اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

مقالات مختارة

مستقبل الصراع
🎧 إستمع للمقال

بلال اللقيس - صحيفة الأخبار
وصل العالم، مع السياسات الغربية والأميركية الجائرة، إلى لحظة الانفجار، بعد أن أرهقه الكيل بمكاييل متعدّدة، لتنتهي البشرية على أعتاب الفوضى وشريعة الغاب مع إدارة ترامب.
إنّ الصراع اليوم لم يعد صراعاً على توازنات القوة، بل على لُبّ البنية العالمية وقيمها ومعناها؛ بين من يرى العالم ساحة إقصاء، وأنّ التقدّم رهن بإماتة الآخر وإلغائه، ومن يراه عالماً يستوعب الجميع ضمن إطار التنافس والمساومة. فالتنمية لا تكون إلا شاملة، وكذلك الأمن والأمان والتقدّم، وهذا ما تمثّله إرادة الأغلبية الساحقة من البشرية والدول.

بناءً على ذلك، يشهد العالم مسارات ضمّ وفرز واصطفافات جديدة تتجنّب الهشاشة التي يحاول الأميركي أن يجعلها «نظاماً»، ولا تريد العودة إلى الحِمائية وعقلية القرن التاسع عشر، كما لا تريد نموذج العولمة بصيغته السابقة. فالحمائيات لا تلبّي الغرض، وكذلك الانفتاح الذي فرضته العولمة؛ الأولى بضاعة القرن التاسع عشر، والثانية بضاعة فسدت في القرن الماضي. المطلوب اليوم هو اعتماد على الذات ضمن اعتماد متبادل، وهذا ما تتطلّع إليه الشعوب وأغلب الدول.

ولأنّ السياسات الأميركية تعيش في الوهم، خصوصاً مع ترامب، وتجافي هذه الحقيقة الواقعية ولا تعترف بها، فإنّ مسار النفوذ الأميركي، مع الاتجاه الترامبي، بات في خطر فعلي؛ فهي، مثلاً، لن تستطيع جرّ دول أوروبا إلى تصوّراتها الاقتصادية في مواجهة الصين والشرق، ولن تستطيع منع تقارب الثلاثي ذي الدور البالغ التأثير في صناعة عالم اليوم، أي روسيا وإيران والصين، من تعزيز تقاربها الاستراتيجي.

فبعد أن أفشلت إيران أميركا في المواجهة الأخيرة، ووضعت حدّاً لقوتها، وفرضت عليها الجلوس إلى طاولة التفاوض، اندفعت موسكو وبكين إلى تمتين علاقتهما أكثر بإيران. كما دفع ذلك بعض دول الخليج إلى تعديل تصوّراتها السابقة وطريقة تفكيرها في التعاطي مع جارٍ ومصالح متداخلة؛ إذ تبيّن لها أنّ أمنها واحد مع إيران، حتى لو كره بعضهم ذلك. فالجغرافيا تبقى حاكمة، وكذلك التاريخ. ولم تستطع أميركا إخضاع الدول، لا بالاقتصاد، ولا بأشباه الموصلات، ولا بالحصار، كما لم تستطع إخضاعها، أخيراً، بالحروب العسكرية. وكل ذلك كشف حدود القوة الأميركية والتأثير الأميركي، والأزمة البنيوية التي تعانيها واشنطن في التعاطي مع العالم المتحوّل.

قد يقول قائل إنّ واشنطن تراهن على سياسة صناعة الهشاشة، لأنّ ذلك سيقود إلى صدامات بعيدة عنها، لكن يبدو أنّ الدول باتت أكثر وعياً للمخطط الأميركي، وتتجه إلى ملء الفراغ المحتمل الناتج من التراجع الأميركي الحاصل، من دون الوقوع في ما يريده الأميركي.
نعود إلى منطقة غرب آسيا والشرق الأوسط، حيث تظهر المسألة بوضوح أكبر؛ فالعجز الأميركي عن الانتصار في مواجهة إيران، ثم التفاوض معها ندّاً لندّ، هزّا بنية المنطقة وكشفا طبيعة علاقة النظام الأميركي بكل حلفائه. فالبعض تخلّى عنهم، كدول الخليج، والبعض الآخر سانده، كإسرائيل، فانكشفت الأخيرة أيضاً حين ظهر مستوى تبعيتها المطلقة لأميركا، وعجزها عن الاستمرار أشهراً من دونها، رغم كل «شعارات» استقلال القرار التي ادّعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عقود.

إنّ شعوب العالم، ومنطقتنا خصوصاً، لم تجد في أميركا إلا نموذجاً كولونيالياً هيمنياً متطرّفاً، يعمل على امتهان الشعوب وإذلالها، بشكل يفوق حتى حقبة الاستعمار الأوروبي القديم. لكن افتقاد هذه الشعوب إلى ملاذ آخر ونموذج بديل اضطرّها إلى تجنّب إغضاب أميركا أو إزعاجها. إلا أنّ السنوات الأخيرة أفرزت صعوداً لافتاً لقوى عدة، كالصين وروسيا وإيران، حيث أنجزت هذه القوى مقارعات ناجحة أرجعت الأميركي وفرضت عليه أنواعاً من التوازن وقواعد الاشتباك، ولا سيما إيران الإسلامية التي نجحت في أصعب اختبار قوة في التاريخ الحديث ضد دولة متفرّدة.

كما أنّ "إسرائيل" عجزت عن تحقيق غالبية أهدافها وحسم حروبها بسبب جبهة المقاومة، فكان أن دفعت المنطقة إلى الانفجار الكبير، وأوقعت نفسها في تناقض استراتيجي متزايد مع حلفاء متوقَّعين أو مفترضين لها، كتركيا وبعض الخليجيين وباكستان، الذين رأوا مصلحتهم في الاستقرار ووقف الحروب وحلّ السبب الأصلي للتفجّر، أي العقدة الفلسطينية. بينما رأت إسرائيل الجديدة، الأكثر تطرّفاً منذ نشأتها، أنّ الحروب المفتوحة واستمرارها وتحويرها هي حاجتها الأساسية، لأنّ التوقّف يعني الكارثة بعينها. وهنا وقع التناقض الكبير للمستقبل.

وعلى صعيد آخر، فإنّ الحرب بلا رؤية وبلا استراتيجية واضحة ستحمل بذور إنهاكها، كما ستؤدّي إلى غياب الاحتضان العالمي لخطابها، بل إلى ملاحقة أركانها وتراجع دول العالم عن ملاقاتها أو القبول بالتطبيع معها. وليس هذا فحسب، بل إنّها، مهما تحمّلت، ففي نهاية الطريق لا يمكن أن تستمر، خصوصاً في ظلّ مفارقات اجتماعها الداخلي، وعجز مؤسستها العسكرية، وتعبها من تحمّل الأعباء، أمام إرادة شعوب المقاومة الأصيلة التي أثبتت أنّها أسطورة لا تُكسر، ولا سيما في معارك الاستنزاف والنَّفَس الطويل.

لذلك، نحن أمام تناقض مستقبلي بنيوي يحيط بإسرائيل الجديدة، الأكثر تطرّفاً في تاريخها؛ فلا هي قادرة على الانتصار، ولا هي قادرة على إيقاف الحروب، ولا هي قادرة على جرّ أميركا إلى الأبد نحو حروبها، ولا هي قادرة على إقناع العالم بها. لم تعد البشرية تحتمل هذا الجسم السرطاني النافر ونتوءاته الفظّة، بل حتى جيش الكيان نفسه أرهقته مطالبات المجتمع بالنصر الحاسم، وأثقلته عنصريته وضغوطه الداخلية، فبات عاجزاً عن تحقيق ما يريده هذا التطرّف. كما أنّها، نتيجة تغيّر هويتها، لم تعد قادرة على إطلاق «مسارات سلام أبراهام» حتى بصيغ مُعدّلة.

والحال هذه، تستمر أميركا في مسار عزل نفسها عن المستقبل وعن البشرية، حين تبتعد عن حاجات الشعوب إلى العدالة والمشاركة ونداء الكرامة، وعن الاستجابة لهذه الحاجات، وتستعد واقعياً للتراجع الواضح عن غرب آسيا، سواء عبر التفاوض أو عبر جولات إضافية تعمّق أزمتها. في المقابل، يوهم ساسة "إسرائيل" مجتمعهم بقدرة كيانهم على الاستمرار منفرداً، وهم يعلمون يقيناً استحالة ذلك. وتزداد أزمة "إسرائيل" عمقاً لأنّ التطرّف وروح التوحّش يدفعانها إلى تلبية غرائزها وعنصريتها وتعاليها، بدلاً من التفكير والتعقّل، فتحاصر نفسها بنفسها داخل شرنقة وحلقة قاتلة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة