مقالات
كاتب من لبنان
ما هو الدور الفعلي للوفد اللبناني المفاوض مع العدو "الإسرائيلي" في واشنطن؟ هل هو تقديم رؤية لبنانية لإنهاء العدوان والاحتلال "الإسرائيليين" على لبنان، أم تداول الأفكار والرؤى "الإسرائيلية" التي تسود في نهاية الأمر مع لمسة أميركية خفيفة؟ هل وظيفة الوفد اللبناني هي الموافقة على ما يُعرض عليه، أم أن هناك بالفعل ما يطالب به؟ ما هي الأهداف التي وضعها الوفد اللبناني المفاوض قبل ذهابه إلى واشنطن للتفاوض؟ وما هو "الإنجاز" الذي يحققه، بالمقارنة مع الإنجازات التي يحققها الجانب "الإسرائيلي"؟
هذه الأسئلة تطرح نفسها على ضوء البيان الذي أعلنته الخارجية الأميركية عن حصيلة اجتماعات الجانبين اللبناني و"الإسرائيلي" في العاصمة الأميركية في 2 و3 الجاري، والذي أظهر خواء سلة المفاوض اللبناني الرسمي، بينما كانت شروط الجانب "الإسرائيلي" مهيمنة، إلى حد أن وقف النار لم يعد مطلوبًا من طرفين، بل من طرف واحد هو المقاومة، وأن عبارة "انسحاب" قوات الاحتلال "الإسرائيلي" من الجنوب لم ترد في سياق مطالبات الوفد اللبناني.
لقد فخخ الجانب "الإسرائيلي" بيان "الاتفاق" بمجموعة شروط تجعل مطلب وقف النار من جانبه شبه متعذر: فهو رهن تنفيذه بشرط "وقف حزب الله إطلاق النار وقفًا تامًا وإجلاء عناصره من جنوب الليطاني"، و"الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية تسيطر فيها القوات المسلحة اللبنانية سيطرة كاملة على المنطقة"، لمنع "دخول أي جهات فاعلة غير حكومية". ثم أضاف إليه طلب "إخلاء جنوب لبنان من نفوذ حزب الله" و"نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية في جميع أنحاء لبنان". ثم عاد وأضاف إليه من خارج نص "الاتفاق" مطالب عدة أخرى: إنشاء منطقة منزوعة السلاح، والجيش "الإسرائيلي" سيواصل إطلاق النار ونشاطه الميداني، وسيبقى في المنطقة الأمنية في لبنان بما في ذلك منطقة الشقيف، وسيمنع عودة السكان اللبنانيين المحليين، وسيواصل تدمير البنى التحتية الإرهابية، وستُمنح "إسرائيل" حرية العمل بدعم أميركي لمهاجمة بيروت ردًا على إطلاق النار على البلدات الشمالية"، وفق ما عبّر وزير حرب الاحتلال في معرض شرح "الإنجازات الإسرائيلية" في اتفاق واشنطن.
ومن جهة ثانية، فإن موضوع الانسحاب "الإسرائيلي" هو مقياس حقيقي لعودة الأمور إلى نصابها وبسط سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها. لكن هذا المطلب اختفى من سطور الاتفاق الثلاثي، وإن حضر بخفر وبصورة مواربة لا تثير حفيظة الجانب "الإسرائيلي"، من خلال تأكيد الوفد اللبناني الرسمي على "ضرورة الاحترام المتبادل للحدود المعترف بها دوليًا، مع التأكيد على مبادئ وحدة الأراضي اللبنانية وسيادة الدولة الكاملة"! فلماذا لا يتمتع الوفد اللبناني ببعض الجرأة للتعبير عن مطلب الانسحاب بوضوح، إلا إذا كان يعتبر أن هذا الأمر يمكن التساهل فيه ومنح الاحتلال بعض الوقت للبقاء في الأراضي اللبنانية حيث يقوم بإجراءات بعيدة المدى مثل إزالة معالم القرى الحدودية وتغيير ملامحها التاريخية؟
ومن الملاحظ كذلك اختفاء عناوين أخرى ملحة مثل عودة النازحين اللبنانيين إلى بلداتهم المحتلة، وإعادة إعمار المناطق المدمرة، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين في سجون الاحتلال. وهنا يتبين مرة أخرى أن المطالب اللبنانية التي يعبّر عنها الوفد الرسمي منقوصة ويُعلن عنها بصوت خافت ولا تستند إلى توافق داخلي يُعد الشرط الأساسي للمضي بها، في حين أن المطالب "الإسرائيلية" هي المادة الأساسية على طاولة المفاوضات وتُقال بصوت عالٍ وعليها إجماع "إسرائيلي" بالرغم مما فيها من تطرف ولا عقلانية.
أما اللغة التي صيغ بها الاتفاق الثلاثي فهي تشي بالكثير من روح الإملاء على الجانب اللبناني، فقد استعاد الجانب الأميركي تصريحًا لوزير الخارجية ماركو روبيو في 2 حزيران/يونيو الجاري قال فيه إن "حزب الله ليس فقط عدوًا لإسرائيل والولايات المتحدة، بل هو أيضًا عدو للبنان". ولا حاجة للتأكيد أن الجانب الأميركي يحاول تكرارًا توسيع الفجوة بين اللبنانيين، وتحديدًا بين الفريق المؤيد للسلطة الحالية والفريق المؤيد للمقاومة من أجل إشغال اللبنانيين بعضهم ببعض وإراحة "إسرائيل" وتوفير أسباب هيمنتها على المنطقة.
ليس هذا فحسب، بل إن الإدارة الأميركية تصر على وضع لبنان بكل ما فيه من تباينات داخلية على خط تحالفاتها في المنطقة، فأشار بيان الاتفاق الثلاثي إلى إيران مرات عدة؛ حيث أدان "الهجمات الإيرانية على دول المنطقة"، وكذلك حرص على تأكيد رفض وقف النار عبر مسار مفاوضات إسلام آباد ضمن وقف النار الشامل في المنطقة، وورد بالحرف إن "أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم التوصل إليه مباشرة بين الحكومتين وبرعاية الولايات المتحدة وليس عبر مسار منفصل". وهذا يهدف بالدرجة الأولى إلى حرمان لبنان من الاستفادة من مفاعيل أي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب في المنطقة، حيث تؤكد الجمهورية الإسلامية على ضرورة شمول لبنان بهذا الاتفاق. كما تأتي هذه الفقرة في أعقاب تدخل إيران وتعطيلها تهديد العدو بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الاثنين 1 حزيران/يونيو الجاري. ومن اللافت أن الطرف اللبناني الرسمي يرتضي وضع البلد على سكة تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة في وجه محور المقاومة، في وقت يدعي أنه يعمل من أجل مستقبل "لبنان أولًا" أو من أجل "استعادة قرار السلم والحرب" وغيرهما من العناوين التي تفتقر إلى مصداقية عند طرحها للتنفيذ.
لقد ابتعدت السلطة اللبنانية على نحو سريع عن أهدافها المعلنة للتفاوض مع العدو. فقد اتضح أنها قدّمت ورقة مجانية لـ"إسرائيل" عبر الانخراط في التفاوض المباشر والاتفاق على إنهاء حال العداء والشروع في التوصل إلى اتفاق سلام شامل، في حين أنها قالت في البداية إن الهدف الأساس هو وقف النار. لكن وقف النار أصبح هدفًا بعيد المنال مع إصرار العدو على مواصلة إطلاق النار، بل ونقل الاشتباك إلى الداخل اللبناني ووضع الجيش اللبناني في مواجهة المقاومة، بعدما أصبح واضحًا أنه لم يستطع خلال 3 شهور من الغارات الجوية والتوغلات البرية "إنهاء المهمة".
والشيء بالشيء يُذكر، من المفيد استعادة بيان الخارجية الأميركية الذي صدر في نيسان/أبريل الماضي والذي تحدث عن "تفاهم بين لبنان وإسرائيل"، وهذا التفاهم حفظ للجانب "الإسرائيلي" "الحق في اتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مخطط لها أو وشيكة أو جارية، ولن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحق". ويبدو أن الاتفاق الجديد في واشنطن كرس هذه الرؤية عبر مجموعة الشروط "الإسرائيلية" الهادفة إلى منح "إسرائيل" كل الصلاحية لممارسة العدوان والاحتلال ضد لبنان وشعبه، في مقابل حرمان لبنان من حقه في الدفاع عن نفسه.
أخيرًا، فإن اتفاق واشنطن يكشف أن السلطة اللبنانية دخلت نفق المفاوضات المباشرة من دون أن تكون على وعي بما سيجرّه هذا المسار من نتائج تتجاوز مجرد وقف العدوان "الإسرائيلي" إلى الدخول في خطوات تطبيع تمتنع منها الكثير من الدول العربية لأسباب موضوعية مرتبطة بالسياق الأوسع للصراع مع "إسرائيل"، وكذلك لمعرفتها بتداعيات أي اتفاق معها على الاستقرار السياسي لهذه الدول. ولهذا، يجدر بالجانب اللبناني الرسمي أن يعيد مراجعة أهدافه، إذا كان له من حرية تفكير وقرار في ما يقوم به من خطوات تُبعده عن التحرر من الاحتلال وتقرّبه من لحظة انفجار داخلي.