اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي عدوان صهيوني يستهدف شقتين في الضاحية الجنوبية لبيروت

نقاط على الحروف

 ماذا يريد اللبنانيون؟ قراءة في استطلاعات الرأي بين قرارات السلطة والمزاج الشعبي
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

 ماذا يريد اللبنانيون؟ قراءة في استطلاعات الرأي بين قرارات السلطة والمزاج الشعبي

183

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

يتعامل رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بطريقة من ينفصل تمامًا عن واقع شعبه وناسه. يتصرّف الرئيسان اللذان ابتسم لهما حظّ الرئاسة في يوم من الأيام، وكأنهما يمتلكان قرار المئة في المئة من الشعب اللبناني. يتعاملان في مختلف الاستحقاقات وكأنهما يتحركان ضمن مساحة سياسية واسعة تتيح لهما اتخاذ قرارات كبرى بمعزل عن توازنات الرأي العام في البلاد. طبعًا، ليس عيبًا ولا في الأمر حرج أن يكون لهما أجندة معينة يسيران بها، لكن قمّة اللامنطق أن تتلاقى هذه الأجندة ــ وإن عن غير قصد ــ مع أجندة كيان اسمه "إسرائيل"، مع ما تحمل هذه الكلمة لدى لفظها من صور مجازر ودمار واستعلاء وتعدٍّ وإلى ما هنالك من الحقل المعجمي المرتبط بقتل الشعب اللبناني وتدمير أرزاقه وبيوته. 

هذا النمط في التعاطي، يطرح إشكالية جوهرية في نظام يُفترض أن يقوم على التمثيل وعلى مبدأ المشاركة في القرار. ففي دولة ينصّ دستورها على أن "الشعب مصدر السلطات" و"لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، لا يمكن اختزال الشرعية السياسية في مواقع السلطة التنفيذية وحدها، ولا التعامل مع الخيارات الوطنية الكبرى باعتبارها شأنًا منفصلًا عن رأي الناس أو فوقه. بل إن جوهر هذا المبدأ يفترض العودة الدائمة إلى الرأي العام، عبر الآليات الدستورية والمؤسساتية، وفي مقدّمها الانتخابات والاستشارات النيابية. وبالتالي فإنّ الشعب من يُقرّر مصيره، ويُحدّد خياراته الكبرى، والوقوف على رأيه  ليس ترفًا بل هو واجب على كل من في موقع المسؤولية، وإلا لما كان هناك انتخابات نيابية يجريها الشعب، ويُجرى عبرها انتخاب رئيس الجمهورية وتسمية الحكومة. 

وعليه، يصبح لزامًا على رئيسي الجمهورية والحكومة الالتفات إلى ما يطلبه الجمهور اللبناني للبناء عليه، والإقدام عليه قبل أي قرارات مصيرية. لكنّ مشكلة الرئيسين عون وسلام أنهما لا يشاوران أحدًا، بل يعملان وفق ما تفرضه عليهما الإملاءات الخارجية سواء اتفقت أم اختلفت مع خيارات الشعب اللبناني. والأمثلة في هذا السياق تطول. وفي هذا الإطار، ويصبح النقاش حول من يمثل "الشعب" فعليًا جزءًا من جوهر الأزمة السياسية. فمثلًا، حصد النائب محمد رعد، رئيس كتلة الوفاء للمقاومة والناطق السياسي باسم حزب الله، في الانتخابات النيابية الأخيرة (2022) 43,797 صوتًا تفضيليًا في دائرة الجنوب الثالثة، متصدرًا نتائج الدائرة وعلى مستوى لبنان في حجم الأصوات التفضيلية. كما نال النائب أمين شري 26,363 صوتًا تفضيليًا، متصدرًا بذلك المرشحين في دائرة بيروت الثانية. كما أن هذه الكتلة التي ينتمي إليها رعد وشري وغيرهما من النواب الذي نالوا أصواتًا تفضيلية من الأعلى بين المرشحين تمثل جزءًا من البيئة السياسية التي يقودها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، والتي تعلن بشكل واضح رفضها لأي مسار تطبيع أو تسوية مع "إسرائيل"، وتعتبر أن الأولويات الوطنية مرتبطة بخيار المواجهة مع العدو لا التسوية، في مقابل خطاب رسمي لبناني يتجه في مسارات سوريالية. وعليه، فإنّ المعادلة تقول الآتي: "حزب يمتلك الأصوات التفضيلية الأعلى من قبل الشعب يُساوي حزبًا يتمتع بتمثيل شعبي وازن داخل المؤسسات، لا يمكن القفز فوقه أو التعامل معه كأنه خارج المعادلة الوطنية، بل كقوة سياسية قائمة بحكم صناديق الاقتراع وما تفرزه من نتائج ملزمة في النظام الديمقراطي التمثيلي". 

ومن هنا ، فإنّ الواقع الحقيقي يختلف كليًا عن التصريحات الإعلامية التي تُباع في سوق المزايدات على المقاومة وشعبها. وفي هذا الإطار، نستحضر قول رئيس الجمهورية للأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم  الجمعة حين خاطبه "أقول لنعيم قاسم أنّ الشعب اللبناني ليس شعبك". وهنا نسأل فخامة الرئيس: إذا كان أمين عام يمتلك حزبه كتلة نيابية وازنة في البرلمان اللبناني ووزيرين في الحكومة والأصوات التفضيلية الأعلى لا يمتلك "شعبًا"، فإلى من تعود الأصوات التي أتت بهؤلاء النواب والوزراء إلى الحكم؟. 

وعليه، تصبح مسألة قراءة المزاج الشعبي جزءًا أساسيًا من فهم حدود القرار السياسي، لا سيما في القضايا الحساسة. غير أنّ هذا المزاج لا يُستخلص من الانطباعات أو السجالات السياسية، بل من أدوات قياس أكثر دقة، وفي مقدّمها استطلاعات الرأي التي تجريها مراكز بحث متخصصة وتعكس اتجاهات الرأي العام خلال فترات زمنية محددة. وفي هذا السياق، يمكن التوقف عند مجموعة من الاستطلاعات على رأسها استطلاع "الدولية للمعلومات" الذي صدر الشهر الفائت، ومقارنته باستطلاع الدولية للمعلومات عام 2025، واستطلاع المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق في آب 2025 للإجابة عن سؤال رئيسي: ماذا يريد اللبنانيون فعليًا؟، وذلك بمعزل عن القراءات التحليلية لهذه الاستطلاعات والتي يعمد البعض من خلالها إلى انتقاء ما يناسب سرديته منها للقول إنّ المزاج العام تبدل وتغيّر، حيث يتعامل هذا البعض مع الأرقام كوجهة نظر، إلا أنّ التدقيق في سياق الأرقام وقراءتها قراءة واقعية تُبيّن أنّ الاستطلاعات الثلاثة، رغم المسافة في الوقت، ترسم صورة أقرب إلى الاستمرارية في المزاج اللبناني العام أكثر مما تعكس تحولًا جذريًا في المواقف تجاه "إسرائيل" أو تجاه معادلة المقاومة. 

وفي قراءة تحليلية لأحدث استطلاع صادر عن الدولية للمعلومات، يتبين أنّ الأغلبية اللبنانية لا تؤيد التطبيع الذي "تهرول" إليه السلطة اللبنانية، حيث أشار الاستطلاع إلى أنّ 59.3% من اللبنانيين يرفضون التطبيع مع "إسرائيل" مقابل 30.4% فقط يؤيدونه. كما أن 64.5% من اللبنانيين يعتقدون أن استمرار "إسرائيل" في الحرب على لبنان يعود إلى أطماعها في موارده الطبيعية مثل النفط والمياه، فيما يرفض 66.6% افتتاح سفارة "إسرائيلية" في بيروت، ويرفض أكثر من النصف 50.1% لقاء رئيس الجمهورية مع رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، كما يعترض نحو النصف 49.9% على حصول أي تواصل بين رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ونتنياهو. ويعتبر 43.3% أن تحقيق "سلام" عادل مع "إسرائيل" غير ممكن، مقابل 32.7% فقط يرون أنه ممكن.

هذه النتائج تظهر أن المزاج العام اللبناني ما زال يرفض التطبيع، كما يُظهر أن خيار السلطة  بالتفاوض المباشر لا يمتلك تفويضًا شعبيًا ولا قاعدة شعبية تتقبّله، أو توفّر الغطاء الوطني الجامع له. 

أغلبية السنّة ضد التطبيع 

وقد أظهرت نتائج الاستطلاع الحديث أنّ رفض التطبيع لا يقتصر على البيئة الشيعية، بل يتعداه إلى الطوائف الأخرى، فصحيح أنّ الشيعة سجّلوا أعلى نسب الرفض، وهذا أمر بديهي، حيث يقف 94.3% ضد التطبيع، ويعارض 92.9% التفاوض المباشر، كما يسجّل 96% موقفًا معارضًا ضد افتتاح سفارة "إسرائيلية في بيروت. إلا أن الاستطلاع يكشف أيضًا وجود كتل كبيرة خارج البيئة الشيعية ترفض التطبيع والسلام المنفرد. فعلى سبيل المثال يرفض 73.8% أي أغلبية كبيرة من السنّة التطبيع، و86.4% من الطائفة عينها يرفضون افتتاح سفارة "إسرائيلية"، و54.4%من السنّة يرفضون تواصل رئيس الحكومة مع نتنياهو، و43% منهم يعتبرون أن السلام العادل غير ممكن، ما يدحض فكرة أنّ الشيعة فقط هم أعداء لـ"إسرائيل" كما يحاول البعض أن يزعم ويروّج. 

وتبيّن نتائج الاستطلاع أن أغلبية المجتمع اللبناني ما زالت ترفض التطبيع وافتتاح سفارة "إسرائيلية"، وترفض إعطاء شرعية كاملة للعلاقة مع "إسرائيل". كما تكشف النتائج أن رفض التطبيع ليس موقفًا شيعيًا حصرًا، بل يتقاطع معه جزء كبير من السنّة وشرائح من الطوائف الأخرى، ما يجعل القضية أقرب إلى مسألة وطنية وميثاقية تتعلق بنظرة اللبنانيين إلى "إسرائيل" واعتداءاتها على لبنان، أكثر مما هي مجرد موقف خاص بطائفة واحدة. فخيارات السلطة المتعلقة بالمفاوضات أو "السلام"، وفق الاستطلاع، لا تحظى بتفويض شعبي أو إجماع وطني جامع، بل تبدو موضع انقسام حاد داخل المجتمع اللبناني، وهو ما يجعل الادعاء بوجود تأييد شعبي واسع لها غير مدعوم بشكل واضح بنتائج الاستطلاع نفسها.

واللافت في الاستطلاع، أن بعض النتائج تُظهر تقاطعات وطنية تتجاوز الاصطفافات السياسية والطائفية، إذ إن 64.5% يعتقدون أن "إسرائيل" تواصل الحرب بسبب أطماعها بموارد لبنان. ووفقًا للطائفة، سجّل الموارنة نسبة تأييد لهذا الاعتقاد بلغت 43.2%، كما أيّدها 48.6% من الأرثوذكس، و34% من الكاثوليك. في المقابل، ارتفعت نسبة التأييد لدى الشيعة إلى (85.3%)، والسنّة (81.7%). 

كما بيّنت النتائج أنّ 54.7% أي أكثر من النصف يعتقدون أن "إسرائيل" كانت ستشن الحرب حتى لو لم يطلق حزب الله الصواريخ، و45.4% يعتبرون أن استقرار لبنان يبدأ من انسحاب "إسرائيل" الكامل ووقف اعتداءاتها. كما حلّت "إسرائيل" في المرتبة الأخيرة بين الجهات المفضلة لدى اللبنانيين بنسبة 0.2% فقط. وهذه مؤشرات تدل على استمرار النظرة إلى "إسرائيل" كعدو ومصدر تهديد لدى قطاع واسع من اللبنانيين، حتى بين من يؤيدون بعض أشكال التفاوض أو التسويات السياسية.

الشباب أكثر رفضًا للتطبيع

واللافت في نتائج الاستطلاع أنّ الشباب أكثر رفضًا للتطبيع من الأجيال الأكبر، حيث رفض 73% من الفئة العمرية 21-29 عامًا التطبيع، و81.5% منهم يرفضون افتتاح سفارة "إسرائيلية"، و56.5% يرون أن "السلام" العادل غير ممكن، و74% يؤيدون حق سكان الجنوب في مقاومة "إسرائيل"، و55% يعتبرون أن انسحاب "إسرائيل" الكامل هو الطريق الأفضل لاستقرار لبنان، ما يعني أن رفض التطبيع ليس موقفًا مرتبطًا فقط بذاكرة الحروب القديمة، بل يحظى بحضور قوي لدى الجيل الأصغر أيضًا. 

الاستطلاعان السابقان

وبالعودة إلى نتائج الاستطلاعين السابقين العام الماضي، استطلاع "الدولية للمعلومات" والمركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، يتبين أنّ الاتجاه العام بين الاستطلاعين السابقين والاستطلاع الحديث لم يتغير جوهريًا، حتى لو شهدت بعض الأسئلة المتعلقة بالتفاوض أو "السلام" ارتفاعًا في نسب التأييد لدى البعض، إلا أنّ المقارنة هنا يجب أن تكون على مستوى الثوابت السياسية والاستراتيجية لا على مستوى سؤال واحد فقط.، والدليل الأساسي يتمثل في استمرار الشك العميق بـ"إسرائيل"، حيث عبّر 63% في استطلاع "الدولية" 2025 عن عدم اعتقادهم أنّ "إسرائيل" ستنسحب من الأراضي المحتلة أو ستتوقف عن انتهاك السيادة اللبنانية حتى لو سلّم حزب الله سلاحه. وفي استطلاع " المركز الاستشاري" 2025 اعتبر 72% أنّ الجيش وحده غير قادر على مواجهة أي عدوان "إسرائيلي". و76% اعتبروا أن الدبلوماسية وحدها غير قادرة على ردع "إسرائيل". أما في استطلاع "الدولية" 2026 فقد توقع فقط 44.2% انسحاب "إسرائيل" من الأراضي المحتلة.

هذه الأرقام تدل على أن انعدام الثقة بـ"إسرائيل" ما زال واسعًا، ففي استطلاع 2025 رفضت الأغلبية تسليم سلاح حزب الله قبل تقديم ضمانات تتعلق بالخطر "الإسرائيلي" أو إنجاز استراتيجية دفاعية. صحيح أنّ النسبة الأعلى كانت للشيعة 96 %، لكن الطوائف الأخرى عبّرت بنسب عالية إلى حد ما عن هذا الرفض، حيث سجّل السنة 50%، والدروز46 %، والمسيحيون 32 %. وفي استطلاع 2026 أيّد المستطلعون بنسب عالية عبارة "لسكان الجنوب الحق في مقاومة "إسرائيل" بغض النظر عن الجهة التي تدعمهم". ووفقًا للطائفة، سجّل المستطلعون الشيعة أعلى مستويات التأييد (95%)، كما أيّد 46.1% من الموارنة، 70.6% من السنة هذه الفكرة.  وهذا يؤكد أن الموقف من "إسرائيل" ومن حق المقاومة لا يمكن اختزاله بطائفة واحدة. كما تصدّرت المقاومة النسبة الأعلى لدى المستطلعين عند سؤالهم عن "الجهة المفضلة لدى اللبنانيين"، بنسبة 29.3%، يليها خيار "لا أحد" بنسبة 19.7%. 

وهنا، يمكن القول ــ وعلى عكس ما قرأه البعض ــ إن استطلاع 2026 لا يعكس انقلابًا في المزاج اللبناني مقارنة باستطلاعي 2025، بل يعكس استمرار الثوابت نفسها، إذ ما زالت الأغلبية ترفض التطبيع وافتتاح سفارة "إسرائيلية"، وما زالت تنظر إلى "إسرائيل" بعين الشك والعداء، كما أن قطاعات واسعة من السنة والشيعة وسواهم تتقاطع في رفض التطبيع الكامل.

واللافت أن الاستطلاعات الثلاثة تظهر تقاطعات عابرة للطوائف، ففي المركز الاستشاري يبدو نصف السنة تقريبًا ضد سحب السلاح قبل استراتيجية دفاعية، وأكثر من 40% من المسيحيين يرون أن الدبلوماسية وحدها لا تكفي، وأغلبية كبيرة في مختلف الطوائف ترى أن الجيش وحده غير قادر على مواجهة "إسرائيل". وفي استطلاع "الدولية" 2026 يقف غالبية السنة ضد التطبيع وإنشاء سفارة للعدو، وغالبية الشباب ضد التطبيع، وغالبية اللبنانيين تعتبر "إسرائيل" سببًا رئيسيًا لعدم الاستقرار، وهذا يعني أن المسألة ليست انقسامًا شيعيًا مقابل بقية اللبنانيين، بل يوجد داخل مختلف الطوائف تيار واسع يرفض التطبيع ويشكك بـ"إسرائيل" ويتمسك بمعادلة الردع والمقاومة.

استنتاجات 

في الخلاصة، يتبيّن أنّ الشك بـ"إسرائيل" في مجمل الاستطلاعات ما زال واسعًا، والتطبيع مع العدو ما زال مرفوضًا من الأغلبية، وافتتاح سفارة "إسرائيلية" مرفوض بأغلبية كبيرة، والمقاومة أو الحاجة إلى عناصر قوة بوجه "إسرائيل" ما زالت تحظى بتأييد يتجاوز البيئة الشيعية. كما أنه لا يوجد إجماع وطني أو ميثاقي يمنح السلطة تفويضًا واضحًا للانتقال إلى "التطبيع" أو السلام.

الكلمات المفتاحية
مشاركة