للمسيّرات والصواريخ، فيما تظهر المشاهد المصوّرة أنّ المقاومة لا تزال تمتلك القدرة على الرصد الدقيق والوصول إلى أهدافها.

في المقابل، اكتسب عنوان «بعد قليل» دلالة معاكسة تماماً داخل بيئة المقاومة. فمع تراكم هذه العمليات المصوّرة، بات جمهور المقاومة يتعامل مع هذه العبارة بوصفها بشارة لعملية ناجحة أو لضربة جديدة ستكشف جانباً من الخسائر الإسرائيلية المخفية. وتحول انتظار الفيديوهات إلى جزء من التعبئة المعنوية اليومية، حيث يعزز كل إصدار جديد صورة الاقتدار الميداني والقدرة على الإمساك بزمام المبادرة.

بهذا المعنى، نجحت المقاومة في تحويل عبارة مقتضبة إلى أداة متكاملة في معركة الوعي: صفارات إنذار وقلق وترقب داخل المستوطنات الإسرائيلية، يقابلها انتظار وحماسة وارتفاع في المعنويات في صفوف جمهور المقاومة. وبين المشهدين، تتكرّس وظيفة الإعلام الحربي كجزء لا ينفصل عن المعركة الميدانية نفسها، لا يكتفي بنقل الحدث بل يشارك في صناعة أثره النفسي والسياسي والمعنوي.

الكلمات المفتاحية
مشاركة