التغطية الاخبارية
صحيفة "الأخبار": بلدية حاصبيا تعتدي على الحاصباني
ندى أيوب - صحيفة "الأخبار"
يشهد حرم نهر الحاصباني منذ مدة قصيرة أعمالًا تُشبه بناء سدٍّ في وسطه، تحت عنوان "صيانة وترميم الحواجز الإسمنتية المتشقّقة على ضفّتي النهر". غير أن ما يُنفَّذ على الأرض ينطوي على جملة مخاطر، أبرزها التأثير في نوعية المياه السطحية والجوفية، وعلى نسبة تدفّق النبع.
فعلى بُعد نحو 40 مترًا فقط من نبع الحاصباني، يقع منتزه "رأس نبع الحاصباني" المملوك من بلدية حاصبيا التي تعطي رخصة تشغيله لمستثمرين عبر مناقصة عمومية. وقد التزم المنتزه أخيرًا مستثمر جديد قرّر إعادة تأهيل الموقع، بإنشاء جسم إسمنتي إضافي في وسط النهر فوق الأجسام القائمة أصلًا، كما تُظهر الصور الملتقطة قبل المباشرة بالأشغال وبعدها. وبذلك يتبيّن أن ما يحدث لا يمتّ بصلة إلى ترميم التفسّخات الإسمنتية، بل هو عمليًا بناء جديد بالكامل.
وأكّد أكثر من خبير بيئي وخبير مياه اطّلعوا على الأعمال لـ"الأخبار" أنّ ما يحدث يُعدّ "تعدّيًا واضحًا على حرم النهر"، محذّرين من أنّ السدّ المُنشأ يمكن أن يشكّل خطرًا مباشرًا على الأسماك النهرية الفريدة التي تعيش في الحاصباني، إذ سيعيق انتقالها من أسفل النهر إلى منبعه للتكاثر. كما أنّ الجزء الأعلى من النهر "سيتحوّل عمليًا إلى بركة راكدة"، تتجمّع فيها الوحول والأوساخ والأتربة التي تجرفها السيول عادة، لكون البناء الإسمنتي المرتفع نسبيًا يمنعها من متابعة انسيابها الطبيعي. ومع تراكم هذه الرواسب في نقطة واحدة، ترتفع احتمالات حدوث فيضانات.
ولا يقتصر الخطر على الأثر المباشر، بل يمتد إلى المديين المتوسط والبعيد، مع إمكان "تدهور نوعية المياه السطحية والجوفية في الحاصباني، وانخفاض تدفّق النبع" بفعل قرب السد منه والضغوط الناتجة من تراكم الوحول حوله. ورغم أنّ المستثمر استحدث فتحات صغيرة في البناء الجديد، يجزم الخبراء أنّها غير كافية لتأمين تسريب المياه من المستوى الأعلى إلى الأدنى، خصوصًا في السنوات ذات الهطول المطري المرتفع.
وبينما تهدف البلدية، وفقًا للمعلومات المتوافرة، من السماح للمستثمر بتوسيع مساحات الاستثمار وخلق مساحات إضافية إلى زيادة القدرة الاستيعابية للمنتزه، وبالتالي زيادة مداخيل الصندوق البلدي، ما يعزز قدرتها على القيام بأدوار أكبر على المستوى الإنمائي في البلدة، إلا أنّ ذلك لا يمكن أن يكون على حساب نوعية مياه النهر ومستواها، أي على حساب ما لا يمكن تعويضه، ولا سيما أنّ نحو 18 ألف مواطن من أهالي بلدتي حاصبيا وعين الجرفا يستفيدون من مياه الحاصباني، فضلًا عن استخدامها لري المزروعات. ولذلك، أثار المشروع غضب قسم كبير من الأهالي، ما دفع البلدية إلى قطع وعود بتجميد الأعمال، لكن التجميد، وإن تم، لن يكون كافيًا لتفادي الآثار المحتملة، بل يتطلب إزالة ما بُني فعليًا.
قانونيًا، تؤكّد مصادر في وزارة الطاقة والمياه أنّه بموجب قانون المياه رقم 192، يُفترض الحصول على موافقة مسبقة من الوزارة قبل الشروع في أي أعمال ضمن مجاري الأنهار. وبعد الاطلاع على الصور المرسلة من الموقع، أكّد المصدر أنّ "مثل هذه الأعمال لا يمكن أن تتم من دون موافقة مسبقة من الوزارة، نظرًا إلى ارتباطها بتصريف النهر، بل إنها تتطلب أيضًا دراسة أثر بيئي". وشدّد على أنّ "الوزارة لم تمنح موافقتها لا للبلدية ولا للمستثمر، ولها الحق في إزالة أي تعديات بعد التأكد من ضرورتها"، لافتًا إلى أنّ "يمكنها فقط ترميم الجوانب الإسمنتية للأنهار من دون موافقات مسبقة". في ما تعهّدت محافظ النبطية، هويدا الترك، بمتابعة الموضوع مع وزارة الطاقة، وإرسال فريق للكشف على الموقع.