نقاط على الحروف
دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال
يكاد لا يمر خطاب لرئيس الجمهورية جوزاف عون دون أن يترك وراءه موجة من الجدل والانتقاد. فكثرة التصريحات وتعدّد المقاربات باتا سمة ملازمة لأدائه السياسي. ومنذ تولّيه رئاسة الجمهورية في كانون الثاني 2025، لم يتوقّف عون عن إطلاق المواقف والتعهّدات والخطابات، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا تحقّق على أرض الواقع؟ لتأتي الإجابة، من وجهة نظر متابعين، ودون التباس: لا شيء، بل على العكس. بتنا أمام معادلة واضحة: مزيد من الخنوع والتنازل أمام العدو أوصلا إلى مزيد من "الفرعنة" الإسرائيلية، التي بدورها أدّت إلى المزيد من التهجير والتدمير والقتل. ما يعني حُكمًا أنّ كلّ ما قُدّم من تنازلات لم ينجح في تحقيق الغاية المعلنة منه، أي حماية لبنان ووقف الاعتداءات، بل بدا أنّه أسهم في تكريس واقع أكثر قسوة وخطورة على اللبنانيين.
ولعلّ أحدث وجوه هذه المقاربة ظهر في خطاب عون الأخير حول العلاقة مع "إسرائيل". رئيس الجمهورية اللبنانية يقول إنّ "أفضل حل للمشاكل الموجودة يقوم على الدبلوماسية". هذه المقولة أشبعت تكرارًا على لسانه، ولكنْ ثمّة سيل من الأسئلة يُطرح: ماذا حقّقت الدبلوماسية لعون؟ هل أوقفت الحرب؟ هل أوقفت تدمير البيوت؟ هل انسحب بموجبها الاحتلال؟. ولا يكتفي عون في هذا الإطار بالتعويل على الدبلوماسية، بل يرتقي درجة في الخطاب ــ الذي ألمح إليه سابقًاــ ليقول :" نحن دعاة سلام ومصممون على إنهاء حالة العداء مع "إسرائيل"، وعلى أفضل العلاقات مع الجوار". وهنا بيت القصيد؛ يقول فخامته: نحن. من أنتم؟، هل يتحدث رئيس الجمهورية هنا باسم الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها ومكوّناتها وقواها السياسية والشعبية؟ أم أننا أمام توصيف سياسي لموقف العهد ورؤيته للعلاقة مع "إسرائيل"؟
المسألة هنا ليست في أن يتحدث رئيس الجمهورية باسم الدولة؛ فهذه وظيفته في السياسة الخارجية، بل في أن يعلن باسمها هدفًا يتجاوز وقف الحرب إلى إنهاء حالة العداء. وإذا كان العهد يملك الحق في التفاوض باسم الدولة، فإن الشعب يملك الحق في مساءلة هذا المسار ونتائجه وحدوده، وفي رفض أن تتحول المفاوضات المرفوضة أصلًا، من حيث لا يُعلَن، من شماعة لتحصيل الحقوق اللبنانية إلى مدخل لإعادة تعريف ما يُسميها البعض "العلاقة" مع عدوٍّ تاريخي.
وإذا كان رئيس الجمهورية يستند في مقاربته الحالية إلى ما يسميه مفهوم الدولة وسيادتها، فإنّ العودة إلى المرجعية الدستورية نفسها تفرض التوقف عند ما أقرّه اتفاق الطائف الذي انبثق منه الدستور اللبناني الحالي. فوثيقة الوفاق الوطني لم تتعامل مع "إسرائيل" بوصفها مجرّد "طرف" في حالة "عداء" مع لبنان، بل أفردت بندًا كاملًا بعنوان "تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي". ونصّت كذلك على العمل لتنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن القاضية بإزالة الاحتلال "الإسرائيلي". وبالتالي، فإن المرجعية الدستورية ــ السياسية التي تستند إليها الدولة اللبنانية منذ إقرار الطائف تقوم على توصيف واضح لوجود احتلال "إسرائيلي" لأراضٍ لبنانية، وعلى أولوية تحرير هذه الأراضي واستعادة سيادة الدولة عليها.
ولا يقتصر الأمر على وثيقة الوفاق الوطني، بل إنّ هذا الموقف انعكس، على مدى عقود، في البيانات الوزارية المتعاقبة التي شكّلت التعبير السياسي الرسمي للحكومات اللبنانية تجاه الاحتلال "الإسرائيلي". فمنذ عام 2005، تضمّنت البيانات الوزارية، بصيغ مختلفة، إقرارًا بحق لبنان في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضه، فيما كرّست بيانات لاحقة، ولا سيما عامي 2008 و2009، معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" وحق لبنان في تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من الغجر والدفاع عن نفسه "بالوسائل المشروعة والمتاحة كافة". وحتى بعد تبدّل الصيغ السياسية، حافظت بيانات حكومات 2019 و2020 و2021 على الإقرار بحق المواطنين اللبنانيين في مقاومة الاحتلال "الإسرائيلي" أو الدفاع عن لبنان وتحرير الأراضي المحتلة.
ولا شك أنّ ثمة فارقًا بين أن يقول عون إن الدولة اللبنانية تريد وقف الحرب وحماية سيادتها واستعادة أراضيها، وبين أن يعلن أنّ "نحن" مصممون على "إنهاء حالة العداء" مع "إسرائيل". فالعبارة الثانية لا تتعلق بصد عدوان قائم، بل توحي بمرحلة سياسية أبعد: إنهاء حالة العداء، ثم الانتقال إلى "أفضل العلاقات مع الجوار". وفي هذا السياق، لا تكمن المشكلة في اعتماد الدبلوماسية (رغم تحفظاتنا الكثيرة ورفضنا للتفاوض المباشر مع العدو) وسيلة لمعالجة الأزمات، بل في اللغة التي اختار عون استخدامها في توصيف ما يُسميها العلاقة مع "إسرائيل".
فحين يتحدث رئيس الجمهورية عن "إنهاء حالة العداء" على وقع استمرار الاعتداءات "الإسرائيلية" على لبنان، يصبح السؤال مشروعًا حول معنى هذا الطرح وحدوده: هل المطلوب إنهاء حالة العداء من خلال انسحاب "إسرائيل" ووقف اعتداءاتها واحترام سيادة لبنان، أم المطلوب من لبنان الانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقة واتفاقات عار جديدة وتنازلات دون تحصيل الحد الأدنى من الحقوق؟.
وفي هذا السياق، ثمّة تجربة خاضها العهد الحالي في العديد من المحطات، من بدء التفاوض المباشر مع العدو ورفع مستوى التمثيل إلى المستوى السياسي، مرورًا باتفاق الإطار، وليس انتهاءً باستمرار جلسات التفاوض مع عدوٍّ لم تزده الدبلوماسية، وفق ما تظهره الوقائع، إلا تمسّكًا بشروطه ومزيدًا من الاعتداءات والضغوط. فماذا كانت الحصيلة؟ هل أوقفت المفاوضات العدوان؟ هل ألزمت "إسرائيل" بالانسحاب؟ هل منعت استمرار الاحتلال والانتهاكات؟ أم أن لبنان، في كل محطة تفاوضية جديدة، يجد نفسه أمام سقف "إسرائيلي" أعلى وشروط أكثر قسوة؟.
واللافت أيضًا أن عون لا يتحدث فقط عن "إيقاف حالة العداء"، بل عن "أفضل العلاقات مع الجوار". وهذه عبارة تحمل دلالة سياسية تتجاوز مجرد السعي إلى وقف الحرب؛ لأنها تنقل الخطاب من معالجة عدوان قائم إلى التطلع لعلاقة مستقبلية فيها ما فيها من التقارب والانفتاح مع "إسرائيل" الوحشية. وهنا، من حقنا أن نسأل: عن أيّ "جوار" يتحدث عون؟ هل "إسرائيل" واحدة من هذا الجوار؟ وإذا كان هذا هو المقصود، فهل يمكن التعامل مع "إسرائيل" كأنها "دولة" جوار عادية، بمعزل عن تاريخها الطويل من العدوان على لبنان والمنطقة؟. فلبنان لم يعرف "إسرائيل" بوصفها "دولة جوار" طبيعية. منذ قيامها، عرفها كيانًا محتلًا، حيث شهد الجنوب اللبناني سلسلة اعتداءات واجتياحات واحتلالات، وصولًا إلى اجتياح عام 1978، ثم الاجتياح الواسع عام 1982 الذي وصل إلى بيروت، واستمرار احتلال أجزاء من الجنوب حتى عام 2000. وبين هذه المحطات، لم يتوقف العداء "الإسرائيلي"، من الاعتداءات والقصف المتكرر إلى حرب تموز 2006، وصولًا إلى الاعتداءات التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة. ولا يقتصر الأمر على لبنان؛ فالتاريخ "الإسرائيلي" في المنطقة حافل بالحروب والاحتلالات والاعتداءات، ولعل فلسطين، شاهد حي على الإجرام "الإسرائيلي".
أمام ما سبق، يبقى السؤال الأهم: إلى أين يريد العهد أن يصل بمساره الحالي؟ فالدبلوماسية، في الأصل، وسيلة وليست غاية. وإذا كانت الغاية هي وقف العدوان واستعادة الأرض وحماية السيادة، فكل جولة تفاوض يجب أن تُقاس بما انتزعه لبنان من حقوق، لا بما قدّمه من تنازلات. أما إذا كان المسار يتجاوز ذلك نحو إعادة صياغة ما يُسميها البعض "العلاق"ة مع "إسرائيل"، وصولًا إلى "إنهاء حالة العداء" و"أفضل العلاقات مع الجوار"، فهذه ليست مجرد تفاصيل تفاوضية، بل خيارات سياسية كبرى تستوجب نقاشًا وطنيًا واضحًا، لا أن تُمرَّر تدريجيًا عبر الخطاب والمفاوضات. هي خيارات سياسية لن يكتب لها الشعب اللبناني المقاوم والمضحّي الحياة مع عدوٍّ يشهد تاريخه على عقود من الاحتلال والعدوان والمجازر والتهجير. فالشعوب لا تنسى تاريخها، ولا يمكن اختزال عقود من الدم والاحتلال والاعتداءات في لغة دبلوماسية ناعمة أو في اتفاقات تُوقَّع على الورق.
وعليه، فإنّ الانتقال من استخدام تعبير "الاحتلال الإسرائيلي" و"مقاومة الاحتلال" في الخطاب الرسمي اللبناني إلى الحديث عن "إنهاء حالة العداء" مع "إسرائيل" لا يبدو مجرد تبديل لغوي، بل يفتح نقاشًا حول طبيعة التحوّل الذي يطرأ على توصيف الدولة اللبنانية لـ"الصراع" مع كيان العدو في عهد جوزاف عون: فهل نحن أمام إعادة صياغة للمصطلحات السياسية، أم أمام تبدّل أعمق في مقاربة ما يُسميها البعض بـ"علاقة" لبنان بـ"إسرائيل"؟ وهل يملك عون الحق بإرساء هذه المقاربة؟. الجواب: بالتأكيد، لا وألف لا.