نقاط على الحروف
دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال
بعض الرؤساء تمرّ أسماؤهم في الذاكرة كأرقام في كتب التاريخ، وبعضهم يتحوّلون إلى جزء من ذاكرة الوطن، يرحلون عن الحكم، لكن أثرهم يبقى حيًا.
في 25 أيار من كل عام، لا يمكن للبنانيين أن يستحضروا التحرير دون أن يمرّ اسم الرئيس المقاوم إميل لحود. الرجل الذي تستحق تجربته الشريفة أن تُدرّس في المعاهد والجامعات ليتعلّم هواة السياسة كيف تُدار الأوطان، يبدو أكثر الحاضرين اليوم في ذكرى عيد المقاومة والتحرير، العيد الأهم، والإنجاز الأهم والأحب على قلب الرئيس لحود، كما ردّد مرارًا وتكرارًا.
والحق يُقال، لا يحتاج الرئيس إميل لحود إلى من يكتب تجربته، تلك التجربة نسمعها بشكل شبه يومي على ألسنة من عايشوا إنجازاته. يُردّد كثيرون ومع كل محنة يمر بها لبنان: "ما أحوجنا إلى رئيس كلحود". يكفي أن تمر صورة الرئيس المقاوم على التلفاز ضمن تقرير أو ما شابه، حتى يُبادر المشاهدون إلى استذكار الحقبة التي كان فيها "رجل" يقول "لا" للإملاءات في قصر بعبدا. يكفي أن يتحدّث اثنان تستفزهما طريقة مقاربة السلطة السياسية للعدوان الحالي، حتى يبادر أحدهما إلى القول للآخر: "رزق الله على أيام الرئيس لحود".
يؤمن كل من عايش حقبة لحود أنّه منذ تسلمه سدّة رئاسة الجمهورية في عام 1998، وقبلها كقائد للجيش، لم يكن عهده عهدًا عاديًا، بل ذهبيًا، وهو المؤمن بالمعادلة الذهبية "جيش وشعب ومقاومة" التي كانت الحجر الأساس لاستعادة حقوق لبنان. منذ وصوله إلى قصر بعبدا، حمل مشروع الدولة القوية، مرتكزًا على خلفيته العسكرية وشخصيته الصلبة، ومؤمنًا بأنّ حماية لبنان وتحريره لا تكون بالمساومات بل بالتقاط فرص القوة التي يمتلكها والتعالي على الحسابات الشخصية والمذهبية والتمسك بعناصر القوة وعلى رأسها المقاومة، فكان عهد لحود عهد الرفعة للبنان، وتحرير 2000 شاهد على الحقبة التي تكاملت فيها الدولة مع المقاومة فأثمرت الجهود نصرًا وتحريرًا، واندحارًا للعدو "الإسرائيلي".
قدّم الرئيس لحود نموذج الرئيس القوي بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، فاستحقّ لقب فخامة الرئيس المقاوم، الذي قلّده إياه سيد شهداء الأمة الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله. وفي زمن كانت فيه الضغوط الخارجية تتزايد لمحاصرة خيار المقاومة، كان لحود صاحب الركبتين القويتين اللتين لا تهتزان، ثبّت موقف الدولة الرافض للاستسلام للشروط "الإسرائيلية"، ووقف إلى جانب اللبنانيين، ولم تأخذه في نصرة المقاومة لومة لائم. آمن بأنّ المقاومة ليست عبئًا على الدولة بل قوة داعمة لها.
وفي مرحلة التحرير، شكّل الرئيس لحود الغطاء السياسي والوطني للمقاومة. وقف إلى جانبها في مواجهة الحملات الدولية والإقليمية التي حاولت عزلها. وبلغته الوطنية، اعتبر أنّ ما تحققه المقاومة في الجنوب ليس انتصارًا لفئة أو حزب، بل إنجاز لكل اللبنانيين، فكان تحرير عام 2000 مدويًا، وسابقة تنسحب فيها "إسرائيل" لأول مرة من دولة عربية دون قيد أو شرط. وعلى إثره، زار الرئيس المقاوم ابن بلدة بعبدات الجنوب المحرّر، فكان له استقبال مميّز من الجنوبيين لرئيس وقف إلى جانبهم، في زمن قلّ فيه الناصر.
وبعد تحرير 2000، تعرض لبنان لضغوط أميركية ودولية كبيرة لفصل الدولة عن المقاومة ومحاربتها، لكنّ الرئيس الشجاع رفض الانقلاب على المقاومة، واعتبر أن استمرارها ضروري لحماية البلد. وبالموازاة، حافظ الرئيس لحود على حقوق لبنان. فبعد التحرير، جرت محاولات لقضم حقوق لبنان، لكن فخامته لم يقبل التفريط بحبّة تراب منها. وفي رحاب ذلك، واصل مشواره الصعب في تحدي الإملاءات الخارجية. وفي هذا السياق، يتحدّث فخامته في جلسات مختلفة بعنفوان وقوة واعتزاز عن قصّة إغلاق الهاتف في وجه وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت، وهو واحد من المواقف التي يعتزّ ويفخر بها، لا بل يؤكّد حيالها أنّ الزمن لو عاد به إلى الوراء لتصرّف هكذا وأكثر. وكل ذلك، في سبيل الحفاظ على حقوق لبنان.
ولمن لا يعلم، حاولت أولبرايت آنذاك الضغط على الرئيس لحود عقب تحرير عام 2000 لتقديم تنازلات تتعلق بمساحات من الأراضي في جنوب لبنان (نحو 18 مليون متر مربع)، وهو ما اعتبره الرئيس المقاوم تفريطًا بالسيادة. عندها، رفض لحود الطلب الأميركي بشدة، وأقفل الهاتف في وجه أولبرايت لإنهاء المكالمة.
كان الرئيس المقاوم جريئًا وبقوة أمام وزيرة خارجية دولة تصف نفسها بالعظمى، أما الآخرون فلم يجرؤوا أن يحاسبوا مبعوثًا أميركيًا يدعى توم براك نطق بألفاظ نابية بحق الصحفيين في قصر بعبدا. لم يجرؤوا أن يقفوا إلى جانب المقاومة التي تدافع عن شعبها في وجه عدوان صهيو-أميركي واسع يستهدف لبنان. لا بل أكثر من ذلك، تآمرت السلطة السياسية على شعبها في العدوان الحالي، وللحديث في هذا السياق تتمة.
وعليه، استمرّ الرئيس لحود في احتضانه للمقاومة، فكان نِعمَ السند الرسمي لها. جمعته علاقة مميّزة بسيّدها آنذاك الشهيد الأسمى سماحة السيد حسن نصر الله، الذي زار في حزيران عام 2000 الرئيس لحود في قصر بعبدا، عقب انتصار التحرير، فكانت الزيارة تعبيرًا عن الانسجام الكبير في الموقف بين الدولة والمقاومة، وفق ما عبّر آنذاك قائد المقاومة، الذي لقي ترحيبًا استثنائيًا من الرئيس لحود. رئيس الجمهورية خرج من أجل استقبال السيد "مخالفًا البروتوكول" كما يقول أصحاب "الإتيكيت" الفارغة من المضامين. آنذاك، لم يرف جفن الرئيس لحود لكلامهم الفارغ، لا بل قدّم للسيد درعًا تقديرًا لدوره التاريخي في التحرير، فكانت العلاقة المميزة شاهدة على أنّ الأوطان تُبنى وتستمر في رحاب رئيس قوي ومقاومة مقتدرة.
وفي 25 أيار 2026، وفي الوقت الذي يتعرّض فيه لبنان لعدوان خارجي وحصار داخلي، يستذكر اللبنانيون بحسرة وحب، حقبة الرئيس الوفي والشجاع لحود الذي لا يزال ورغم مرور 26 عامًا على التحرير، ذاكرة التحرير ومدرسة الرئاسة.