اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "العبد الصالح".. مفكرة عبادية لتحويل وصايا سماحة السيد إلى برنامج عملي 

نقاط على الحروف

زيارة واشنطن... ملاحظات بروتوكولية وأسئلة سياسية تتجاوز الزيارة
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

زيارة واشنطن... ملاحظات بروتوكولية وأسئلة سياسية تتجاوز الزيارة

233

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

من منّا لا يذكر حادثة "أولبرايت" الشهيرة، عندما أغلق رئيس الجمهورية إميل لحود الهاتف في وجه وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت. الأخيرة حاولت آنذاك الضغط على الرئيس لحود عقب تحرير عام 2000 لتقديم تنازلات تتعلق بمساحات من الأراضي في جنوب لبنان (نحو 18 مليون متر مربع)، وهو ما عدَّه الرئيس المقاوم تفريطًا بالسيادة. عندها، رفض لحود الطلب الأميركي بشدة، وأقفل الهاتف في وجه أولبرايت لإنهاء المكالمة. 

الحادثة المذكورة تندرج في إطار المواقف التي تصنع التاريخ، والتي ستبقى إلى الأبد محفورة في الذاكرة الوطنية. تتناقلها الأجيال بوصفها نماذج في الدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية. إلا أن هذا النموذج ــ ويا للأسف ــ نفتقده اليوم وبشدّة، فنتفاجأ بتصرفات تضع قيمة لبنان وكرامته وهيبته في الدرك الأسفل. 

على سبيل المثال، ما شهدناه من زيارة يقوم بها رئيس البلاد جوزاف عون إلى واشنطن، والتي أثارت سلسلة واسعة من علامات الاستفهام، سواء لجهة توقيتها، في ظل استمرار الاحتلال "الإسرائيلي" لأجزاء من الأراضي اللبنانية، أو لجهة ظروف الإعداد لها، والأجواء البروتوكولية التي رافقتها. وفي هذا السياق، يرى منتقدو الزيارة أنها انطلقت من موقع الطرف الأضعف الساعي إلى نيل الرضا الأميركي، أكثر مما عكست حضور دولة تتعامل بندية في الدفاع عن حقوقها ومصالحها، وهو ما فتح الباب أمام نقاش سياسي واسع حول دلالاتها ونتائجها، والملاحظات التي سُجلت على هامشها.

أولى تلك الملاحظات تتعلق بالمشهد البروتوكولي. فالاستقبال الذي حظي به الرئيس اللبناني عند وصوله إلى واشنطن بدا متواضعًا مقارنة بما اعتاده اللبنانيون في الزيارات الرسمية لرؤساء الدول. وقد يكون للبروتوكول الأميركي قواعده الخاصة، إلا أن الصورة في العلاقات الدولية ليست تفصيلًا؛ فهي تحمل رسائل سياسية لا تقل أهمية عن البيانات المشتركة. وعندما يغيب الحضور الرسمي الوازن في استقبال رئيس دولة، فمن الطبيعي أن يثير ذلك نقاشًا حول مستوى الاهتمام الأميركي بالزيارة.

ملاحظة أخرى سجّلت على الهامش، تعلّقت بتركيبة الوفد المرافق للرئيس. انتقد بعض المراقبين وجود عائلة الرئيس وحاشيته المقربة ضمن الطاقم على حساب غياب التمثيل الرسمي، إذ لم يكن موجودًا أي وزير، بمن فيهم  وزير الخارجية الذي عادة ما يُعنى بهذه الزيارات. وتزداد الانتقادات في هذا الإطار، في ظل الانطباع بأن الرئاسة اختزلت تمثيل الدولة بشخص الرئيس، فيما كان المطلوب إظهار صورة الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها، لا الاكتفاء بصورة فردية مهما كان موقع صاحبها. كذلك، أثارت تكاليف مشاركة أفراد من عائلة الرئيس في الزيارة نقاشًا عامًا. ومن حق اللبنانيين، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، أن يعرفوا طبيعة هذه المشاركة: هل كانت ضمن الوفد الرسمي؟ وهل تحملت الخزينة العامة أي نفقات مرتبطة بها؟.

بزي: "فضيحة مبكرة"

الباحث في الشؤون السياسية الدكتور وسيم بزي يتوقّف خلال قراءته للزيارة عند البعد البروتوكولي، لافتًا إلى نزول الرئيس عون وزوجته من الطائرة دون استقبال رسمي يوازي مستوى رئيس دولة، مع الإشارة إلى أن البروتوكول الأميركي يعتمد مستويات محددة لاستقبال المسؤولين في المطارات. لكنّ بزي يتوقف عند ما هو - برأيه- أخطر من الاستقبال في المطار، فيقول، إنّ ثمّة "فضيحة مبكرة" حصلت قبل الوصول إلى البيت الأبيض. الفضيحة تمثلت بتوجه رئيس الجمهورية إلى وزارة الخارجية الأميركية للقاء الوزير ماركو روبيو، في حين أن الأعراف الدبلوماسية، تقضي بأن يزور الوزير رئيس الدولة الضيف في مقر إقامته أو في الفندق الذي ينزل فيه، لا العكس، مؤكدًا أن ما حصل يشكل سابقة في تاريخ البروتوكولات والعلاقات بين الرؤساء.

والأكثر غرابة، برأي بزي، أن روبيو لم ينزل حتى إلى مدخل الوزارة لاستقبال رئيس الجمهورية، بل اكتفى، بإرسال سكرتيرة أو موظفة من مكتبه لاستقباله، رغم أن عون يمثل "كامل الكيان والسيادة اللبنانية".

ويرى بزي أن روبيو كان الشخصية الأساسية في كل المحطات التي مر بها لبنان منذ "اتفاق الإطار" حتى اليوم، ولذلك كان يفترض بالرئيس عون أن يسعى إلى انتزاع تعويض سياسي أو معنوي منه، بدل أن يقبل بهذا المستوى من التعاطي البروتوكولي.

وخلال "تقريشه" لأبعاد الزيارة التي لا نستطيع حتى الآن تحديد موقعها في سلّم البروتوكول، أو الجزم ما إذا كانت زيارة رسمية أم خاصة، يشدّد المتحدّث على أن البعض يحاول إحاطة الزيارة بأبعاد نوعية، حيث يُشار إلى أنّ زيارة عون إلى الولايات المتحدة، هي الأولى لرئيس لبناني منذ زيارة الرئيس ميشال سليمان إلى واشنطن في عهد الرئيس باراك أوباما عام 2009. كل هذه المقدمات وفق بزي هي محاولات لإضفاء طابع الانتصار اللبناني على الزيارة، ضمن سردية تسعى إلى رفع شأنها.

ويلفت بزي إلى أن لبنان دخل، منذ 9 كانون الثاني/يناير 2025، عهدًا جديدًا تسيّدت فيه الولايات المتحدة المشهد اللبناني عبر نظام وصاية جديد بدأ من رأس الهرم (انتخاب رئيس جمهورية)، ثم حكومة نواف سلام، وصولًا إلى إعادة هيكلة المؤسسات اللبنانية وتركيبها على وهج نظام الوصاية الأميركي، مبيِّنًا أن الزيارة تأتي في صلب مفاهيم هذه الوصاية المستجدة.

ويشير الباحث في الشؤون السياسية إلى أن الزيارة تأتي مباشرة بعد توقيع ما سُمّي بـ"اتفاق الإطار" اللبناني مع العدو، والذي مثّل فيه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، من خلال مذكرة وزارة الخارجية الأميركية الشهيرة، الوصي على إنتاج الاتفاق بالشكل والمحددات التي أُنجز بها. 

ويضيف بزي، أن ما يتكشف اليوم بشأن مسودة نيسان/أبريل الماضي يشكل فضيحة جديدة، إذ اضطر الرئيس جوزاف عون، تحت الضغط الأميركي ومن روبيو شخصيًا، إلى التخلي عن جميع العناوين السيادية الواردة في المسودة، لصالح الاتفاق بصيغته النهائية.

ويرى بزي، أن الزيارة العتيدة يُعوِّل عليها بعض الفرقاء الداخليين، شكلًا ومضمونًا، لتشكّل تعويضًا عن الارتماء في الحضن "الإسرائيلي"، وعن خروج الدور الوظيفي الذي جاءت به هذه السلطة وهذا العهد إلى العلن، بما يعني أن الولايات المتحدة دفعت المسؤولين اللبنانيين إلى التخلي عن محددات سيادتهم.

ويشير بزي إلى أن ميشال عيسى كان يتوقع أن يمنح ترامب شيئًا للرئيس عون خلال هذه الزيارة، ولا سيما بعد حملة الدفاع عن الاتفاق، والوفود التي توالت، والرهانات الكبيرة التي رافقته، مؤكدًا أنه كان يفترض أن تتمثل القيمة المضافة بإعادة المحددات السيادية التي كانت موجودة في المسودة ثم حُذفت، أو بتحقيق ما يتجاوز مسألة القرى الأربع المحررة وجزء من زوطر الغربية.

ويشير بزي إلى أنّه من الآن يمكن نعي أي نتائج واعدة لهذه الزيارة، كما يروج لها المقربون من الرئيس، لافتًا إلى أن الكنيست "الإسرائيلي" أعلن ــ قبل ثلاثة أيام ــ حل نفسه والذهاب إلى الانتخابات، الأمر الذي يجعل أي حديث عن تقديم رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، حتى للرئيس ترامب، أي خطوة تتعلق بلبنان، أمرًا غير واقعي.

ويردف: "إذا كانت لقاءات الرئيس الأميركي مع رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي تشكل نموذجًا، فإن على الرئيس عون أن يتحسب لإحراج مماثل، كالذي تعرض له الزيدي عندما قال له ترامب: "أنا قتلت لك المهندس"، أو لمفاجآت من نوع الدعوة إلى التعاون مع رئيس السلطة السورية أحمد الشرع للتخلص من "مكوّن وطني لبناني أساسي يحمي بلده ويرفع رأسه في وجه العدوان، وهو حزب الله"، سائلًا عما إذا كان الرئيس قد استعد لمثل هذه المفاجآت، خاصة أن هناك سوابق لترامب مع عدد من الرؤساء، من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى علي الزيدي وغيرهما.

ويضيف بزي أن اللبنانيين جميعًا ينتظرون، بترقب، معرفة ما الذي سيقدمه ترامب لصديقه عون، في هذه الزيارة التي يصفها بأنها غريبة من حيث الإعداد والإخراج، معربًا عن أمله في ألا تكون نتائجها مخيبة.

ويختم المتحدث بالإشارة إلى أن لبنان تخلى عن فرنسا، التي يصفها بـ"الأم الحنون"، بعدما استسلم لإخراجها من الآلية والمسار الدبلوماسي المتصل بالجنوب، كما تخلى عن الأمم المتحدة بعدما غابت القرارات الدولية ذات الصلة عن الاتفاق الجاري الترويج له، وتخلى أيضًا عن كثير من محبيه وحاضنيه خدمةً لـ"الأم الحنون الجديدة"، أي الولايات المتحدة، وربيبتها "إسرائيل"، مؤكدًا أن لبنان يعيش واقعًا بالغ الصعوبة ومحزنًا في هذه المرحلة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة