اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي فيديو| المقاومة الإسلامية استهدفت رادار "إسرائيلي" بمسيّرة انقضاضية

نقاط على الحروف

الوصاية الأميركية على لبنان: استغلال لضعف سلطته وتكسُّب انتخابي!
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

الوصاية الأميركية على لبنان: استغلال لضعف سلطته وتكسُّب انتخابي!

192

كاتب من لبنان

تُظهر الإدارة الأميركية ميلاً واضحًا إلى تقديم نفسها كمرجعية عليا للسلطة القائمة في لبنان، من دون أن يشكّل ذلك لها أي حساسية ممّا قد يبدو ممارسة وصاية على هذا البلد.

وجاء الرد السريع، وعلى نحو ملحوظ، لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو شخصيًا على خطاب الأمين العام لحزب الله، الذي أدان فيه بعض سياسات السلطة اللبنانية وملاحقتها مؤسسة "القرض الحسن"، ليشير إلى الرهان الذي تعقده واشنطن على الحكم القائم في لبنان لتنفيذ توجيهاتها لجهة حشر حزب الله في الزاوية وخنق مؤسساته العاملة في المجال الاجتماعي والتنموي. وكان من اللافت أن الحكومة اللبنانية كانت تبحث، في ظل العدوان "الإسرائيلي" القائم على البلاد، اتخاذ إجراء بحق "القرض الحسن.

وجاء تحذير الشيخ قاسم للحكومة اللبنانية في سياق المطالبة بوقف انصياع الحكومة اللبنانية للطلبات الأميركية، التي يجري التعامل معها رسميًا على أنها قرارات واجبة التنفيذ. والحجة التي يعتمدها بعض المسؤولين هي "أننا لا نستطيع مواجهة العقوبات أو اللوائح الرمادية الأميركية"، لكن الحكومة نفسها تقبل تعريض البلد لخضّات اجتماعية وسياسية بسبب قراراتها الموجّهة ضد فريق يخوض أشرف قتال ضد المحتل الصهيوني.

وتنخرط الحكومة، من دون نقاش، في الامتثال لتوجيهات أميركية تقضي بإضعاف امتدادات المقاومة في كل الميادين، وليس فقط على الصعيد العسكري. وبادرت الحكومة إلى اتخاذ قرار في 2 آذار/مارس الماضي اعتبر المقاومة المسلحة غير مشروعة، ما يُعدّ خطوة غير مسبوقة منذ بدء تنفيذ اتفاق الطائف عام 1990، وافتتاحًا - كما تشير الوقائع - لعهد من نزع الشرعية عن كل المؤسسات التي ترفد مجتمع المقاومة بالصمود والاستمرار.

الأكثر خطورة في ما يجري حتى الآن أن السلطة اللبنانية تمضي في خطواتها من دون أن تحسب ارتداداتها على الواقع السياسي اللبناني الهش، خاصة في ما يتعلق بتداعيات المفاوضات المباشرة مع العدو "الإسرائيلي".

وتقدّم واشنطن للحكومة اللبنانية دعمًا سياسيًا كلاميًا، غير أنها تمنع عنها الدعم الاقتصادي، وتربط ذلك بالتزامات لبنانية تجاه "إسرائيل"، في وقت لا يلتزم فيه الجانب "الإسرائيلي" بأي شيء تجاه لبنان، لا على صعيد وقف النار ولا على صعيد جدولة الانسحاب من الأراضي اللبنانية. بل إنه يؤكد في كل مرة أنه يريد التمتع بحرية العمل العسكري ضد ما يصفه بـ "تهديدات محتملة"، ويلمح رئيس أركانه إيال زامير إلى إمكان "البقاء في الأراضي اللبنانية داخل الخط الأصفر حتى ضمان أمن سكان الشمال لأمد طويل"، وهذا يلغي أي معنى للمفاوضات الجارية في واشنطن.

هناك وقائع حديثة زمنيًا تكشف مدى خضوع السلطة القائمة في لبنان للإملاءات الأميركية، نكتفي بالإشارة إلى ثلاث منها:

الأولى، مسارعتها إلى بدء مفاوضات مباشرة مع العدو، بطلب أميركي، قافزة فوق الشرط الذي وضعته في البداية، وهو تحقيق وقف لإطلاق النار قبل المباشرة بالمفاوضات، لتقديمه كإنجاز يبرر الدخول إليها. ثم قالت، بعد إخفاقها في تحصيل استجابة لهذا الشرط، إنها ستطرح وقف النار بندًا أول على جدول أعمال المفاوضات، لكن هذا التأكيد لم يصمد أيضًا. والآن أصبحت المفاوضات عملية منفصلة عن العدوان الجاري، وكأن ما يحصل من مجازر يتعلق ببلد آخر غير لبنان!

الواقعة الثانية، البيان الذي أصدرته الخارجية الأميركية الشهر الماضي، والذي تحدث عن "تفاهم" لبناني - "إسرائيلي" يتعلق بالمرحلة المقبلة، وهو يتضمن فترة سماح مفتوحة لـ "إسرائيل" بمتابعة عدوانها على لبنان بعنوان "الدفاع عن النفس"، ولا يشير إلى الانسحاب "الإسرائيلي" من لبنان. وصمتت السلطة اللبنانية عن هذا البيان، من دون أن تجرؤ على تأكيده أو نفيه، كما لم يُطرح على مجلس الوزراء، ما يعني أن الأميركيين يصوغون تفاهمات بالنيابة عن لبنان.

ومن الغريب أن الرئيس جوزاف عون تطرق إلى الموضوع بعد عشرة أيام من تاريخ صدور البيان الأميركي، معترفًا بجزء فقط من نص "التفاهم" يشير إلى تعهد "إسرائيل" بعدم القيام "بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية - بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة - داخل الأراضي اللبنانية، سواء برًا أو جوًا أو بحرًا"، لكنه تغافل عن جزء أساسي في الفقرة نفسها، وفيه: "تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ كل التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مُخطط لها أو وشيكة أو جارية، ولن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحق".

وتترّس رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو بهذا "التفاهم" لإضفاء مشروعية على عمليات جيشه العدوانية على لبنان، عندما قال إن "حرية عملنا لإحباط التهديدات الفورية والناشئة هي جزء من الاتفاق الذي توصلنا إليه مع الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية". ولا يزال لبنان يعاني حتى اليوم من تداعيات مفهوم العدو لما يسميه "التفاوض تحت النار".

والجدير بالذكر أن الجانب الأميركي - "الإسرائيلي" وضع، من خلال التفاهم المذكور، الجانب اللبناني أمام تحدي "إثبات قدرته على بسط سيادته"، من خلال دعوته إلى اتخاذ "خطوات ملموسة لمنع حزب الله وجميع المجموعات المسلحة المارقة الأخرى... من تنفيذ أي هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضد أهداف إسرائيلية"، بالإضافة إلى "اعتبار المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة" هي التحدي الأساسي في نظر الجانبين، وليس الاحتلال "الإسرائيلي" ومجازره الوحشية ضد لبنان.

أما الواقعة الثالثة، فتتعلق بقرار الإدارة الأميركية فرض عقوبات على اثنين من ضباط الجيش والأمن العام، بالإضافة إلى أربعة نواب لبنانيين. وأيضًا، التزمت الحكومة - وهي السلطة السياسية - الصمت حيال هذا الإجراء الأول من نوعه بحق ضباط في الأجهزة العسكرية والأمنية التي تتغنى السلطة بأنها عماد الأمن والاستقرار، وتركت للجيش والأمن العام أن يدافعا عن ضباطهما من دون أي تغطية سياسية. وهذا يشير إلى عدم الجرأة على إبداء الاعتراض، ولو بلغة الأسف أو الاستغراب أو التعهد بتقديم الدفاع عن الضابطين أمام الأجهزة الأميركية.

تؤكد الوقائع المتتالية في العلاقة بين السلطة اللبنانية والإدارة الأميركية أن لبنان يُساق، من دون أن يكون له حق المناقشة أو الاعتراض، إلى مسار مثقل بالتزامات وقيود صعبة من شأنها أن تمسّ بوضعه الداخلي الهش، وربما تقود إلى مزيد من التباعد بين السلطة وفريق واسع من اللبنانيين.

وبالتالي، فإن وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تحذيرات الأمين العام لحزب الله بـ "المتهورة"، واعتبارها "محاولة لجرّ لبنان مجددًا نحو الفوضى"، ينطبق بصورة أولى على الخطوات التي تقوم بها واشنطن لاستغلال ضعف الحكومة اللبنانية وجرّها إلى التوقيع على تفاهمات واتفاقات مُعدّة سلفًا، إضافة إلى محاولتها التكسّب على حساب لبنان من خلال توظيف اتفاقات مستعجلة بين لبنان والكيان "الإسرائيلي" في سياق تعظيم إنجازات الرئيس دونالد ترامب الشخصية أمام الرأي العام الأميركي، الذي يتحسس إخفاقات رئيسه الكثيرة، ما يشير إلى مدى الاستغلال الذي يتعرض له لبنان في حسابات لا علاقة له بها، وما يمكن أن يترتب على ذلك من أخطار على أمنه ووحدته الداخلية.

الكلمات المفتاحية
مشاركة