اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الاستعانة بـ"إسرائيل" في مواجهة المقاومة: أداةٌ للغلبة الداخلية

نقاط على الحروف

سلطة المقايضة.. اتفاق الإطار تقزيم لحدود الدولة وتحالف أمني مع الاحتلال بختم أميركي
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

سلطة المقايضة.. اتفاق الإطار تقزيم لحدود الدولة وتحالف أمني مع الاحتلال بختم أميركي

82

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

يعيش لبنان منعطفًا تاريخيًّا هو الأشد خطورة منذ نشأة كيانه السياسي؛ إذ لم يعد الأمر يتعلق بمجرد ترتيبات تقنية لوقف إطلاق النار أو تفاهمات أمنية مؤقتة لضبط الحدود، بل تعداه إلى ما يمكن وصفه بـ "انقلاب بنيوي" على العقيدة الوطنية ومفهوم السيادة؛ فما تُطلق عليه السلطة اللبنانية تسمية "الإطار الثلاثي"، والذي جرى نسج خيوطه في أروقة واشنطن، يتجاوز في أبعاده ومضامينه اتفاقات الذلّ والتطبيع التقليدية التي شهدتها المنطقة، فهو يمثل انتقالًا غير معلن من ضفة "الدفاع عن الأرض" إلى ضفة "التحالف الأمني والسياسي" مع الاحتلال "الإسرائيلي" برعاية أميركية مباشرة.

وهذا المسار لا يعيد صياغة الالتزامات العسكرية للدولة اللبنانية فحسب، بل يعيد تعريف "مصدر التهديد"، ويوجه سلاح الشرعية نحو الداخل، واضعًا البلاد برمتها أمام مخاطر وجودية تهدد جغرافيتها وديمغرافيتها، وسلمها الأهلي، كيف ذلك!؟

من مواجهة الاحتلال إلى تجريم المقاومة

تكمن الخطورة الكبرى في اتفاق الإطار في نقل مركز المشكلة وجوهر الصراع من وجود احتلال "إسرائيلي" ينتهك السيادة الوطنية يوميًّا، إلى وجود المقاومة ذاتها كعنصر دفاعي، وبموجب هذا التوجه الجديد، لم تعد "إسرائيل" مصدر الخطر الحتمي الذي يُفترض بالدولة ومؤسساتها مواجهته، بل تحولت المقاومة وفكرتها وتاريخها إلى التهديد الأكبر الذي يجب استئصاله وفق الأهداف العلنية منها والمستترة. وهذا التحول الجذري في العقيدة السياسية والأمنية يخدم بالدرجة الأولى مصالح الاحتلال والسلطة القائمة التي تبحث عن شرعية دولية على حساب الثوابت الوطنية.

وأحد جوانب الخطر في هذا الاتفاق أنه لا يقف عند تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، بل يمتد تدميره ليشمل فكرة المقاومة كإرث وطني متجذر في الوجدان الشعبي اللبناني، وهي الفكرة التي سبقت نشوء حزب الله بعقود، وتجلّت في مواجهات شعبية متعددة ضد الأطماع "الإسرائيلية" التاريخية؛ وعلى هذا الأساس تحاول السلطة جاهدة تصوير العمل المقاوم وكأنه "تمرد مسلح على الدولة"، مستندة إلى مسار إقصائي بدأ يتبلور قانونيًّا وسياسيًّا منذ القرارات المشؤومة للحكومة في آب ٢٠٢٥ وآذار ٢٠٢٦ التي هدفت إلى تجريم أنشطة المقاومة وتصوير المقاومين على أنهم خارجون على القانون، وتمهيد الطريق لتجريم الحزب سياسيًّا واجتماعيًّا وعزله عن نسيجه الوطني.

تسمية مقنّعة للهروب من المحاسبة

لم يكن اختيار مصطلح "صيغة الإطار" أو "الوثيقة الإطارية" بدلًا من مسمى "الاتفاقية" أو "المعاهدة الدولية" خيارًا لغويًّا عابرًا، بل هو آلية التفاف مقصودة ومدروسة هندستها السلطة وبنصيحة أميركية خبيثة للهروب من الممرات الدستورية الإلزامية، فوفقًا للدستور اللبناني تتطلب المعاهدات والاتفاقيات الدولية موافقة مجلس الوزراء مجتمعًا، وحصولها على أكثرية الثلثين في مجلس النواب بعد نقاش علني صريح، ولذلك لجأ ثنائي التفاوض إلى هذه التسمية الهلامية الفضفاضة لتمرير الالتزامات الكارثية والملاحق السرية للاتفاق بعيدًا عن رقابة البرلمان ومحاسبة الشعب.

إن هذا الأسلوب يمثل طعنة مباشرة للسيادة القانونية والدستورية، حيث تُدار مصائر البلاد عبر تفاهمات خلفية ولقاءات في العواصم الغربية - ومنها ما حُكي عن زيارة مرتقبة لرئيس السلطة جوزاف عون في ٢١ تموز الجاري إلى واشنطن - دون أي اعتبار للمؤسسات الدستورية المخوّلة صناعة القرار الوطني، ما يحول السلطة التنفيذية إلى أداة لتنفيذ إملاءات خارجية فاقدة للمشروعية الشعبية.

في المحصلة، فإن هذه السلطة تبني خياراتها الاستراتيجية كلها على رهان خاسر مفاده أن الولايات المتحدة ستتمكن في نهاية المطاف من صياغة شرق أوسط جديد، وإضعاف المحاور الإقليمية الداعمة للمقاومة، وفي سبيل هذا الوهم، ينظر "السياديون" إلى جنوب لبنان وأهله كعبء سياسي وأمني واقتصادي، متوهمين أن عزل الجنوب أو تسليم أمنه للإرادة "الإسرائيلية" والأميركية قد يتيح لبقية المناطق اللبنانية العيش في استقرار وازدهار اقتصادي.

هذا التقدير القاصر ينفصل تمامًا عن طبيعة العقيدة الصهيونية؛ فالاحتلال لا يمتلك حدودًا جغرافية نهائية، ولن يتوقف عند حدود الجنوب بل سيبتلع لبنان كله وفق تصريحات مسؤوليه المعلنة، وفيما يخرج جوزاف عون ليعلن بنبرة واثقة "انتزاع اعتراف من "إسرائيل" بعدم وجود مطامع لها في الأرض اللبنانية"، يؤكد مسؤولو العدو كل يوم قرار القيادات السياسية والعسكرية "الإسرائيلية" البقاء في الأرض اللبنانية المحتلة، في وقت تمارس قوات الاحتلال هذا القرار بالقول والفعل، وإزاء ذلك لا يجد ثنائي السلطة اللبنانية جوزاف عون ونواف سلام إلا الإصرار على المعزوفة الممجوجة حول حصرية السلاح وفرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، إلى آخر قائمة الادعاءات اللفظية، والأنكى من ذلك، أن ثنائي التفاوض يحرص على تظهير الاستسلام للإملاءات الأميركية - "الإسرائيلية" على أنه نابع من الحرص على السيادة وباسم غالبية اللبنانيين، ولا نعلم عن أي سيادة وأي غالبية يتحدثان في وقت بات تدنيس أرض الجنوب المحتلة عادة شبه يومية لقيادات الاحتلال ومستوطنيه الذين باشروا ترسيم ملامح مستوطناتهم الجديدة على أرض لبنان، وهذا الأمر يؤكد أن الرجلين يعيشان في الفضاء الخارجي أو في فقاعة هواء مستوردة من ديزني لاند الأميركية بتصميم "إسرائيلي"، أو أنهما باتا يعانيان من قصر نظر فيخيل لهما أن جغرافية لبنان وديمغرافيته تقزمتا في حدود قيست وفق مصالح زعامات طائفية وسياسية محددة باسم دويلة لبنان الصغير، والأكيد أن لا همّ لهذه السلطة في حصول أي انسحاب للاحتلال أو ضمان سيادة فعلية للبنان، "وهذا ما يحصل عندما تستلم صبية ليس لها خبرة بالعلاقات الدولية همّها السلطة" على حد تعبير وليد جنبلاط.

تحويل الجيش إلى أداة للمواجهة الداخلية

إن أخطر ما يفرضه هذا الاتفاق في شقه العملياتي هو المحاولة الخبيثة لإقحام الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع بيئته وأبناء شعبه، فقد أريد للجيش، عبر ملاحق الاتفاق وشروطه، أن يؤدي دورًا وظيفيًّا يخدم الأمن "الإسرائيلي" تحت شعارات "حصرية السلاح" و"فرض سلطة الدولة"، ولذا فإن وضع المؤسسة العسكرية في مواجهة المقاومة بدلًا من صد الاعتداءات "الإسرائيلية" المستمرة يعدّ وصفة جاهزة لتدمير العقيدة القتالية الوطنية التي بُني عليها الجيش اللبناني طوال عقود.

وفي هذا السياق تبرز علامات استفهام كبرى حول المواقف الاستسلامية لرئيس السلطة جوزاف عون، والذي كان قائدًا لهذا الجيش، حيث إن الثقافة السائدة داخل المؤسسة العسكرية، والتي تكرست عبر برامجها الأكاديمية والتدريبية، كانت وما زالت تصنف "إسرائيل" بوضوح ودون مواربة على أنها العدو الحتمي للبنان، وقد نشأ الضباط والأفراد على هذا المفهوم العقائدي الثابت، وبالتالي فإن التماهي الحالي مع الطروحات الأميركية التي تطالب بتغيير المهام الميدانية للجيش في الجنوب يمثل تحولًا جذريًّا صادمًا وتناقضًا حادًّا مع تاريخ المؤسسة، بل إن الأمر وصل إلى حد الوقاحة "الإسرائيلية" بتسليم "تل أبيب" قائمة لبيروت - وفق ما سرّبته هيئة البث "الإسرائيلية" - تضم أسماء ضباط كبار في الجيش ترفض تواجدهم ميدانيًّا في الجنوب بذريعة "تسريب معلومات"، وهو تدخل سافر ومذلّ في هيكلية الجيش اللبناني وقراره السيادي. وعلى الرغم من نفي مصادر عسكرية هذا الأمر، إلا أن نشر الخبر يوحي بوجود توجه "إسرائيلي" حاسم في هذا المجال.

مقامرة السلطة: عرض السلم الأهلي ورقة تفاوض

باتت السلطة اللبنانية تفتقر إلى أي أوراق ضغط حقيقية نتيجة تفريطها بعناصر قوتها التفاوضية جرّاء استسلامها الكامل للإملاءات الأميركية. وإمعانًا في ذلك أبدت على طاولة المفاوضات استعدادها للدخول في مواجهة داخلية مدمّرة، وما الحديث المتداول عن استخدام الجيش أو الاستعانة بقوى ودول عربية لنزع سلاح المقاومة إلا تأكيد على هذا الاتجاه، ولكنه في الواقع يعكس حالًا من الانفصال التام عن الواقع وقراءة خاطئة للتاريخ؛ فإذا كانت الآلة العسكرية "الإسرائيلية" بكل جبروتها لم تفلح في تحقيق هذا الهدف على مدار أكثر من أربعة عقود من الحروب والاجتياحات، فكيف يمكن لترتيبات أمنية واهية أن تحقق ذلك؟! من هنا ندرك أن الغاية الجوهرية للاحتلال من هذا الاتفاق هي جرّ لبنان إلى أتون نزاع داخلي يستنزف قدراته البشرية والعسكرية، ويصرف المقاومة عن دورها الأساسي في ردع الأطماع "الإسرائيلية"، وللأسف فإن سلطة عون - سلام منخرطة تمامًا في هذا المسار التدميري. في المقابل تؤكد المقاومة أنها لن تقع في هذه المصيدة، ولن تنجرّ إلى مواجهة تبدو كأنها صراع طائفي بين مكوّن بعينه ومكوّنات لبنانية أخرى، وخيارها إلى جانب الثبات الميداني في وجه الاحتلال هو المواجهة السياسية والقانونية من داخل مؤسسات الدولة ومجلس النواب وصولًا إلى تفنيد بنود هذا الاتفاق العار وتفكيك سردية "الدويلة المشغّلة خارجيًّا".

إطار أخطر من اتفاق ١٧ أيار

إذا أردنا أن نضع اتفاق الإطار الثلاثي في ميزان التاريخ، سوف نجد أنه يتجاوز في خطورته وتنازلاته اتفاق ١٧ أيار المشؤوم عام ١٩٨٣، ففي ذلك الوقت، كان لبنان يرزح تحت وطأة احتلال عسكري "إسرائيلي" مباشر للعاصمة بيروت، كما جزء كبير من الأراضي، في ظل اختلال كامل لتوازن القوى السياسية والعسكرية، أما اليوم فإن السلطة اللبنانية تقدّم التنازلات المجانية في ظل معادلات ردع مختلفة، ما يجعل الانصياع الرسمي والتفريط بالسيادة بمثابة صك استسلام طوعي.، واللافت أن السلطة تتعامل مع "إسرائيل" ليس كقوة احتلال غاصبة، بل كـ "شريك مستقبلي" في مواجهة ما تسميه "الخطر الإيراني وحزب الله"، معتبرة إياهما "العدو المشترك". وهذا التحول المشبوه يجعل اتفاق الإطار أشبه بتحالف سياسي وأمني لحماية نظام سياسي متهالك، بدلًا من أن يكون تفاهمات تقنية لوقف النار؛ كما تكمن خطورته في ملاحقه غير المعلنة التي تمنح الاحتلال غطاءً غير مباشر لانتهاك الأجواء والمياه الإقليمية، وتكبّل قدرة لبنان على بناء منظومة دفاعية وطنية مستقلة، وبذلك تسهم هذه السلطة في تقويض مفهوم السيادة الوطنية من خلال تفكيكه وتشويهه في الوعي العام، فالسيادة في بعدها الداخلي تتمثل في احتكار الدولة الشرعي لوسائل القوة وتطبيق القانون على مواطنيها وحظر التمرد، أما في بعدها الخارجي فتتمثل في استقلال القرار الوطني، وحماية الحدود، وعدم الخضوع للاحتلال أو الإملاءات والتدخلات الخارجية.

إن الخطيئة الكبرى للسلطة تكمن في تركيزها المطلق والشرس على "السيادة الداخلية" وتصوير تحقيقها في نزع سلاح المقاومة وتجريمها، في حين أنها تتغاضى بالكامل وتتعامى عن الانتهاكات الفاضحة للسيادة الخارجية، واستمرار احتلال أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية، فضلًا عن التدنيس شبه اليومي لأرض الجنوب من قبل قادة جيش العدو ومسؤوليه ومستوطنيه، وعليه فإن إهمال حماية الحدود وحفظ البلد والشعب من الخطر الخارجي مقابل مطاردة عناصر القوة الداخلية يمثل تناقضًا وجوديًّا يفرغ الدولة من معناها الحقيقي، ويحولها من حامٍ للمواطنين إلى حارس لأمن المحتل.

في الخلاصة، إن "اتفاق الإطار" بملاحقه وخلفياته الكامنة ليس مسارًا للإنقاذ، بل هو صك تفريط بالسيادة الوطنية، يضع لبنان على حافة الانقسام الداخلي ويشرع أبوابه أمام الأطماع الأميركية و"الإسرائيلية"، وبذلك فإن الكيان اللبناني بات مهددًا في أصل هويته ووجوده وجغرافيته وديمغرافيته.

الكلمات المفتاحية
مشاركة