اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كلمة الشيخ نعيم قاسم في المجلس العاشورائي المركزي 17-06-2026

نقاط على الحروف

 
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

 "النهار".. حين يُصبح "وقف النار" خبرًا مزعجًا

112

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

يُقال في علوم الإعلام، إنّ الانحياز لا يظهر فقط في ما يُقال، بل أيضًا في ما يُهمل ويُستبعد من الوقائع، وهذا ديدن العديد من الوسائل الإعلامية التي غالبًا ما تتجاهل الوقائع لتروّج لسرديتها. وتؤكد نظريات الإعلام الحديثة أن وظيفة الصحافة ليست صناعة الوقائع، بل تقديمها للرأي العام بصورة متوازنة تسمح للمتلقي بتكوين موقفه بحرية. أما انتقاء الوقائع التي تخدم رواية واحدة وتجاهل ما يناقضها، فهو خروج عن مقتضيات المهنية الإعلامية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الكثير من التحليلات والمقاربات التي تُقدّمها صحيفة "النهار" التي تواصل حربها الإعلامية على المقاومة والبيئة الشيعية في سياق أجندة معلّبة تعمل على تنفيذها. 

ويكاد لا يخلو عدد من أعداد صحيفة "النهار" من جرعة مكثّفة من التحريض وموجة من التضليل الإعلامي، فضلًا عن حملة دعائية ممنهجة، وخطاب مشحون بالأحكام المسبقة. في عددها اليوم الأربعاء (17 حزيران 2026)، كتبت "النهار" في "المانشيت" العريض على الغلاف "هجمة إيرانية دعائية لتهميش المسار اللبناني". وفي مقال تحت عنوان "لبنان يواجه الدعائية "الممانعة" بالاستعدادات لجولته" كتبت الصحيفة "وإذ انبرت إيران وذراعها اللبناني "حزب الله" إلى محاولة إغراق الرأي العام بـ"حضانة" إيرانية للملف اللبناني. من ذريعة السعي إلى إنهاء الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي يحتلها في الجنوب، تتّضح أكثر فأكثر معالم محاولات إيران وحلفائها اللبنانيين في عجالة الأيام الفاصلة عن موعدي توقيع الاتفاق الأميركي الإيراني في 19 الجاري وجولة المفاوضات الخامسة في واشنطن للتشويش على المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي، وإظهار كل اتجاه لتبريد الوضع في الجنوب والشروع في معالجته كأنها صنيعة إيرانية في المقام الأول، وتالياً تعزيز مكابرة فريق الثنائي الشيعي حيال المفاوضات التي تتولاها السلطة اللبنانية. وهذا ما برز في خلفية التكثيف الدعائي والإعلامي الإيراني المتعمّد للاتصال بالمسؤولين اللبنانيين وحلفاء طهران في الثنائي الشيعي في الأيام الأخيرة".  

بناء على ما سبق، يتبين للقارئ أن "النهار" لا تنطلق من عرض الوقائع، بل من حكم سياسي مسبق. فبدلًا من مناقشة الانعكاسات الإيجابية للتفاهم الأميركي-الإيراني على لبنان في وقف العدوان "الإسرائيلي" وانسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية، وبدلًا من الترحيب بوقف إطلاق النار الذي من شأنه أن يضع حدًا للقتل والمجازر والمعاناة الإنسانية لفئة كبيرة من الشعب اللبناني، تُصرّ "النهار" على التشكيك بكل من أسهم في الوصول إلى هذه النتيجة. وعوضًا عن" النظر بإيجابية إلى الجهود التي أفضت إلى وقف العدوان وبدء عودة النازحين إلى منازلهم رغم خروقات العدو، تنصرف الصحيفة إلى الرهان على مسارات تفاوضية من شأنها أن تمنح "إسرائيل" ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو مكاسب سياسية مجانية، للتعويض على هزائم الاحتلال في الميدان، والضربات القوية التي تلقاها من المقاومة. 

بينما في مقابل المفاوضات المباشرة المذلة التي تذهب الصحيفة بعيدًا في تمجيدها، يأتي اتفاق "إسلام آباد" ليؤسس لوقف إطلاق النار ولانسحاب "إسرائيلي" من الأراضي اللبنانية، بما ينسجم مع مقتضيات السيادة اللبنانية الحقيقية ومصلحة لبنان الوطنية، وهذا ما لم يرق لصحيفة "النهار" التي يبدو أنها تقتات من السموم التي تبخها، ومن استمرار العدوان "الإسرائيلي" على لبنان، ومشاهد النزوح القاسية، والمجازر المروّعة.

وفي الوقت الذي شكّل فيه هذا التطور السياسي المتمثل بالتفاهم فرصة للبنان للاستفادة من الغطاء الدولي الواسع الذي حظي به الاتفاق، في ظل توافق عربي وأوروبي ودولي عليه، غرّدت "النهار" خارج السرب، واختارت مقاربة مختلفة، فبدت الصحيفة المذكورة أقرب إلى تبني الرواية "الإسرائيلية" والتشكيك بمضمون الاتفاق ونتائجه، وكأنّ الاتفاق نزل كالصاعقة، وبدت "النهار" ممتعضة ومستاءة جدًا من وقف إطلاق النار ووضع حد للمجازر المروّعة على لبنان. 

وقد أكملت الصحيفة قائلة :"أما في جديد الحملة الدعائية الإيرانية، فأُعلن أمس عن اتصال بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، وأن "قاليباف وبري شدّدا على وجوب أن تطّلع الولايات المتحدة الأميركية والجهات الضامنة لمذكرة التفاهم والمجتمع الدولي بمسؤولية إلزام إسرائيل إنهاء حربها ووقف هدم القرى واحترام سيادة لبنان والانسحاب الفوري من الأراضي التي احتلتها".

يكشف هذا المقطع بوضوح حجم الانتقائية التي تعتمدها صحيفة "النهار" في مقاربة الملف اللبناني. فالصحيفة تبدأ حديثها عن الاتصال بين الرئيس بري ورئيس مجلس الشورى الإيراني تحت عنوان "الحملة الدعائية الإيرانية"، قبل أن تنقل حرفيًا مضمون الاتصال الذي يتمحور حول مطالبة الولايات المتحدة والجهات الضامنة والمجتمع الدولي بإلزام "إسرائيل" وقف حربها، وإنهاء عمليات هدم القرى، واحترام سيادة لبنان، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.

وهنا يبرز السؤال البديهي: أين تكمن "الدعاية" في المطالبة بوقف الحرب، واحترام السيادة اللبنانية، وإنهاء الاحتلال؟ فإذا كانت هذه المطالب تشكل جوهر الموقف اللبناني الرسمي ومرتكز القرارات الدولية ذات الصلة، فكيف تتحول إلى "دعاية" بمجرد أن تصدر عن جهة لا تنسجم مع التوجه السياسي للصحيفة؟. 

واللافت أن "النهار" تتعامل بريبة مع أي حديث عن ربط الانسحاب الإسرائيلي أو وقف الاعتداءات بالتفاهم الأميركي – الإيراني، لكنها في المقابل تمنح مساحة واسعة لوجهة النظر التي تعتبر أن "مقررات واشنطن وحدها" قادرة على تحقيق الانسحاب "الإسرائيلي". وهنا تظهر ازدواجية واضحة في المعايير؛ فالتأثير الخارجي يصبح مشروعًا ومطلوبًا عندما يأتي عبر المسار الذي تؤيده الصحيفة، بينما يتحول إلى تدخل مرفوض أو "دعاية" عندما يأتي من جهة أخرى.

كذلك، اختارت الصحيفة فرد مساحة واسعة لبيان حزب "القوات"، حيث قالت حرفيًا :"في المقابل، وفي أبرز موقف سياسي داخلي للقوى المناوئة لإيران و"حزب الله"، أصدر تكتّل "الجمهورية القوية" بعد اجتماع له برئاسة رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، بياناً مسهباً أعلن فيه "رفضه بصورة قاطعة أي محاولة لربط مستقبل لبنان بالمحور الإيراني... وجدّد دعم المجتمعين "الكامل للمسار التفاوضي.. لأن هذا هو المدخل الوحيد للخلاص من الحروب في لبنان". 

في المقطع المذكور، يتبنى مقال "النهار" بالكامل خطاب "القوات اللبنانية" القائل، إن المسار التفاوضي هو "المدخل الوحيد" للخلاص من الحروب، متناسية أن "إسرائيل" لم تنسحب من أراضٍ احتلتها تاريخيًا نتيجة المفاوضات، بل تحت تأثير عوامل عسكرية ــ خضعت فيها لضربات المقاومة ـــ وسياسية ودولية متعددة.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحًا عندما تنقل الصحيفة تصريحات تهاجم التفاهم الإيراني الأميركي وانعكاساته على لبنان، وتمتنع عن إدراج التصريحات المعاكسة ــ وهي كثيرة ــ والتي تؤكّد أهمية التفاهم وانعكاساته الإيجابية على لبنان. 

يتّضح مما تقدّم أن المقاربة التي قدّمتها الصحيفة المذكورة لا يمكن فهمها إلا في سياق حالة من الامتعاض السياسي الواضح إزاء النتائج التي أفرزها هذا التطور. فـ"إسرائيل" لم تتمكن من تحقيق الأهداف التي أعلنتها في لبنان، والأخير صمد في مواجهة الضغوط والاعتداءات، فيما تألقت المقاومة وهي تحمي وتدافع عن لبنان وترهب بمسيّراتها العدو حيث تطارده أين ما كان. إضافة إلى أنّ إيران نجحت في تحقيق مكسب سياسي كبير عبر إدراج الملف اللبناني ضمن مسار التفاهمات الإقليمية والدولية. ولذلك تبدو الصحيفة، من خلال تحليلاتها وآرائها، منزعجة جدًا من هذا التحول السياسي، بدلًا من أن تناقشه بموضوعية ومهنية وواقعية تبيّن ما يمكن أن يحقّقه من استقرار للبنان.

الكلمات المفتاحية
مشاركة