اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "حنظلة" تعلن اختراق اتصالات مرتبطة بمسؤولين في جهاز "الموساد"

مقالات مختارة

إحياء الأمل
🎧 إستمع للمقال

عبد الحليم فضل الله - صحيفة الأخبار
بعد السابع من أكتوبر 2023 طفا إلى السطح تغيّرٌ جوهري في العقيدة العسكرية والأمنية للعدو، لكنه كان يتوّج في واقع الحال مخططًا طويلًا لقتل الأمل عند الفلسطينيّين وداعميهم. وهذا بدأ قبل عقدين من الزمن أو أكثر، وقت أخذ المشروع الصهيوني بالتصاعد مجدِّدًا نفسه، في مقابل هبوط عربي متواصل.

ربما سرّعت عملية طوفان الأقصى هذه الموجة لكن لم تطلقها. فلم تكن حروب الإبادة التي أعقبت تلك العملية ردة فعل خالصة بل فعلًا وُلد قبل أوانه. يقرّ رئيس حكومة العدوّ في مقابلة له في أيار 2026، بأنّ "حرب غزّة أشبه بصبّ الكيروسين على نار كانت مشتعلة أصلًا".
لا ينطلق بنيامين نتنياهو من فراغ في حديثه المتكرّر عن تغيير وجه الشرق الأوسط، بل يعيد تعريف أفكار برزت في العقل الصهيوني خلال ربع القرن الأخير. لقد حُسم أمر "إسرائيل الكبرى" قبل سنوات، بمعنى ضمّ كامل التراب الفلسطيني إلى الكيان، وجرى التحضير على قدم وساق للمهمة الآتية: "إسرائيل العظمى" المهيمنة على المنطقة والشريكة في النظام الدولي والمستقلّة اقتصاديًّا وبنحوٍ ما تكنولوجيًّا.

يردّد نتنياهو في حديثه عن "إسرائيل الكبرى" و"العظمى" ما سبقه إليه من يوصفون بالمتطرفين في "إسرائيل"، الذين يطلقون قبل غيرهم مواقف وآراء تصبح لاحقًا التيار العام. وعلينا أن نصغي بانتباه إلى أقوال هؤلاء بما فيها من تطرّف ونزوات عنصريّة، فهم يمتلكون ما يكفي من الوقاحة والمصلحة في كشف ما يدور في باطن العقل الصهيوني. إنّهم الطلقة التحذيرية التي تنبئ عمّا سيضعه السياسيّون العاديّون في وقتٍ ما في قالب مقبول وذي جمهور واسع. بعبارة أخرى، تولد الاتجاهات على يد من يوصفون بالمتطرفين ثمّ يقفز إليها الآخرون تباعًا، مع مسافة تضيق باستمرار بين هؤلاء وأولئك.

في وضعنا الراهن كان تسلسل الأحداث والنوايا واضحًا حتّى قبل "طوفان الأقصى". لم تعد هناك حاجة في "إسرائيل" إلى رسم حدود زائفة بين الممكن والمطلوب. باتت فكرة تفعيل ميزان القوّة حتّى أقصاه، التي دارت على ألسنة من يقفون على أطراف المسرح السياسي، محلّ إجماع وقبول من الغالبيّة الساحقة، حتّى لو نزع ذلك الشرعيّة عن دولةٍ لم تعد تبالي بآراء الآخرين بها. يقلّل قادة العدوّ من أهميّة الغضب العالمي إزاء ارتكابات كيانهم، ويرونه مشكلة علاقات عامّة، أو إخفاقاً في معركة الوعي، أو حتّى أضراراً جانبيّة قابلة للاحتواء والمعالجة... لا أكثر. وبالإصغاء جيدًا، يمكننا التنبّه إلى أفعال متطرّفة تلوح في الأفق، ومنها فكرة الحرب الدائمة التي يتبنّاها المجتمع السياسي "الإسرائيلي" ويُهيّأ الرأي العام لها وستبقى مقبولة لأجيال عدّة، في ما كانت مجرّد ترّهات تتردّد على ألسنة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وأمثالهما.

إنّ تفسير الحاضر وتوقّع الآتي في الصراع مع "اسرائيل" يتصل بصورة أكيدة بنقاط موجودة في الماضي. لقد شهد ربع القرن الأخير تحوّلًا عميقًا وخطيرًا في المشروع الصهيوني، كشف عنه بعبارات صريحة الأكثر فجاجة وتطرّفًا من سياسيّي الكيان، قبل أن يصير منطقًا عامًّا يلتحق به الباقون أو يسايرونه. وفي المقابل، تراجع الحضور العربي وانكفأ، وخلّف فراغًا استراتيجيًّا كان لا بدّ من ملئه، وهذا ما تفعله المقاومة في لبنان والمنطقة، التي وعت دون غيرها حقيقة هذا التحوّل واختارت موقع المواجهة ورفض الفراغ، في ما تلكّأ الباقون أو تواطؤوا أو آثروا الصمت.

قتل الأمل
جاءت الطفرة في المشروع الصهيونيّ في حقبة إقليميّة ودوليّة ظنّ فيها قادة "إسرائيل" أنّهم أمام فرصةٍ تاريخيّةٍ لحسم الصراع، شبيهةٍ بتلك التي أفضت في القرن الماضي إلى تأسيس الدولة. وهذه انعطافه عن الاستراتيجيّة التي سادت حتّى بداية العقد الأوّل من الألفيّة الجديدة، والتي قامت تجاه الفلسطينيّين على ضبط وجودهم ديموغرافيًّا وجغرافيًّا، في ما رَاوحت تجاه باقي العرب، كلّ بحسبه، بين الاحتواء والاستتباع والردع.

ولم يكن خيار الاستئصال الكامل للفلسطينيّين الكامل غائبًا عن أذهان مؤسّسي الكيان وقادته، وبالخصوص بعد مؤتمر بلتيمور في نيويورك (أيار 1942)، الذي فتح باب الهجرة اليهوديّة على مصراعيه ومهّد لقيام "دولة يهوديّة" لا مجرّد "وطن قوميّ لليهود" في فلسطين. ومع بداية الألفيّة عاد منطق الاستئصال والحسم ليطلّ برأسه من جديد، انطلاقًا، كما في السابق، من "الأحزاب المتطرّفة" التي عبّرت صراحةً عمّا يضمره سواها، وقدّمت خططًا واضحة لتحويل التفوّق العسكريّ إلى وقائع سياسيّة نهائيّة لا رجعة عنها.

ولا تقتصر البدايات على أوساط اليمين المتطرّف، إذ نجد جذور منطق الاستئصال والحسم لدى شخصيّاتٍ معارضة أو تصف نفسها بالاعتدال. فمثلًا، يكتب موشيه يعلون في مؤلَّفه "الطريق الطويلة القصيرة" (أيلول 2008) أنّ تقديم التنازلات للعرب يشجّعهم على "الإرهاب"، وأنّ التوقّف عن الانسحاب من الأراضي المحتلّة سيُشعِر العرب والفلسطينيّين بقوّة "إسرائيل" ويجبرهم على إعادة حساباتهم، وعليه، يجب عدم التردّد في توجيه "ضرباتٍ عسكريّةٍ ساحقةٍ تُشعِر الطرف المقابل بالعجز عن الانتصار".

ومع ذلك، شكّل التطرّف اليمينيّ، الذي جمع بين القوميّة الصهيونيّة والعقيدة اليهوديّة، الشرارة التي حوّلت فكرة الحسم من تصوّرٍ إلى سياسة. أُوصِي دائمًا المهتمين بإلقاء نظرة على "خطّة الحسم" لأرض "إسرائيل" التي أطلقها سموتريتش في 7 أيلول 2017، واصفًا إيّاها بأنّها الأمل الوحيد (لليهود) والطريق إلى "قتل الأمل" (عند أعدائهم). يقول: "ما يعنيه حسم الصراع هو اتّخاذ قرار واعٍ وعملي وسياسي بأن ثمّة مكانًا غربي نهر الأردن لحق تقرير مصير قومي واحد: الحق اليهودي. فأصلًا ليست هناك، ولن تقوم، (برأي سموتريتش) دولة عربية في قلب أرض "اسرائيل" تُجسِّد تحقيق المطامح القومية العربية فيها. إنّ إلغاء هذا الحلم سيقلّص الدافعية لتحقيقه، وبالتالي سيؤدّي ذلك إلى تقليص الإرهاب".

جاءت الطفرة في المشروع الصهيونيّ في حقبة إقليميّة ودوليّة ظنّ فيها قادة «إسرائيل» أنّهم أمام فرصةٍ تاريخيّةٍ لحسم الصراع، شبيهةٍ بتلك التي أفضت في القرن الماضي إلى تأسيس الدولة

وهذا لم يعد رأي أقليّة فكريّة أو أيديولوجيّة أو سياسيّة، بل أضحى موقفًا يقترب من تحقيق إجماع سياسي مماثل لذلك الذي تشكّل عام 1948 بشأن طرد الفلسطينيّين. يتواطأ الجميع على دعم الخيارات الراديكاليّة، ويُترك لقلّةٍ من الواقفين على طرف المسرح مهمّة الجهر بها علنًا. ويُعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما جرى قبيل النكبة، وقتها تجنّب ديفيد بن غوريون التأييد العلني لخطط التطهير، لكنّه أفسح المجال أمام عصابات شتيرن وأرغون لتنفيذ مجازر مروّعة بحقّ الفلسطينيّين. أراد بذلك أن يبقي سجلّ "الهاغاناه" (النواة الأولى لجيش العدوّ) خاليًا من الجرائم الموثّقة. غير أنّ القيادة العليا للهاغاناه أقرّت في آذار 1948 "خطّة دالِت" للتطهير العرقيّ، التي هدفت إلى طرد السكان من أراضيهم، بما في ذلك المناطق التي خصّصها قرار التقسيم للدولة العربيّة.

ولفكرة الحسم جذورها الفكريّة التي تنبع من خطابات عددٍ من المؤرّخين الصهاينة والأميركيين، الذين عبّروا بصراحةٍ عن أنَّ "الحلّ النهائي" للنزاع لن يتحقّق عبر المفاوضات، بل، كما ذُكر سابقًا، من خلال إقناع الفلسطينيّين بالهزيمة التامّة وإلغاء إمكانية قيام دولة. ولا يتورّع دانيال بايبس، عن الدعوة إلى ممارسة ضغط سياسي وعسكري على الفلسطينيّين حتّى يشعروا بالهزيمة والتسليم بواقع "إسرائيل" الجديد. ولا يقوم السلام على حدّ قول إفرائيم كارش، إلّا بعد "إعادة صياغة الوعي الفلسطيني" بما يناسب مصالح "إسرائيل".

ويضع المؤرّخ العسكري مارتن فان كريفيلد ذلك في إطاره النظري، فالحروب ليست صدامات عسكرية فقط، بل أدوات لفرض "اعترافٍ ضمنيٍّ بالهزيمة". إنّ مفهوم "النصر الاستراتيجي" يفرض على الطرف المهزوم (الفلسطيني) شروطًا تُجبِره، برأي مايكل أورن، على إعادة حساباته السياسيّة بعد الحرب والتخلّي عن قناعاته الراسخة. فمن دون "الحلول القسرية" لم يكن ليتحقّق "الوجود "الإسرائيلي"، على حدّ قول بني موريس الذي يبرّر دون مواربة سياسات الترحيل، علمًا أنّه أحد مؤرّخي "إٍسرائيل" الجدد، والذي هُلّل لأعماله في توثيق وقائع التهجير القسري للفلسطينيّين.

جيل جديد من "القادة"
في مقابل المنحى التصاعدي للمشروع الصهيوني المتجدّد، انزلق الأداء العربي على مسار تراجعي متسارع، قاده جيلٌ من الحكّام فضّل الالتحاق المطلق بالخارج في مجالات الدفاع والأمن والاقتصاد وفي مشاريع العمل. صحيح أنّ الجيل السابق من الحكّام انضوى أيضًا تحت مظلّة التبعيّة لأميركا بدعوى أنها تسيطر وحدها على المسرح (بيدها 99% من أوراق اللعبة، حسب تصريح أنور السادات الشهير عام 1977)، إلّا أنّهم رغم التبعيّة، احتفظوا لأنفسهم بهامش نقاشٍ وتباين، بما يعبّر عن خبراتهم الشخصيّة ويحمل في طيّاته رواسب أيديولوجيّة بقيت عالقة في أذهانهم والتزامات موروثة تجاه قضايا مشتركة لا يُلامون عليها. ولهذا السبب، فضّلت بعض الدول الموالية للغرب آنذاك انتهاج مواقف متمايزة أو حتّى معارضة لواشنطن في قضايا بارزة، كالموقف من غزو العراق للكويت (2 آب 1990) أو من اتفاقيّات كامب ديفيد عام 1979 أو حتّى الاستعمال اليتيم لسلاح النفط عام 1973.

يريد بعض أركان السلطة في لبنان الانضمام المتأخر إلى نادي "القادة الجدد"، الذين انطلقوا من أنّ رفض إملاءات واشنطن أو مماحكتها يُهدِّد مظلّة الحماية المرفوعة فوق رؤوسهم، ويُعرّضهم لفقدان الشرعيّة الخارجيّة التي يُعوّضون بها نقص الشرعيّة الداخليّة أو انعدامها. لقد حصلت السلطات في بلداننا على الحماية، لكنّ دولها خسرت مواقعها في النظام الإقليمي، وحصلت في المقابل على وظائف فرعيّة وثانويّة في مشاريع عابرة للحدود ومُدارة من الخارج.

ولا يخفى الطابع الصراعي لتلك المشاريع: من التطبيع مع "إسرائيل"، إلى تعزيز السيطرة على الممرّات البحريّة وحقول النفط والغاز، ومواجهة الصعود الصينيّ وكبح اندفاعة روسيا. لكنّ الحرب الحاليّة ضدّ إيران ومعضلة مضيق هرمز شكّلتا مفاجأة استراتيجية وكمينًا تاريخيًّا للرؤية الجديدة للهيمنة.

كانت المبادرات والمشاريع العسكريّة أكثر نشاطًا وفعاليّةً من الاقتصاديّة في تنفيذ المهام الموكلة إليها. نجحت هذه المبادرات في تحقيق بعض أهدافها وجرى تفعيلها في محطّات عدّة، في باب المندب من خلال القوّة 153، وفي التصدّي للصواريخ الإيرانية في عمليات الوعد الصادق من خلال شبكة الدفاع المشترك، لكنها بدت عديمة القيمة في الحرب الحاليّة الأميركيّة- "الإسرائيليّة" على إيران (2026)، علمًا أنّه في سابقة مريرة، تشارك "إسرائيل" في حرب تكون فيها القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة ودولٌ عربيّة، طرفًا فيها.

في لبنان، تنمّ تصريحات قادة السلطة وتبريراتهم، عن توق للانتماء إلى جيل الحكّام الجدد المذكور بعد انقضاء صلاحيته، مع ما يرتّبه ذلك من اصطفاف واضح في التحالف الإقليمي الذي ترعاه واشنطن ولا تقف "إسرائيل" بعيدة عنه. ومن هذا المنطلق يمكن تفسير ما ورد في إعلانات التفاوض المباشر في واشنطن (وبالخصوص بعد اجتماعات 2 و3 حزيران 2026)، الذي لم يقف عند تكرار توحيد الجهود بين لبنان و"إسرائيل" في مواجهة المقاومة، ولا عند حصر الالتزامات بالطرف اللبناني وإعفاء العدوّ منها، بل تضمّن خارج أي سياق إدانة ثلاثيّة لإيران على عدوانها على دول المنطقة (!) في ما بُرِّئت "إسرائيل" من النية العدوانيّة.

ويُراد للبنان أن يحظى بفرصة امتلاك وظيفة فرعية في نظام إقليميّ بأثمانٍ بخسة، فيكون نموذجًا لدولة مشرقيّة منزوعة السلاح يستند أمنها الوطني إلى الحماية الأجنبيّة (والقواعد العسكريّة؟)، ويدور اقتصادها حول هامش الريع الإقليمي، وتقوم سياستها على مرجعيّة خارجيّة تتغلغل في أوصال الدولة وهياكلها ومؤسساتها حتّى الذوبان. وبالمقابل لن يحظى لبنان بفرصة في أيٍّ من المشاريع الكبرى كالممر الهندي (هذا جيد لرافضي التطبيع) وممر التنمية وشبكات النقل البرّي والبحري المُخطّط لها بين الخليج وشرق المتوسط وتركيا، وغيرها.

ملء الفراغ
كانت حرب غزّة المُسرِّع لفكرة الحسم التي نبتت في الذهن الصهيوني قبل "طوفان الأقصى"، بوصفها الخاتمة المنشودة للصراع مع الفلسطينيّين لكن مع تحوّلٍ جوهريّ فرضته الوقائع؛ فقد أظهرت الحرب الحاليّة أنّ الحسم ضدّ الفلسطينيّين، من أجل "إسرائيل الكبرى" عبر السيطرة على الفلسطينيّين، لا يكون ممكنًا ما لم يقترن بحسمٍ أوسع يقوم على الهيمنة على المنطقة من أجل "إسرائيل العظمى". وهذا ما تعبّر عنه الحرب الحاليّة ضدّ إيران ولبنان، وتدلّ عليه مفاهيم مستجدّة مثل جباية الثمن الجغرافي والمناطق العازلة المدمّرة ومزاعم حماية الأقليّات وصولًا إلى تمزيق ميثاق الأمم المتّحدة على منبرها. فما رآه محور المقاومة، منذ نشوئه، خطرًا داهمًا وتهديدًا وجوديًّا، بات الآخرون يتلمّسونه اليوم بوضوح، بمن فيهم معارضوه وخصومه.

وتبذل المقاومة في المنطقة تضحيات كبيرة في مهمّة ملء الفراغ السياسي والعسكري والاستراتيجي الذي خلّفه انكفاء الدول العربيّة عن القيام بواجباتها ولا سيما خلال العدوان على غزّة وعلى لبنان، متصدّية للوظيفة الغائبة: الدفاع. لقد أدركت في وقت مبكر خطورة الطفرة في مشروع العدو، بتحوّل مركز الثقل السياسي الصهيوني من الاحتواء والردع وجزّ العشب إلى الحسم والتوسّع والإبادة، ولاحظت اتساع مسرح "قتل الأمل" من فلسطين إلى عموم المنطقة. والفكرة الجوهريّة هنا هي أنّ إفشال مفهوم الحسم الذي يمثّل الذروة في المشروع الصهيوني، يكون برفض الاعتراف بشرعيّة نتائجه التي يُراد فرضها بالقوّة. وهذا هو "الوعد المقاوم" المضادّ... وعد "إحياء الأمل".

وهناك فرصة واقعيّة لتحقيق ذلك. فعلى الرغم مما يمتلكه العدوّ من قدراتٍ عسكريّة وتقنيّة وما حقّقه من إنجازاتٍ أمنيّة وتكتيكيّة، فإنّه يصطدم بحدود القوّة؛ عسكريًّا بعجزه عن القضاء على المقاومة في لبنان وفلسطين وإخفاقه في حسم المعركة مع إيران، وسياسيًّا بفشل واشنطن و"تل أبيب" في تحويل نتائج العدوان إلى وقائع ثابتة يُقِرّ بها الآخرون. وتبرز أيضًا الحدود الأخلاقيّة للقوّة الغاشمة في انقلاب الرأي العام الغربي ضد "إسرائيل" في المراحل الأولى للحرب على غزّة.

لكن بينما ترى المقاومة أنّ المواجهة حتميّة ولا مندوحة منها، وترى نفسها معنيّة بمنع تحوّل الإبادة إلى وقائع ثابتة ووعي دائم ذي شرعيّة سياسيّة، يوافق الفريق الموالي للغرب دون شروط على الدور الجديد الذي ترسمه "إسرائيل" لنفسها بوصفها "قوّة أمنيّة إقليميّة"، بعضه يتواطأ معها مُنتظِرًا أن يفيض النهر بدماء خصومه السياسيّين، وبعضه يشرب كأس الضعف حتّى آخرها، مُتجنِّبًا حتّى إشهار سلاح الرفض، فتراه في واشنطن يراقب في الطرف الثاني من الطاولة من يمسح عن يديه دماء الضحايا بأوراق التفاوض، ولا يحرّك ساكنًا.

الكلمات المفتاحية
مشاركة