اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي ديون الحرب تخنق الشركات العسكرية "الإسرائيلية"

مقالات

كيف يُعيد الميدان رسم خارطة القوة في المنطقة؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

كيف يُعيد الميدان رسم خارطة القوة في المنطقة؟

225

في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى التمسك بالوحدة الوطنية، تواصل السلطة اللبنانية الإيغال في دماء اللبنانيين عبر المراهنة على أمراء الخليج والولايات المتحدة و"إسرائيل"، متجاهلةً  كافة المواثيق والتوافقات الوطنية التي اتضح أنها لم تكن سوى ترتيبات مؤقتة بانتظار اللحظة المناسبة لإعادة صياغة النهج السياسي وتغيير البوصلة لتتجه نحو العدو بدلاً من الصديق. ولا يجد أصحاب هذا النهج حرجاً في جعل العدو صديقاً، في مقابل تحويل أكثر من نصف الشعب اللبناني إلى عدو.

وفي الوقت الذي تعاني فيه "إسرائيل" من خسائرها الميدانية في الجنوب اللبناني، وفقاً لما تنقله وسائل الإعلام العبرية والأميركية والفرنسية، يتضح أن المشهد الإقليمي قد تجاوز حدود المناوشات العابرة ليتحول إلى زلزال استراتيجي يعيد رسم خرائط النفوذ ويضع القوى التقليدية أمام اختبار وجودي لم يكن في الحسبان.

إن التخبط الذي تعيشه إدارة الرئيس دونالد ترامب في مساعيها لإنهاء حرب إيران يعكس عجز القوة العظمى عن فرض إرادتها في منطقة قررت التمرد على النص الأميركي المعتاد. فالصفقات التي رُوّج لها كحلول سحرية باتت أعباء سياسية تكبل يد ترامب وتضعه في مواجهة مباشرة مع تيارات التشدد في الداخل، وهو المأزق الذي أكده المعلق ماكس بوت في "واشنطن بوست" بتاريخ 9 حزيران/يونيو 2026، موضحاً أن ترامب يواجه فاتورة باهظة لحرب ما كان ينبغي إشعال شرارتها، حيث تبدو كل خيارات التسوية مع طهران أكثر سوءاً من سابقتها، وتفتح عليه أبواب الانتقاد من حلفائه الرافضين لأي تنازلات.

وعلى الجانب الآخر، يبدو المأزق "الإسرائيلي" أكثر عمقاً ووطأة. إذ أشارت صحيفة "لوموند" الفرنسية في عددها الصادر بتاريخ 9 حزيران/يونيو 2026 إلى حالة الهستيريا التي تسيطر على النخبة السياسية والإعلامية في "تل أبيب"، ناقلةً عن المراسل العسكري لصحيفة "معاريف" آفي أشكنازي تعبيره عن الغضب العارم من سياسة الاحتواء والإملاءات الأميركية، محذراً من أن إيران أثبتت أنها ليست مردوعة، وأن التردد "الإسرائيلي" سيجعل من الدولة العبرية طرفاً هامشياً في المنطقة.

هذا القلق الوجودي يجد مبرراته في الخسائر العسكرية الفادحة في جبهة جنوب لبنان، حيث أقر جيش الاحتلال "الإسرائيلي"، منذ تجدد القتال مطلع آذار/مارس الماضي وحتى أوائل حزيران/يونيو 2026، بمقتل 26 ضابطاً وجندياً وإصابة 1180 آخرين، في حصيلة تجسد حجم الاستنزاف الذي يواجهه جنود النخبة في ألوية غولاني وإيغوز وماغلان تحت ضربات كمائن المقاومة. وتؤكد التقارير الصحفية العبرية، مثل "معاريف" و"واي نت" في 9 حزيران/يونيو 2026، أن "تل أبيب" باتت تدرك نجاح طهران في فرض قواعد لعبة جديدة، ما جعل المعارضة "الإسرائيلية"، رغم خلافاتها مع نتنياهو، تغرق في المأزق نفسه، حيث لا تملك سوى التهديد بخيار عسكري شامل يعلم الجميع في الغرف المغلقة أنه قد يؤدي إلى انتحار جماعي في ظل التوازنات الجديدة التي فرضتها الصواريخ والمسيرات الإيرانية.

إن التساؤل الجوهري اليوم يتجاوز مصير نتنياهو السياسي ليصل إلى صميم العقد الاجتماعي والأمني لـ"إسرائيل". فالميدان في جنوب لبنان، من خلال عمليات نوعية تستنزف أرواح الضباط والجنود، جعل الرهان على الغطاء الأميركي أمراً غير مضمون، ما يضع "تل أبيب" أمام لحظة عزلة استراتيجية تاريخية تتقلص فيها خياراتها بين القبول بوقائع إيرانية جديدة على حدودها أو الإقدام على مغامرة عسكرية قد تقلب موازين المنطقة.

وفي نهاية المطاف، تبدو الصورة أكثر قتامة مما يروج له الإعلام السياسي. فواشنطن تحاول شراء الوقت بالصفقات المالية، و"تل أبيب" تسعى إلى ترميم الردع بمزيد من القوة في جنوب لبنان، بينما تواصل طهران فرض معادلاتها مستثمرةً التناقضات بين الحلفاء.

وما نشهده فعلياً هو بداية نهاية عصر الهيمنة، عصر لن تُكتب فصوله في البيت الأبيض أو الكنيست، بل في الميدان الذي تحول فيه النفط من مجرد سلعة إلى أداة سياسية تغير وجه العالم، لتضع الجميع أمام حقيقة قاسية، وهي أن الحرب التي انطلقت بناءً على حسابات واهمة لن تفضي إلا إلى مزيد من المآسي لكل من ظن أن القوة هي الحل الوحيد للمتغيرات التاريخية الكبرى.

الكلمات المفتاحية
مشاركة