نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
طيلة أيّام وليال سبقت، بذل الإعلام الصهيولبناني كلّ جهد ممكن في سبيل التشكيك بالمقدرة الإيرانية على حماية لبنان. وتزايدت وتيرة هذا الجهد بعد نجاح الجمهورية في منع الموجة العدوانية من بلوغ بيروت والضاحية في الأسبوع الماضي، بعد أن هدّد "الإسرائيلي" باستهدافهما، وما ردعه حينها سوى التهديد الإيراني الصريح بالردّ المباشر. حاول هذا الإعلام الترويج لدور لترامب ولمفاوضات العار بين "لبنان" وإسرائيل" في منع العدوان، لأن الحاجة إلى تكذيب الوعد الصادق بلغت أوجها حين سطع صدق هذا الوعد على مرأى العالم، بالتزامن مع محاولات السلطة اللبنانية نزع ملف كفّ العدوان عن لبنان من المفاوضات التي تخوضها دولة الوليّ الفقيه لانتزاع حقّ النّاس بالحياة وبالكرامة، ضدّ العنجهية الأميركية التي وظّفت إدارة محليّة تنطق زورًا باسم اللبنانيين.
ظهر أمس، قصف العدو "الإسرائيلي" الضاحية. قصف حيًّا سكنيًا مكتظًا ما أدّى بحسب وزارة الصحة إلى ارتقاء شهيدين وإصابة عشرين شخصًا بجروح، من بينهم أربعة أطفال وأربع سيّدات. هنا، هبّ المشكّكون هبّة متصهين واحد، وانهمكوا في موجة سخرية من انعدام المقدرة أو حتى الإرادة الإيرانية لتنفيذ إيران وعيدها الصادق. نعم، سخروا وراهنوا وتحدّوا وأكدّوا أنّ الجمهورية لن تردّ، فيما كانت فرق الإنقاذ لم تزل تعمل في المريجة لإجلاء المصابين وإزاحة الركام. استهزأوا وشكّكوا وعبّروا عن كلّ نواقصهم الفكرية والإنسانية والأخلاقية، فيما كان الدم لم يزل ساخنًا على الركام.
أهل المقاومة، تكاملوا بين قسم يوقن بأن الجمهورية الصادقة الوعد ستنفّذ تهديدها وتردّ، وقسم لا فرق عنده إن ردّت بنفسها أو لا، يقينًا منه أنّ السّند حتمًا سيختار التوقيت الأمثل والطريقة الأفضل للتعامل مع العدوان، وكلا القسمين يتفقان أنّ رجال الله يبذلون كلّ ما لديهم في ميدانهم، وبفضل السند الإيرانيّ بعد الله، يحقّقون الإنجازات النوعية ويلقّنون جنود النخبة في جيش الاحتلال الهزيمة تلو الأخرى.
حلّ الليل، وفي ظلامه لاحت صواريخ العزّة من إيران، فالتمعت الأعين على امتداد مساحات الأحرار في كلّ الأرض اعتزازًا، ولا سيّما في لبنان. دوّت صفّارات الإنذار في كيان الاحتلال: في العفولة والخضيرة والناصرة وطبريا و"بنيامينا" وحيفا و"كرميئيل" والجليل وصفد وغيرها. دخل المستوطنون الملاجىء وأعلنت حال الطوارىء في المستشفيات. بلحظات قليلة، تحوّل كيان العنجهية الأميركية المزروع في أرضنا إلى جحر فئران يضجّ بالرعب وبالخيبة، إذ فشل مرّة جديدة في صناعة معادلة يبذل في تثبيتها كلّ جهد ممكن: الشمال مقابل بيروت والضاحية، وكذلك فشل في فصل الملف اللبناني عن الإيراني، وفي تفرقة الروح الواحدة التي تقاتل العقل الإبستيني وكلّ تشكّلاته.
هنا، صمت المشكّكون، ليس خجلًا من انفضاح أكاذيبهم وانكشاف أوهامهم، ولا حياء من سخريتهم طوال النهار، بل ببساطة لأن الوعد الصادق صعقهم تمامًا كما صعق الصهاينة أجمعين، وأوجعهم أكثر أن يسارع ترامب، وإن خداعًا، إلى دعوة "إسرائيل" لعدم الردّ على الردّ.
في سماء لبنان، شاهد الناس الصواريخ وهي تعبر كي تؤدب المعتدي: الأحرار منهم رأوا فيها ما يثلج صدورهم وما يمسح على قلوبهم ويواسي توجّعها من العدوان، أما المتصهينون، فقد نظروا إليها بترقّب وغرقوا في موجة إنكار سبقت أوان وصول الصواريخ إلى وجهتها في صدر العدا! سبق إعلامهم الإعلام العبري في الادعاء بأن "إسرائيل" نجحت في اعتراض جميع الصواريخ الإيرانية. ذهبوا في الكذب حدّ اختلاط الأمر على المشاهد: هل هم حقًّا مقتنعون بوهمهم هذا، أم يكرّرون قوله عسى جاهل في أقاصي الأرض يصدّقهم ويواصل معهم الإيمان بأن "إسرائيلهم" هذه لا تُهزم ولا تُصاب.
تبسّمت الضاحية رغم الجراح النازفة: "نحن سادة عند الوليّ الفقيه"، كرّرها الناس في الشوارع وعلى منصّات التواصل. قالوها بصوت الأمين سيّد شهداء الأمة السيّد حسن نصر الله، كما قالوا "الشكر لإيران لأنها تساعدنا لاستعادة أرضنا وحقّنا في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأميركي رغم مواجهاتها الكبرى" بصوت الأمين على المقاومة الشيخ نعيم قاسم.
تبسّمت الضاحية، فصفعت ببسمتها العزيزة تلك كلّ محاولات أمركة لبنان، بل أسرلته، عبر مفاوضات الذلّ في واشنطن، والتي تدّعي سلطة الوصاية الأميركية أنّها هرعت إليها كي تمنع العدوان وتنقذ لبنان، لتصبح طرفًا يتباهى بأهدافه المشتركة مع "إسرائيل" ومنها نزع سلاح المقاومة وقتل أهلها، ولتتحوّل إلى مجرّد هيئة تنسيقية للعدوان على لبنان، كلّ لبنان.
أما في إيران، فلم يُسمع صوت يتباكى رافضًا "إسناد" لبنان، بالمفاوضات أو بالصواريخ. على العكس، خرج الإيرانيون مبتهجين بالضربة التي وجّهتها دولتهم العزيزة إلى الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها "إسرائيل"، دفاعًا عن لبنان وشعبه.
يوم أمس، تحدّت "إسرائيل" التهديد الإيرانيّ بالردّ حال قصف الضاحية، فنالت عقابًا موازيًا لما فعلت، وتذكيرًا بأن وقف العدوان على لبنان نقطة لا تنازل فيها في المفاوضات التي ترعاها باكستان، شاء من شاء، وفاوض ذليلًا خاويًا من فاوض في واشنطن، ورفض من رفض. "شكرًا إيران" قالها لبنان يوم أمس بصوت شقّ صدور المتصهينين فيه، قالها الناس رغمًا عن أهل الأمركة ومريدي الأسرلة، رغمًا عن سلطة الوصاية المربكة بسبب تراكم فشلها في تحقيق أيّ من الأهداف التي أُوكل إليها تحقيقها. شكرًا إيران، قالها رجال الله وهم يجهّزون منصات صواريخهم ومسيّراتهم نحو الشمال الفلسطيني المحتلّ، ونحو كل جنديّ يدنّس طهر أرض الجنوب!