اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي قطاع غزة.. هدوء هشّ وسط تحليق مُسيّرات العدو وارتفاع حصيلة الشهداء

إيران

الصحف الإيرانية: ترامب يُصاب بالهذيان
🎧 إستمع للمقال
إيران

الصحف الإيرانية: ترامب يُصاب بالهذيان

68

اهتمت الصحف الإيرانية، اليوم الخميس (11 حزيران 2026)، ببناء السردية المنفصلة عمّا يروّج له إعلاميًّا من تصاعد النفوذ الأميركي في الضربات الأخيرة، فأعادت الصحف بيان الرد الإيراني الذي حصل منذ يومين، أبعاده المهمة، وكونه يدخل ضمن استراتيجية مستمرة للقوات الإيرانية في تدمير الوجود الأميركي الإقليمي في المنطقة.

ترامب يُصاب بالهذيان

كتبت صحيفة كيهان: "حطمت الضربة الصاروخية المتزامنة للصواريخ الباليستية التابعة للحرس الثوري الإيراني وطائرات الجيش المُسيّرة فوق 25 هدفًا أميركيًّا رئيسيًّا جميع حسابات البنتاغون. وقد أدخلت هذه الضربة التاريخية دونالد ترامب في حال من الهذيان. في صباح الأربعاء (10 حزيران)، أطلقت الحماقة الاستراتيجية لحكام البيت الأبيض مرةً أخرى العنان لقوة القوات المسلحة لقلب موازين الإرهاب على رؤوس الإرهابيين الأميركيين وحصصهم الإقليمية في أقصر وقتٍ ممكن. واهتزت سماء الساحل الجنوبي لإيران، من قشم وجاسك إلى سيريك وميناب، صباح الأربعاء، بهدير الطائرات المقاتلة والانفجارات المتتالية. وقوبل العدوان الصريح الذي شنه الجيش الإرهابي للولايات المتحدة، والذي وقع تحت ذريعةٍ كاذبةٍ لإسقاط مروحية أباتشي، بردٍّ سريعٍ ومتكاملٍ ومتعددِ المستويات من القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب المقامر إلى إطلاق تصريحاتٍ متضاربةٍ ومجنونةٍ في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي".

تتابع الصحيفة: "أثبت العقاب القاسي والمؤسف للعدو المعتدي أن عهد الضرب والفرار قد ولّى منذ زمن، وأن أي عدوان على أرض إيران سيُقابل بوابلٍ من الصواريخ الباليستية والطائرات الانتحارية المُسيّرة في قلب معاقل هذا الشيطان... بعد نجاح العملية التي نفذتها البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني بضرب 21 هدفًا في قواعد جوية وبحرية أميركية بالمنطقة، وإسقاط طائرة مُسيّرة من طراز MQ9 في سماء مدينة جم، ونظرًا إلى استمرار أعمال العدو الشريرة في استكمال العملية الانتقامية، استهدفت القوات الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني 4 أهدافٍ مهمةٍ فدمرتها، من بينها حظائر طائراتٍ مقاتلةٍ من طراز F35 في القاعدة الجوية ومركز القيادة والسيطرة التابع للجيش الأميركي في الأزرق في الأردن، بصواريخها بعيدة المدى التي تعمل بالوقود الصلب. في وقتٍ سابق، في الساعة 2:30 صباحًا، شنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني هجومًا بطائرةٍ مُسيّرةٍ على الأسطول الخامس في البحرين وقاعدة علي السالم في الكويت".

تؤكد الصحيفة أن هذا الصراع قد كشف المحدود والقصير في عدة طبقاتٍ استراتيجيةٍ عميقةٍ ستعيد تعريف معادلات الأمن. في تحليل الطبقة الأولى، تجدر الإشارة إلى سوء تقدير ترامب وترويجه لعقيدة الردع الإيرانية. ظن، بروحه العملية والمغامِرة والعدوانية، أنه بضربةٍ محدودةٍ على خزانات المياه قبالة الساحل الجنوبي لإيران، سيتمكن من إظهار قوته العظمى وفرض إرادته، لكن رد إيران المتدرج والمتزامن والمتسق والحازم أظهر أن عقيدتها العسكرية قد انتقلت تمامًا من مرحلة الصبر الاستراتيجي إلى مرحلة الرد الفوري والمتعدد الأطراف والمدمر. وأثبت إطلاق النار على قلب قاعدتي موفق السلطي والأزرق في الأردن وتدمير مقر الأسطول الخامس في البحرين، أن ترسانة إيران من الأهداف جاهزةٌ للعمل ومحدثةٌ باستمرار. في سياقٍ متصل، شهدنا تجلي دبلوماسية طهران الصاروخية ولغتها الثانية، حيث تشكل خلال هذه المعركة تضامنٌ غير مسبوقٍ بين الميدان والدبلوماسية".

كما بينت الصحيفة أن :"من النتائج الاستراتيجية الأخرى انهيار مظلة الدعم الأميركية لحلفائها الإقليميين؛ إذ وجّه إطلاق صفارات الإنذار في البحرين والكويت والأردن والضربة الصاروخية المباشرة على حظائر طائرات إف-35 في الأردن رسالةً واضحةً إلى الدول المضيفة للقواعد الأميركية مفادها أن أراضيكم ستكون ضحيةً لمغامرات واشنطن. كما يشير رفع مستوى التأهب إلى أعلى مستوياته في قواعد الإمارات وقطر إلى صدمةٍ عميقةٍ لشبكة الدفاع التابعة للقيادة المركزية الأميركية، لأن صواريخ إيران التي تعمل بالوقود الصلب أثبتت أن البعد الجغرافي لم يعد ضمانةً للأمان.. التطورات الأخيرة، وما شهدته من انتهاكاتٍ وتضليلاتٍ من جانب الجبهة المتعجرفة التي تقودها واشنطن، تُعدّ تذكيرًا تاريخيًّا بالغ الأهمية لأجهزتنا الدبلوماسية والعسكرية؛ فإلى حين حسم الحرب نهائيًّا، والثأر لدم الإمام الشهيد، وتلقي التعويضات كاملةً، ورفع التهديدات والعقوبات بشكلٍ كاملٍ، يجب ألّا يُرخى الحصار الكامل لمضيق هرمز تحت أي ظرفٍ من الظروف. لا يجب فقط أن نتخلى عن قبضة عدونا المقامر القوية في مضيق هرمز، بل يجب علينا أيضًا كسر الحصار البحري بأساليب ذكيةٍ ومنسقةٍ وغيرِ متكافئةٍ".

في ختام افتتاحيتها، قالت الصحيفة:" والآن، بعد أن بات الجانب الأميركي ينتهك وقف إطلاق النار في لبنان والخليج يوميًّا، وفقدت المفاوضات جدواها عمليًّا، فإن الخطوة المنطقية والثورية التالية تتجاوز الخليج؛ فإلى جانب الحصار الكامل لمضيق هرمز، يجب أيضًا إغلاق مضيق باب المندب الاستراتيجي إغلاقًا تامًّا. في العام الماضي، وبعد شهرٍ من القتال العنيف مع جبهة المقاومة اليمنية، شُلّ العدو المنتقم تمامًا بسبب وقوعه في حصار باب المندب، واضطر إلى التراجع بشكلٍ مخزٍ. تقف المنطقة اليوم على حافة برميل بارود؛ فإذا ما ردّ ترامب، متأثرًا بغروره السياسي الأحمق، بالانتقام مجددًا، كما حذّرت قيادة خاتم الأنبياء بوضوح، فإن ضفة أهداف إيران القادمة، والتي تشمل منشآتٍ نفطيةً، والاقتصاد، وشرايين العالم الحيوية، ستُشعل فيها النيران."

فك شيفرة إرهاب روبيو

كتبت صحيفة وطن أمروز: "في إحدى تصريحاته الأخيرة، حذر وزير الخارجية الأميركي من نفوذ الصين في نصف الكرة الغربي، معدا إياه عقبةً رئيسةً أمام التطورات العالمية (من وجهة نظر المسؤولين الأميركيين). مع أن النهج السلبي الذي تتبعه واشنطن تجاه بكين وتنامي نفوذ أقطابٍ جديدةٍ في مجال العلاقات الدولية، ليس بالأمر الجديد، إلّا أن التعبير عن هذه المسألة في صورة تحذيرٍ واضحٍ من رئيس الجهاز الدبلوماسي الأميركي الحالي جديرٌ بالاهتمام. بعبارةٍ أدق، تُعدّ مواقف ماركو روبيو الأخيرة مؤشرًا على شعور صانعي السياسات في البيت الأبيض، وغيرهم من أصحاب النفوذ، سواءً كانوا ظاهرين أم خفيين، بخطرٍ وشيكٍ وملموسٍ. وسواءً رغب المسؤولون الأميركيون في ذلك أم لا، فإنهم يشهدون تحولًا، بل وفي بعض الحالات تحولًا جذريًّا، للنظام الغربي في العالم. هذا النظام المزعوم، الذي بدا عبثيًّا، كان معروفًا في إطار النظام أحادي القطب بعد نهاية الحرب الباردة. في ذلك الوقت، أدت الولايات المتحدة، بوصفها القوة المهيمنة، دورًا حاسمًا في المعادلات السياسية والأمنية والاقتصادية العالمية، وكان يُنظر تقليديًّا إلى نصف الكرة الغربي، من أميركا اللاتينية إلى منطقة البحر الكاريبي، على أنه مجال النفوذ المباشر لواشنطن. إلّا أنه اليوم، ومع تزايد حضور وتأثير الفاعلين غير الغربيين في هذه المنطقة الجغرافية نفسها، تبرز بوضوح دلائل انهيار النظام الأحادي القطب وتشكيل ترتيبٍ جديدٍ للقوى. لقد أدى النمو الاقتصادي والتكنولوجي للقوى الصاعدة، وتوسع الشبكات المالية والتجارية خارج النطاق الغربي، وتزايد الاستقلال الاستراتيجي للعديد من الدول، إلى مواجهة نموذج صنع القرار الاستراتيجي لواشنطن تحدياتٍ هيكليةً وتشغيليةً كبيرةً. كما أن ازدياد التفاعلات الاقتصادية بين دول أميركا اللاتينية والقوى الآسيوية، وتطور التعاون التكنولوجي والطاقة، وتنوع الشركاء الاستراتيجيين، كلها تشير إلى تغيرٍ في موازين القوى".

تتابع الصحيفة :"ي عد أصل نصف الكرة الغربي بمثابة الفناء الخلفي للولايات المتحدة إلى مبدأ مونرو الذي تبناه الرئيس الأميركي الأسبق جيمس مونرو، إلّا أنه في السنوات الأخيرة، دخلت جهاتٌ فاعلةٌ غيرُ غربيةٍ هذا المجال بنهجٍ اقتصاديٍّ وبنيويٍّ وتكنولوجيٍّ. يُظهر الاستثمار في مشاريع الموانئ والطاقة والتعدين والنقل والتكنولوجيا الرقمية في دول أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي أن هذه المنطقة لم تعد حكرًا على الولايات المتحدة، بل أصبحت ساحةً لمنافسةٍ متعددةِ المستويات بين مختلف الجهات الفاعلة. وقد كانت واشنطن في نهاية المطاف الخاسر في العديد من هذه المنافسات المعقدة والمتعددة المستويات. ومن العوامل الرئيسية في تغيير النظام العالمي توسع اقتصاد الشبكات وسلاسل القيمة العابرة للحدود. في ظل هذا الهيكل، تسعى الدول إلى تقليل اعتمادها على قطبٍ واحدٍ وتنويع علاقاتها الاقتصادية. حاولت العديد من دول أميركا اللاتينية في السنوات الأخيرة توسيع نطاق مناورتها الاستراتيجية من خلال تطوير علاقاتٍ تجاريةٍ واستثماريةٍ مع القوى الآسيوية وغيرها من الجهات الفاعلة غير الغربية. أدى هذا التوجه إلى تراجعٍ حادٍّ في الاحتكار الجيواقتصادي للقوة الأميركية، ومهد الطريق لتشكيل نظامٍ متعددِ المراكز".

تؤكد الصحيفة أنه :"لا يمكن تحليل وتقييم تراجع النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي من منظورٍ اقتصاديٍّ بحتٍ، بل يجب أيضًا مراعاة تبعاته الجيوسياسية. فعندما تُقيم دولةٌ ما تعاونًا واسع النطاق مع جهةٍ غيرِ غربيةٍ في مجال البنية التحتية الحيوية أو الاتصالات أو الطاقة، ينعكس هذا التعاون بطبيعة الحال على المعادلات الأمنية والسياسية. ونتيجةً لذلك، تحوّل نصف الكرة الغربي من فضاءٍ متجانسٍ نسبيًّا إلى بيئةٍ متعددةِ الأطراف ذات روابط دولية متنوعة. في ظل النظام الأحادي القطب، كان أمن نصف الكرة الغربي يُحدد أساسًا من منظور المصالح الأميركية، أما اليوم، ومع تنوع الجهات الفاعلة والمصالح، يُعاد تعريف مفهوم الأمن وتطبيقاته في هذه المنطقة الجغرافية والاستراتيجية. في مثل هذه الظروف، لا يمكن لإصرار أميركا على إحياء مبدأ مونرو، أو حتى ابتكار رئيسها المتهور والمتخبط لمبدأٍ مختلطٍ وغيرِ متوازنٍ، أن يمهد الطريق لإحياء نفوذ واشنطن شبه الميت في نصف الكرة الغربي. ما أثار قلق ترامب وروبيو بشدة هو عجزهما عن منع نشوء علاقاتٍ جديدةٍ في أميركا اللاتينية والنظام الدولي".

تختم الصحيفة مقالها بالقول:"لقد أصبح التحول من الغرب نموذجًا خطابيًّا استراتيجيًّا في منطقة الكاريبي وأميركا اللاتينية. تتفق التيارات المعارضة للإمبريالية، رغم التغيرات الجيلية التي شهدتها دول مثل كوبا وفنزويلا وبوليفيا والإكوادور والبرازيل وبيرو وكولومبيا وغيرها، على المبادئ والقواعد التي وضعها قادةٌ مثل فيدل كاسترو وهوغو تشافيز وتشي غيفارا وسيمون بوليفار. وحتى مع ظهور حكوماتٍ ذاتِ توجهٍ غربيٍّ في أميركا اللاتينية، والتي هي نتاج التدخل السياسي الأميركي، فإن هذه العملية لم تتوقف، بل لا تزال مستمرةً في أعماق مجتمعات أميركا الوسطى والجنوبية. الوضع دالٌّ على ذلك: فقد تضاءلت جهود أميركا لمنع دول نصف الكرة الغربي من ممارسة حرية الاختيار، ولم تترك هذه الحرية مجالًا لتدخل واشنطن السام في هذه المنطقة الاستراتيجية. لذا، لا يمكن اعتبار المخاوف التي أبداها وزير الخارجية بشأن الحكومة الأميركية الإرهابية متأثرةً بمخاوف قصيرةِ الأجل أو مؤقتةٍ لدى مراكز الأبحاث وصناع القرار في مجال السياسة الخارجية لهذا البلد. إن حجم الكارثة في نصف الكرة الغربي بالنسبة لواشنطن يفوق بكثير تصورات السياسيين الأميركيين."

إيران على أعتاب نظامٍ إقليميٍّ جديد

كتبت صحيفة مردم سالاري: "لم تكن التطورات التي شهدتها غرب آسيا، في السنوات الأخيرة، والمواجهات غير المسبوقة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، مجرد سلسلةٍ من الأحداث العسكرية أو الأمنية، بل كانت نقطة تحولٍ في إعادة تعريف موازين القوى في المنطقة، بل وفي جزءٍ من النظام الدولي. والآن، ونحن نتحدث عن المفاوضات وخفض التوترات وإمكانية تشكيل ترتيباتٍ أمنيةٍ جديدةٍ في المنطقة، لم يعد السؤال الرئيسي هو من ربح أو خسر معركةً تكتيكيةً، بل القضية الأساسية هي أي طرفٍ تمكن من ترسيخ موقعه في المعادلات المستقبلية، ودخول حقبة ما بعد الحرب وما بعد التوتر بكامل قوته. في غضون ذلك، تجد الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها في وضعٍ يُقيّمه العديد من المحللين بشكلٍ مختلفٍ عن الماضي. فالدولة التي واجهت عقوباتٍ اقتصاديةً واسعةَ النطاق، وضغوطًا سياسيةً، وحروبًا بالوكالة، وعملياتٍ أمنيةً، وتهديداتٍ عسكريةً متكررةً على مدى العقود الأربعة الماضية، لم تُستبعد من المعادلات الإقليمية، بل أصبحت أيضًا أحد الأطراف الرئيسية في أي نظامٍ أمنيٍّ جديدٍ في غرب آسيا".

تتابع الصحيفة: "اليوم، لا يمكن تنفيذ أي خطةٍ أمنيةٍ أو اقتصاديةٍ أو سياسيةٍ في المنطقة من دون مراعاة دور إيران ومكانتها، وهذا بحد ذاته مؤشرٌ على تحسن موقعها الجيوسياسي مقارنةً بالعقود الماضية. أحد أهم أسباب هذا الموقع هو مزيجٌ فريدٌ من العوامل الجغرافية والعسكرية والاستراتيجية. تقع إيران في قلب إحدى أكثر مناطق الطاقة حساسيةً في العالم، وتسيطر على مضيق هرمز، أهم ممرٍّ لعبور الطاقة في العالم. لا تكمن أهمية هذا الموقع في قدرتها المحتملة على التأثير في مسارات الطاقة فحسب، بل أيضًا في أن استقرار سوق النفط والغاز العالمي غير ممكنٍ دون مراعاة أمن إيران ودورها. دفع هذا حتى القوى العالمية الكبرى إلى أخذ وزن إيران ونفوذها في الحسبان عند حساباتها الاستراتيجية. إضافةً إلى هذه الميزة الجيوسياسية، لعب تطوير إيران لقدراتها الدفاعية الرادعة في العقود الأخيرة دورًا حاسمًا في تغيير موازين القوى. لقد شكّلت صناعة الصواريخ، وقدرات الطائرات المُسيّرة، وقدرات الحرب الإلكترونية، وشبكة الدفاع متعددة الطبقات، والمعرفة النووية، مجموعةً من القدرات التي رفعت تكلفة أي عملٍ عسكريٍّ واسعِ النطاق ضد إيران إلى مستوياتٍ غيرِ مسبوقةٍ. في الواقع، كان أهم إنجازٍ لهذه العملية هو خلق رادعٍ فعّالٍ؛ رادعٌ جعل الخيار العسكري ضد إيران، على عكس الماضي، مرتبطًا بتعقيدٍ وتكلفةٍ كبيرين".

تبين الصحيفة أنه :" في هذا السياق، لا يُنظر إلى البرنامج النووي الإيراني على أنه مجرد مشروعٍ علميٍّ أو تقنيٍّ، بل أصبح رمزًا لقوة البلاد الوطنية وقدرتها الذاتية على تجاوز الضغوط الدولية. بصرف النظر عن اختلاف وجهات النظر حول مختلف جوانب هذا البرنامج، فإن الحفاظ على المعرفة النووية وتطويرها في ظل أشد العقوبات قد قدّم صورةً لقوة إيران العلمية والصناعية لا يمكن تجاهلها في معادلات القوة العالمية. لكن ربما يكمن أهم عنصرٍ في قوة إيران ليس في صواريخها أو منشآتها النووية أو موقعها الجيوسياسي، بل في عنصر المرونة الوطنية. لقد أظهرت تجربة العقود الماضية أن المجتمع الإيراني لديه قدرةٌ كبيرةٌ على الحفاظ على التماسك الوطني في مواجهة الضغوط الخارجية. في العديد من الأزمات الأمنية والعسكرية، تلاشت الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل البلاد إلى حدٍّ كبيرٍ في مواجهة التهديدات الخارجية، وتشكل نوعٌ من التقارب الوطني. تُعد هذه السمة، المتجذرة في تاريخ الإيرانيين وثقافتهم وهويتهم الحضارية، من أهم عوامل استقرار البلاد في مواجهة الضغوط الخارجية المستمرة".

تعود الصحيفة لتؤكد مجددا:" من هذا المنطلق، يكتسب دور الشعب الإيراني في التطورات الأخيرة أهميةً خاصةً. فعلى عكس العديد من الدول التي تعاني من انهيارٍ اجتماعيٍّ أو تفككٍ سياسيٍّ في مواجهة أزماتٍ أمنيةٍ حادةٍ، أثبت المجتمع الإيراني مرارًا وتكرارًا قدرته على إعادة بناء التماسك والتضامن الوطنيين في اللحظات التاريخية الحرجة. يُعتبر هذا الرصيد الاجتماعي، الذي هو ثمرة قرونٍ من الخبرة التاريخية وهويةٍ وطنيةٍ راسخةٍ، أهم دعامةٍ للأمن القومي للبلاد. يمكن القول إنه قلّما نجد دولًا في العالم المعاصر قادرةً على تحمل أشد الضغوط الاقتصادية والإعلامية والسياسية والأمنية في آنٍ واحدٍ، مع الحفاظ على بنيتها الاجتماعية والوطنية. هذه السمة تحديدًا هي التي أخطأت في كثيرٍ من الحسابات الأجنبية حول إيران. من جهةٍ أخرى، شهد وضع المعارضة في الخارج تغيراتٍ جوهريةً. فقد اعتقدت معظم حركات المعارضة المناهضة للجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية أن الضغوط الخارجية، والعقوبات الاقتصادية، أو حتى المواجهة العسكرية، كفيلةٌ بإحداث تغييراتٍ جذريةٍ في البنية السياسية الإيرانية".

تتابع الصحيفة: "لذلك، سرعان ما انضمت هذه الحركات إلى صفوف العدو وبدأت بالتعاون مع أعداء الشعب الإيراني في شتى مجالات مناهضة القومية. إلا أن التطورات الأخيرة كشفت وجود فجوةٍ كبيرةٍ بين هذه الجماعات والواقع الاجتماعي داخل البلاد، وذلك بسبب سجل المعارضة المخزي في الخارج في التعاون مع أعداء الشعب الإيراني. ونتيجةً لذلك، لم تتمكن العديد من هذه الحركات من إيجاد موطئ قدمٍ لها في الرأي العام الإيراني في المنعطفات الحاسمة، وأدى دعمها لسياسات الضغط الخارجي إلى فقدانها مصداقيتها الاجتماعية. لذا، يمكن القول إن من أهم نتائج هذه التطورات الأخيرة انكشاف محدودية نفوذ المعارضة في الخارج وحلفائها في معادلات المجتمع الإيراني الحقيقية. وبطريقةٍ ما، في حقبة ما بعد الحرب، لم يعد هناك أي أثرٍ أو اسمٍ لهم، وسيتم استبعادهم تمامًا من الفضاء السياسي والاجتماعي لإيران. على الصعيد الإقليمي، تُلاحظ أيضًا مؤشراتٌ هامةٌ على تغير المقاربات. فقد اتجهت دول الخليج، التي كانت تُعرّف أمنها في الماضي بشكلٍ أساسيٍّ ضمن إطار الدعم الأميركي، نحو سياساتٍ أكثر توازنًا. يُظهر تطور العلاقات مع الصين، وتوسيع التعاون مع القوى الآسيوية، والجهود المبذولة لخفض التوترات مع إيران، أن المنطقة تبتعد عن النمط التقليدي للاعتماد الكامل على قوى خارجية. ولا يعني هذا التوجه بالضرورة الابتعاد التام عن الولايات المتحدة، ولكنه يُشير إلى تشكّل فهمٍ جديدٍ لضرورة التعاون الإقليمي وخفض حدة التوترات المزمنة".

تختم الصحيفة :" في ظل هذه الظروف، ستدخل جبهة المقاومة مرحلةً جديدةً. فإذا كان دور هذا المحور في العقود الماضية مُحددًا بشكلٍ أكبر في المجالين العسكري والأمني، فمن المرجح أن تبرز أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية بشكلٍ أكبر في العصر الجديد. لن يُقاس النفوذ الإقليمي لإيران بالوسائل العسكرية وحدها، بل سيُقاس أيضًا بقدرتها على بناء تحالفاتٍ سياسيةٍ، وتعزيز التعاون الاقتصادي، والمشاركة في ترتيبات الأمن الإقليمي الجديدة. في نهاية المطاف، تكمن أهم حقيقةٍ في الحقبة المقبلة في صعوبة عودة المنطقة إلى وضعها قبل الحرب والأزمة. فقد تغيرت موازين القوى، وتعرّضت التصورات السابقة للقوة المطلقة للقوى الكبرى للتحدي، وازداد ثقل القوى الإقليمية. إيران، بالاعتماد على موقعها الجيوسياسي، وقدرتها على الردع، وكفاءتها العلمية، وشبكة نفوذها الإقليمي، والأهم من ذلك، دعمها الشعبي، وصمودها الوطني، ووعيها العميق بالاتجاهات المعادية للوطن، دخلت مرحلةً يُمكن اعتبارها فيها ليس فقط قوةً إقليميةً، بل أيضًا لاعبًا مؤثرًا في تشكيل النظام الجديد لغرب آسيا. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الموقع في نهاية المطاف سيتوقف على قدرة البلاد على تحويل الأصول الأمنية والجيوسياسية إلى تنميةٍ اقتصاديةٍ، ورفاهيةٍ اجتماعيةٍ، وتقدمٍ علميٍّ، وتعزيزٍ للقوة الناعمة؛ لأن القوى الأكثر استدامةً في عالم اليوم هي تلك القادرة على تحويل الانتصارات الاستراتيجية إلى تقدمٍ وطنيٍّ مستدامٍ."

الكلمات المفتاحية
مشاركة