مقالات مختارة
إسماعيل بقائي: عدم انسحاب إسرائيل من لبنان نقض لمذكرة التفاهم
القواعد الأميركية تعرّض أمن الخليج للخطر
محمد خواجوئي- صحيفة "الأخبار"
في ظلّ غياب النصّ الرسمي لمذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، يكشف الناطق باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مقابلة مع «الأخبار»، تفاصيل «بند لبنان» وحدود الالتزام بإنهاء الحرب والاحتلال.
الكثير من الجدل واللغط دار حول مذكرة التفاهم الموقّعة إلكترونياً بين الولايات المتحدة وإيران، لا سيما في ظلّ استمرار غياب النص الرسمي، الذي يُتوقّع نشره بعد التوقيع رسمياً على الاتفاق المفترض غداً. وإذ تَحضر بنود كثيرة لا يزال الخلاف قائماً على تفسيرها، يضع الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في هذه المقابلة مع «الأخبار»، النقاط على الحروف، مبيّناً أن المذكرة تنصّ على ضمان الطرف الآخر سيادة لبنان وسلامة أراضيه، وهذا يعني في نظر إيران، انسحاب قوات الاحتلال بشكل كامل من الأراضي اللبنانية، بحسب ما يوضحه بقائي، منبهاً إلى أنه إذا لم يحدث ذلك، تكون المذكرة قد «نُقضت»، كما أن المفاوضات اللاحقة لن توصل إلى اتفاق نهائي، إلّا في حال الوقف التامّ للاعتداءات وإنهاء الاحتلال. ويتطرّق المتحدث باسم الخارجية إلى موضوع إعادة إعمار لبنان أيضاً، قائلاً إن «إيران من بين الدول التي دعمت الاستثمار الأجنبي في إعادة إعمار لبنان وأدت دوراً فاعلاً فيه. ونحن على ثقة بأن لبنان، مع عودة الأمن والاستقرار إليه، سيتحوّل مجدّداً إلى سوق جذّابة للاستثمار».
■ لماذا لا يزال «بند لبنان» في مذکرة التفاهم بین إیران و الولایات المتحدة يثير كلّ هذا القدر من الجدل؟ وهل كانت الولايات المتحدة تعارض إدراجه في التفاهم؟ وما مدى صحة ما يُتداول حول أنه في الساعات الأخيرة، وبإصرار إيراني، أُضيفت عبارة «ضمان سيادة لبنان وسلامة أراضيه» إلى ذلك البند؟
منذ بداية هذه المفاوضات، أعلنّا بصراحة أن إنهاء الحرب بشكل مجتزأ أمر غير ممكن. فعندما نتحدّث عن إنهاء الحرب، يجب أن تنتهي الحرب على جميع الجبهات وبشكل كامل. كان هذا هو الموقف المبدئي للجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ بداية مفاوضات إسلام آباد، وقد أكدنا عليه طوال المسار التفاوضي. لم يكن مقبولاً بالنسبة إلينا أن نتخلّى عن إخواننا في لبنان.
أمّا بخصوص سيادة لبنان وسلامة أراضيه، فكما تعلمون، نحن نقصد بإنهاء الحرب وضع حدٍّ قاطعٍ ومستدام لها. ولهذا السبب، لا يمكننا الحديث عن إنهاء الحرب بينما لا تزال أجزاء من الأراضي اللبنانية تحت احتلال الكيان الصهيوني. فطالما استمرّ الاحتلال، يمكن القول إن الحرب لا تزال قائمة ولم تنتهِ في جوهرها. لذلك، تابعنا ملفّ لبنان بجدية كبيرة، بهدفٍ مزدوج يتمثّل في وقف إطلاق النار وإنهاء الاحتلال، وهو ما أدى في النتيجة إلى الإشارة إلى اسم دولة لبنان ثلاث مرّات في النص، ممّا يعكس الأهمية القصوى للبنان بالنسبة إلينا.
■ أوضح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن «إنهاء الحرب في لبنان»، من وجهة نظر طهران، لا يقتصر على وقف إطلاق النار فحسب، بل يشمل أيضاً انسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلّها في جنوب لبنان. السؤال هنا: إذا ما نفّذت إسرائيل ما تقوله وبقيت في ما تسمّيه «منطقة أمنية» داخل لبنان، واستمرت في عمليات الاغتيال وهجماتها المتقطّعة بذريعة دفع التهديد عن نفسها، فما الذي سيحدث؟ وماذا سيكون موقف إيران؟ هل ستعتبرون ذلك خرقاً للتفاهم مع الولايات المتحدة؟ وماذا سيكون ردّ فعلكم؟
في هذه الحال، تكون «مذكرة التفاهم» قد نُقِضت. فعندما يضمن الطرف الآخر سيادة لبنان وسلامة أراضيه، فهذا يعني أن كلّ ما أشرتَ إليه يُعدّ انتهاكاً لهذه المذكرة.
وكما تعلمون، فإنه بعد التوقيع على مذكرة التفاهم، ستبدأ المرحلة الثانية من مفاوضاتنا للوصول إلى اتفاق نهائي، ولن يتحقق هذا الاتفاق النهائي إلا في حال تنفيذ مذكرة التفاهم بالكامل، وهو ما يعني في الحال اللبنانية، من وجهة نظرنا، الوقف التام للاعتداءات وإنهاء الاحتلال.
المفاوضات لم تبدأ بعد، ولذلك لا نتعجّل في استباق مواقف الطرف الآخر
■ أعلن نائب الرئيس الأميركي أن إيران ستحصل على 300 مليار دولار من دول الخليج لأغراض إعادة الإعمار. هل يتضمّن هذا الاتفاق تخصيص أموالٍ لإعادة إعمار لبنان أيضاً؟ وما هي الرؤية والبرنامج الأساسي لدى إيران بخصوص عملية إعادة إعمار جنوب لبنان؟
لطالما كانت إيران من بين الدول التي دعمت الاستثمار الأجنبي في إعادة إعمار لبنان، ولطالما أدت دوراً فاعلاً في هذا المجال. نحن على ثقة بأن لبنان، مع عودة الأمن والاستقرار إليه، سيتحوّل مجدداً إلى سوق جذّابة للاستثمار.
■ هل تتضمّن مذكرة التفاهم هذه بنداً يشير إلى إنهاء الحرب مع إسرائيل؟ بمعنى، هل تمّ التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع بين مكونات محور المقاومة من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى؟ وهل تفكر إيران أساساً- إذا لم تكن تفكر في التطبيع أو إنهاء العداء مع إسرائيل- في «ضبط التوتر» معها؟ أم أنها ترغب في إبقاء مستوى التوتر مرتفعاً حتى بعد الاتفاق مع الولايات المتحدة؟
دعني أتحدّث بوضوح: لم يُذكر اسم إسرائيل في مذكرة التفاهم هذه. وموقف إيران تجاه الطبيعة الإجرامية لهذا الكيان لم يتغيّر. ما أمامنا هو تفاهم لإنهاء الحرب، وتعهّد بعدم استئنافها، بين إيران وحلفائها من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.
■ توترت علاقات إيران مع دول الخليج بشكل حادّ خلال الحرب الأخيرة. هل لدى إيران برنامج محدّد لترميم هذه العلاقات؟ وهل يُعتبر ذلك، من وجهة نظر طهران، مشروطاً بإنهاء استضافة القواعد الأميركية أو بإنهاء التعاون مع إسرائيل؟
لقد خلّفت الحرب في ذاكرتنا ذكرياتٍ مريرة تجاه دول الجوار في الخليج الفارسي. إن تعرّضنا للهجوم في منتصف شهر رمضان من أراضٍ تابعة لدول مسلمة جارة، هو أمرٌ لا يمكننا نسيانه بسهولة. كان بإمكان دول المنطقة منع الولايات المتحدة من الاستخدام غير المحدود لأراضيها في شنّ هجمات ضدّ دولة مجاورة. وعلى أي حال، فقد اتضح أن القواعد الأميركية في المنطقة لا تملك مهمّة سوى حماية إسرائيل وتعريض أمن الدول المضيفة للخطر. نحن اليوم نتحدث عن «ثقة مفقودة». وعلى دول المنطقة أن تغتنم الفرصة لتعويض الأزمة التي تسبّبت فيها.
■ من المقرّر أن تستأنف إيران والولايات المتحدة المفاوضات بشأن البرنامج النووي ورفع العقوبات، ما يعني عملياً العودة إلى مسار التفاوض الذي كان قائماً قبل اندلاع الحرب الأخيرة. السؤال هو: ما الذي تغيّر في الموقف الأميركي بحيث يُحتمل هذه المرّة ألّا تلقى المفاوضات المصير نفسه الذي لقيته في الجولات السابقة؟ وهل ستوافق الولايات المتحدة على تخصيب اليورانيوم، ولو عند مستويات منخفضة، وكذلك على خفض نسبة تخصيب مخزون اليورانيوم بدلاً من إخراجه من إيران؟ أم أن إيران مستعدة لإبداء مرونة أكبر في الملف النووي؟
أترك الحكم على ما الذي تغيّر لكم ولمتابعيكم. بصورة عامة، تَنظر إيران إلى الولايات المتحدة بعين الريبة وعدم الثقة، وأعتقد أن أيّ مراقب ينصف إيران في هذا الشعور. فقد تعرّضنا مرّتَين لهجمات في خضمّ المفاوضات، وفي المرّتَين تمكّنا، بالاعتماد على قدراتنا، من دفع الطرف الآخر إلى التراجع. وكما تعلمون، فإن المفاوضات لم تبدأ بعد، ولذلك لا نتعجّل في استباق مواقف الطرف الآخر.