خاص العهد
خلف أصوات القصف وخطوط المواجهة، تدور معركة أخرى أكثر صمتًا؛ معركة الصبر والثبات داخل المجتمع. فالحروب لا تُخاض على الجبهات العسكرية فقط، بل تمتد إلى جبهة داخلية عنوانها تحمّل الفقد والتهجير والأسر والغياب، والحفاظ على تماسك المجتمع رغم كل التضحيات.
وفي قلب هذه الجبهة تقف المرأة؛ الأم والزوجة والأخت والابنة، بوصفها الركيزة التي تحفظ صمود المجتمع المقاوم وتمنحه القدرة على الاستمرار. فبحسب الحاجة أمل القطان، مسؤولة وحدة العمل النسائي في حزب الله، فإن الجبهة العسكرية لا تستطيع تحقيق الانتصار ما لم تستند إلى “خزان” من الثبات الاجتماعي والمعنوي، تكون المرأة أساسه ومحوره.
فالنساء اللواتي يودّعن أبناءهن الشهداء، ويتحمّلن ألم الفقد دون انهيار، لا يواجهن الحرب كضحايا فقط، بل كقوة تدفع المجتمع إلى الثبات. وتؤكد القطان أن مشهد الأم الصابرة، رغم عظم التضحيات، يمنح المقاومين على الجبهات شعورًا بأن خلفهم مجتمعًا قادرًا على الاحتمال والاستمرار، لا بيئة منهارة تستسلم للخوف والألم.
المرأة في مسيرة المقاومة
في حديثها لموقع "العهد الاخباري"، تؤكد مسؤولة وحدة العمل النسائي في حزب الله الحاجة أمل القطان أن " حضور المرأة في مسيرة المقاومة لم يبدأ مع الحرب الحالية في العام 2026، ولا حتى مع انطلاقة المقاومة عام 1982، بل يعود إلى ما قبل ذلك، مع بدايات العمل الاجتماعي والدعوة التي أطلقها الإمام السيد موسى الصدر في أواخر سبعينيات القرن الماضي".
وتشير إلى أن " المرأة برزت منذ تلك المرحلة كشريكة في خدمة المجتمع ومعالجة مشكلاته، قبل أن يتطور هذا الدور مع بداية العمل المقاوم، لتصبح شريكًا أساسيًا في مسيرة الصمود والتربية والدعم الاجتماعي والمعنوي."
واستحضرت القطان خلال حديثها أسماء عدد من النساء اللواتي واكبن هذه المسيرة وأدّين أدوارًا بارزة على امتداد سنوات المقاومة، من بينهن الحاجة أميرة برغل، والحاجة أم عماد مغنية، والحاجة خديجة حرز، والحاجة عفاف الحكيم، اللواتي شكّلن نماذج لنساء حملن مسؤوليات اجتماعية وتربوية وتنظيمية منذ بدايات العمل النسائي المرتبط بمشروع الإمام السيد موسى الصدر، وصولًا إلى مراحل تطور العمل المقاوم مع تأسيس حزب الله والمقاومة.
وحدة العمل النسائي خلال الحرب
وحول عمل الوحدة خلال الحرب، تشير الحاجة القطان إلى أن الوحدة تركّز على " تعزيز دور المرأة ومواكبتها نفسيًا واجتماعيًا وتربويًا ومعنويًا، انطلاقًا من هدف أساسي يتمثل في إشعار كل امرأة موجودة أنها شريكة بهذه المعركة، وشريكة فاعلة ومؤثرة".
وترى أن "المرأة ليست فقط متلقية لنتائج الحرب، بل شريكة حقيقية في صناعة الصمود، سواء من خلال تحمّلها للنزوح والفقد، أو عبر دورها في حماية الأسرة والمجتمع والحفاظ على تماسك البيئة الحاضنة للمقاومة."
المرأة في ميادين التطوع
" إن حضور المرأة خلال الحرب لا يقتصر على الصمود داخل الأسرة أو تحمّل تبعات النزوح والفقد، بل يظهر أيضًا بشكل واسع في ميادين العمل التطوعي والخدماتي، حيث تحضر النساء “في كل الميادين” المرتبطة بمواكبة النازحين والعائلات المتضرر" تؤكد الحاجة القطان، مشيرةً إلى أن "جزءًا كبيرًا من العمل الميداني خلال الحرب يستند إلى جهود المتطوعات، وخصوصًا ضمن الهيئات النسائية التي تتولّى إدارة عدد كبير من مراكز النزوح والمساعدة في تشغيلها، إلى جانب تأمين مختلف الخدمات الأساسية للعائلات، من إعداد الوجبات وتوزيع الطعام، إلى توفير الملابس والأدوية والاحتياجات اليومية".
وتعتبر القطان أن "الهيئات النسائية التي تشكّل الجهاز الأكبر الذي يحتضن أعدادًا واسعة من المتطوعات، تسهم في تنظيم الحضور الميداني للمرأة وتعمل على توجيهه، بما يعزز قدرة المجتمع على الاستجابة السريعة للاحتياجات الإنسانية والاجتماعية التي تفرضها الحرب."
كما تلفت إلى حضور النساء في القطاعات الصحية والإغاثية، من خلال الطبيبات المتطوعات، والمسعفات، والاختصاصيات النفسيات، إضافة إلى الفرق التي تعمل على الدعم النفسي، الاجتماعي، التربوي والثقافي وتواكب العائلات والنساء والأطفال خلال ظروف الحرب والنزوح.
وانطلاقًا من هذا الحضور الواسع، توضح القطان أن عمل الوحدة خلال الحرب يتوزّع على عدة محاور وبرامج تهدف إلى مواكبة العائلات وتعزيز الصمود المجتمعي في مختلف الظروف.
برامج ومبادرات خلال الحرب
أما على مستوى البرامج والمبادرات، فيتوزّع عمل وحدة العمل النسائي على ثلاثة محاور أساسية. يتمثل المحور الأول في تفقد العائلات وزيارتها، والعمل على متابعة احتياجاتها وتأمين ما أمكن منها في ظل الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب.
فيما يركّز المحور الثاني على مواكبة عائلات الشهداء والجرحى، من خلال مشاركتهم العزاء والوقوف إلى جانبهم اجتماعيًا ومعنويًا.
أما المحور الثالث، فيتمثل في إبراز المبادرات الفردية والجهود التي تقدمها النساء خلال الحرب، وتثمين هذا العطاء معنويًا، انطلاقًا من أهمية إشعار المرأة بأن دورها مرئي ومقدّر داخل المجتمع. وتلفت القطان إلى أن التقدير المعنوي يشكل دافعًا للاستمرار، خصوصًا في ظل “المعاناة والتقديمات” التي تعيشها النساء خلال الحرب.
شريكة الجهاد وصانعة الانتصار
ترى الحاجة القطان أن "المرأة تؤدي اليوم دورًا يتجاوز الصورة التقليدية المرتبطة فقط بتحمّل نتائج الحرب، لتصبح شريكًا فعليًا في صناعة بيئة المقاومة واستمرارها"، مضيفة: "على المرأة نفسها أن تدرك قيمة ما تقدّمه، لأن ما تقدمه في هذه المعركة ليس بسيطًا، بل هو عظيم جدًا”، سواء كان هذا العطاء “تقديم شيء مادي أو معنوي".
وتشير إلى أن "صمود المرأة لا يظهر فقط في لحظات الفقد، بل أيضًا في قدرتها على تحمّل تفاصيل الحرب اليومية، من النزوح ومغادرة المنزل إلى التكيّف مع ظروف العيش القاسية"، معتبرة أن "صمودها، ومغادرتها لبيتها، ووجودها بمكان آخر هو مكان النزوح، وصبرها وتحملها، يشكل جزءًا أساسيًا من معركة الثبات المجتمعي". كما تلفت إلى أن أدوار الرعاية والمساندة الإنسانية التي تقوم بها النساء، من "تطبيب ورعاية وتعاطف مع الآخرين"، هي أدوار لا تقل أهمية عن الأدوار الأخرى.
وفي مقاربتها لدور المرأة داخل المجتمع المقاوم، تشدد القطان على أن المرأة “دورها لا يقل عن دور الرجل المقاوم المجاهد”، بل تصفها بأنها “شريكة الجهاد” و”شريكة لصناعة الانتصار”، وهي من العبارات التي كان يؤكد عليها سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله، في توصيفه للزوجة والأم والأخت والبنت بوصفهن شريكات حقيقيات في مسار المقاومة.
خزّان المقاومة
ترى الحاجة أمل القطان أن "أي مقاومة لا يمكن أن تستمر من دون “خزان مدد”، موضحة أن هذا “الخزان المقاوم” هو المجتمع نفسه، والمرأة تشكل ركيزته الأساسية، لأنها هي “من تصنع، ومن تنجب، ومن تربي ومن تكبّر”. وتصف المرأة بأنها “الخزان الحقيقي المعنوي والمادي والروحي لهذه المقاومة”.
ولا تحصر القطان هذا الدور في الجانب المعنوي والاجتماعي فقط، بل تربطه أيضًا بالتطور الفكري والعلمي داخل بيئة المقاومة. فبحسب رؤيتها، فإن الإنجازات التقنية والعلمية التي يحققها الشباب اليوم هي أيضًا امتداد للدور التربوي الذي تؤديه المرأة داخل الأسرة.
وتقول: “شبابنا الآن الذين يصنعون الانتصار، ليسوا قوة بدنية فحسب. لقد أضحوا أيضًا قوة فكرية وعلمية”، معتبرة أن ما وصلت إليه المقاومة من “إبداع علمي وتكنولوجي” لم يكن ليتحقق “لولا أن هناك أمًّا سهرت، وكبّرت، وأمّنت لهم البيئة المناسبة والمطمئنة والمستقرة حتى يصلوا الى هذه المرحلة”.
النموذج القرآني للمرأة
وفي ختام حديثها، تتوجّه مسؤولة وحدة العمل النسائي في حزب الله إلى كل الأخوات، داعية إياهن إلى " إدراك قيمة الدور الذي منحهن الله إياه، واستحضار النموذج القرآني للمرأة بوصفه نموذجًا لصناعة الإنسان والمجتمع."
وتقول: "إن الله سبحانه وتعالى، عندما أعطانا نموذج للبشرية، أعطانا نموذج لامرأتين”، معتبرة أن في هذا الاختيار دلالات كبيرة، لأن الله لم يختر امرأة ورجلًا، ولا رجلين، بل اختار امرأتين تحديدًا، كأن ذلك تأكيد على أن هذا النموذج لا يستوي إلا بامرأة”.
وأشارت إلى أن إحدى هاتين الشخصيتين كانت “مربية للنبي موسى” (ع)، أي المرأة التي احتضنته وربّته رغم أنها لم تكن أمّه، فيما كانت الثانية “أم النبي عيسى” (ع)، في دلالة على عظمة الدور التربوي والاجتماعي الذي يمكن أن تؤديه المرأة، سواء كانت أمًا أو مربية أو حاضنة.
واستحضرت القطان كلام شهيد الأمة الإمام القائد السيد علي الخامنئي(قدس) أن “المرأة هي التي تصنع المجتمع”، معتبرة أن المرأة، بما تمتلكه من قدرة على التربية والرعاية وصناعة الإنسان، تتحمل مسؤولية محورية في بناء المجتمع واستمراره.
وأضافت إن الله سبحانه وتعالى حين “يضرب مثلًا للذين آمنوا” عبر المرأة، فهو يمنحها في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة، بمعنى أن “الله أعطاها إمكانات عالية جدًا”، معتبرة أن "هذا الاختيار الإلهي يؤكد حجم القدرة والتأثير الكامن في المرأة".
وتتوجه ختامًا لأمهاتنا وأخواتنا بالقول: "ما تقدّمنه داخل أسركن ومجتمعكن ليس بسيطًا أو قليلًا، هو جزء أساسي من صناعة الإنسان والثبات والانتصار، وما تحملنه من إيمان وصبر ووعي، قادر على أن يكون نموذجًا يصنع المجتمع ويؤثر في الرجال والنساء على حد سواء".