إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الثلاثاء 23 حزيران/يونيو 2026 بتحليل الاوضاع الدبلوماسية للمفاوضات ومتطلبات المرحلة الجديدة لإظهار إيران دبلوماسيًا بما يتوافق على القوة والاقتدار الذي ظهر في ميدان الحرب العسكرية، مضافًا إلى ضبط سردية الاختلاف الداخلي في الآراء حول المفاوضات بما لا يضر الوحدة الوطنية.
المفاوضات جنبًا إلى جنب مع الاقتدار
كتبت صحيفة وطن أمروز: "لقد كشفت التطورات الأخيرة في المفاوضات الإيرانية الأميركية مجددًا عن حقيقة مهمة لصناع القرار الإيرانيين، وهي أنه في العلاقات مع الولايات المتحدة، وخاصة خلال فترة حكم دونالد ترامب، فإن مجرد الدخول في مفاوضات أو حتى إبداء بوادر حسن نية لا يؤدي بالضرورة إلى تخفيف حدة التوتر أو اعتدال خطاب الطرف الآخر. بل على العكس، فقد أثبتت التجربة أنه كلما شعر الجانب الأميركي بأن إيران قادرة على التوصل إلى اتفاق لأي سبب كان، أو أنها في عجلة من أمرها للوصول إلى نتيجة، فإنه يزيد من حدة مطالبه، ويستخدم في الوقت نفسه خطابًا أكثر عدائية.
وينبغي تحليل تصريحات ترامب الأخيرة ضدّ إيران، وتهديداته اللفظية، واستخدامه خطابًا خارجًا عن الأعراف الدبلوماسية في هذا السياق. جزء من هذا السلوك نابع من شخصيته. شخصية تسعى دائمًا إلى وضع الطرف الآخر في موقف دفاعي من خلال استعراض القوّة، وخلق جو نفسي، واستخدام خطاب ازدرائي، لكن جزءًا آخر من هذا السلوك نابع من إدراكها لحالة المفاوضات وتقييمها لمدى حاجة الطرف الآخر إلى اتفاق.
في الوقت نفسه، يعتقد بعض المحللين أن إعادة فتح مضيق هرمز بسرعة وإرسال رسائل تخفيف التوّتر في وضع لم تُقدّم فيه الولايات المتحدة أي تنازلات عملية، قد ساهما في تكوين انطباع في واشنطن بأن إيران في أمسّ الحاجة إلى السلام والاتفاق أكثر من الطرف الآخر. في عالم السياسة الخارجية، تُعدّ الانطباعات أحيانًا بنفس أهمية الحقائق. فإذا اعتقد الطرف الآخر أنك في عجلة من أمرك للتوصل إلى اتفاق، فبدلًا من أن تكون أكثر مرونة، فإنه عادةً ما يزيد من مطالبه.
[...] ومن القضايا المهمّة الأخرى عدم التزام أميركا في المجال المالي. فبحسب التقارير المنشورة، حتّى في مجال تحرير بعض الموارد المالية الإيرانية، لم تُنفّذ الوعود التي قُطعت. ليست هذه قضية جديدة. يُظهر تاريخ العلاقات الإيرانية الأميركية على مدى العقود الماضية أن إحدى الأدوات الرئيسية لواشنطن هي استخدام الوعود المرحلية، وتأجيل تنفيذ الالتزامات، وخلق الغموض في تنفيذ الاتفاقيات. لهذا السبب، يجب أن يستند أي تصميم إستراتيجي من جانب إيران إلى التحقق العملي وليس مجرد إعلان الالتزام السياسي.
[...] إلى جانب هذه التطورات، كانت بعض السلوكيات الرمزية والإعلامية للوفد الإيراني جديرة بالملاحظة. فقد ساهم منع تحول الاجتماع إلى عرض دعائي للإعلام الأميركي، والامتناع عن التقاط صور مشتركة، ومحاولة الحفاظ على استقلالية الوفد الإيراني وكرامته، في إيصال رسالة مهمة. في الفضاء السياسي الدولي، تلعب الرموز والصور دورًا هامًا في تشكيل الرأي العام والتصورات السياسية. من هذا المنظور، يمكن للإدارة الذكية للفضاء الإعلامي أن تمنع إساءة استخدامه من قبل الطرف الآخر.
ومع ذلك، يبقى السؤال الرئيسي: ما هي الاستراتيجية التي ترغب إيران في اتباعها لمواجهة هذا النمط من السلوك الأميركي؟
[...] المبدأ الأول هو استبعاد أي فكرة مفادها أن إيران بحاجة إلى اتفاق فوري. لا يمكن للمفاوضات أن تخدم المصالح الوطنية إلا إذا اعتقد الطرف الآخر أن إيران ستكون قادرة على إدارة شؤون البلاد ومواصلة مسارها الخاص في حال فشل المفاوضات، كما فعلت قبل الحرب وأثناءها. كلما زاد الاعتماد النفسي أو الاقتصادي على نتيجة المفاوضات، قلّت قدرتها على المساومة. لذلك، من الضروري أن يتجنب المسؤولون الإيرانيون، في أقوالهم وسلوكهم، إعطاء انطباع بأن اقتصاد إيران يعتمد كليًا على الاتفاق. لذا، يجب تصوير إيران، على الأقل في وسائل الإعلام، وكأنها ليست بحاجة إلى اتفاق فوري. في هذه الظروف، يجب أن تصدر تصريحات المسؤولين الإيرانيين يوم المفاوضات من موقع سلطة، وخاصة من كبار المسؤولين. التصريحات الصادرة من موقع ضعف لن تؤدي إلا إلى زيادة غطرسة ترامب.
[...] المبدأ الثاني هو التطبيق الصارم لسياسة خطوة مقابل خطوة. لقد أظهرت تجربة الاتفاقيات السابقة أن الوعود المستقبلية لا يمكن أن تكون أساساً للتنازلات الحالية. يجب أن يُقابل كلّ تحرك إيراني بإجراء عملي وقابل للقياس والتحقق من جانب الولايات المتحدة. لا يعني هذا النهج معارضة المفاوضات، بل تعزيز الثقة وحماية المصالح الوطنية.
[...] المبدأ الثالث هو تعزيز أدوات القوّة الوطنية. في النظام الدولي، لا تُعد المفاوضات بديلًا عن القوّة، بل هي استمرار لها باستخدام الأدوات السياسية. الدولة التي تتمتع بقدرات اقتصادية وتكنولوجية وأمنية وإقليمية أعلى ستكون لها اليد العليا في المفاوضات. لذلك، يجب السعي بالتزامن مع عملية المفاوضات إلى الاستثمار في النموّ الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية الصناعية، وزيادة الصادرات غير النفطية، وتوسيع التعاون الإقليمي، وتعزيز الردع.
[...] المبدأ الرابع هو تنويع العلاقات الخارجية. من نقاط ضعف أي دولة محدودية خيارات سياستها الخارجية. يجب على إيران، مع الحفاظ على استعدادها للحوار مع الغرب، أن توسع علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع دول المنطقة وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. من المصادفة أنه خلال هذه المفاوضات مع الولايات المتحدة، كان من الأفضل إرسال وفد خاص أو فريق خاص للتواصل مع دول الشرق. كان من شأن ذلك أن يُشوّه الحاجة المُلحة للتوصل إلى اتفاق، وأن يُعرقل استراتيجية الغرب مع إيران. كلما تنوعت خيارات التعاون الخارجي، قلّت فعالية الضغط الأمريكي.
[...] المبدأ الخامس هو إدارة الحرب النفسية. يرتكز جزء مهم من سياسة ترامب على تهيئة بيئة إعلامية وعمليات نفسية. يهدف هذا النهج إلى التأثير على الرأي العام والأسواق، بل وحتى حسابات صُنّاع القرار. تتطلب مواجهة هذه الاستراتيجية معلومات دقيقة، وتجنب ردود الفعل العاطفية، والحفاظ على اتساق الرسائل الرسمية للبلاد. يجب أن يكون الرد على التهديدات اللفظية في إطار المصالح الوطنية، مع حساب دقيق للتكاليف والفوائد.
[...] المبدأ السادس هو الإجماع الداخلي. لقد أظهرت تجارب دول عديدة صعوبة النجاح في المفاوضات الخارجية دون حد أدنى من الإجماع الداخلي. صحيح أن اختلاف الآراء في مجال السياسة الخارجية أمر طبيعي، إلا أن تحويل هذه الاختلافات إلى انقسامات مُنهكة قد يُضعف القدرة التفاوضية للدولة. وكلما شعر الطرف الآخر بإمكانية استغلال الانقسامات الداخلية، ازداد احتمال تصاعد الضغط.
[...] في نهاية المطاف، ما يهم إيران اليوم ليس الانسحاب المتسرع من طاولة المفاوضات، ولا التسرع في التوصل إلى اتفاق. بل الاستراتيجية المنشودة هي مزيج من التفاوض، والقدرة، والصبر الاستراتيجي، والمطالب الدقيقة. يجب على إيران أن تُظهر ترحيبها بالحوار، لكنها غير مستعدة لتقديم تنازلات في مواجهة وعود غامضة أو ضغوط إعلامية. في مثل هذه الظروف، سيُضطر الطرف الآخر أيضاً إلى إدراج تكاليف استمرار سياسة الضغط في حساباته".
إنجازات الميدان ووعود التضليل
كتبت صحيفة كيهان: "في حين أن قوة النقد قد غيرت موازين القوى في المنطقة لصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن الخطاب المهين للمسؤولين الأميركيين المخادعين وإصرارهم على التعامل مع أصول الشعب الإيراني في صورة وعود قروض قد ضاعف من الحاجة إلى رد واضح وثوري وحاسم من الجهاز الدبلوماسي.
[...] زعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرًا، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، أن واشنطن قد تسيطر على مضيق هرمز إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع إيران، بل وقد تفرض رسومًا على النفط المار عبر هذا الممر. وقال بأسلوب مثير للسخرية: إذا لزم الأمر، قد نسيطر على المضيق ونلعب دور الحارس.
هنا يجب أن يُعرض على أصدقائنا الدبلوماسيين نصٌّ دقيقٌ لترجمة هذه التصريحات؛ فالترجمة البسيطة والواضحة لسلوك العدوّ هي أن البيت الأبيض، الذي فشل في تحقيق أي إنجازات استراتيجية على أرض الواقع، وعمق جراحه الميدانية حرمه من القدرة على إخفاء هزيمته، يسعى الآن إلى التعويض عن هذه الهزيمة بالخداع والتلاعب. لكن هذه التهديدات لم تعد تُحدث الأثر النفسي الذي كانت تُحدثه سابقًا. وفي هذا السياق، قال محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي، ردًا على هذه الغارات الجوية وهراء ترامب: لا نُعير تهديدات الأميركيين أي اهتمام؛ فنحن على أهبة الاستعداد للرد. ألا يُفكرون في أنفسهم أنه لو كان لتهديداتهم أي تأثير، لما وصلوا إلى هذا اليأس؟ من الأفضل لهم أن يُحذروا من تصريحاتهم، فقواتنا المسلحة على أهبة الاستعداد للرد بطريقة أخرى.
[...] علاوة على ذلك، يُشير تقييم اتجاهات وبيانات المعركة الأخيرة إلى تحوّل جذري في موازين القوى بالمنطقة. فعلى عكس نهج الرقابة التدريجية الذي انتهجته إدارة ترامب، فإن سلسلة الاعترافات من قِبل وسائل الإعلام وأجهزة الاستخبارات الغربية، والتي تتجاوز كونها فشلًا تكتيكيًا، تُشير إلى انهيار عقيدة الردع الأميركية في مواجهة الجمهورية الإسلامية. ويمكن تحليل هذا الخطأ في حسابات واشنطن على ثلاثة مستويات استراتيجية: أولًا، كان إخفاء البنتاغون لحجم الخسائر الحقيقي والإعلان عن رقم زهيد قدره 29 مليار دولار محاولةً يائسةً للسيطرة على الرأي العام الأميركي؛ ثانيًا، كشف تقييم الخبراء على شبكة CNN لتكلفة تريليون دولار عن عمق الضربة الاقتصادية التي تلقتها واشنطن. ثالثًا، يُشير رد فعل ترامب المتوتر في برنامج تروث سوشيال ووصفه لوسائل الإعلام التي كشفت قوة إيران بـ"الخونة" إلى ارتباك إستراتيجي على أعلى مستويات صنع القرار في البيت الأبيض.
[...] عندما سُحقت الهيمنة الأميركية في ساحة المعركة، وشُلّت قواعدها، واعترفت بخسائر تُقدّر بتريليونات الدولارات، فلماذا نقف مكتوفي الأيدي في مجال الدبلوماسية؟ إنجازاتنا في هذا المجال مشرفة، وحاسمة، وذات مصداقية، وتاريخية. لقد انقلبت موازين القوى لصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والولايات المتحدة في موقف حرج. في مثل هذه الظروف، يجب أن نتوخى الحذر حتّى لا نقوّض هذه الإنجازات العظيمة، بوعود كاذبة ومُهينة ومُحمّلة بالمديح الزائف، مثل الإعفاءات لمدة 60 يومًا، واستيراد الذرة وفول الصويا، وشروط وزارة الخزانة الأمريكية. ينبغي أن تكون الدبلوماسية لغة قدرة ميدان، لا أداة لإحياء أمريكا الفاشلة".
بزشكيان: رئيس صانع للتوافق
كتبت صحيفة إيران: "على الرغم من أن فكرة الرئيس الذي يبني التوافق كانت تنبؤًا أو رغبةً نابعةً من مطلب أو ضرورة وطنية، إلا أن تحقيق هذا التوقع لم يكن بالأمر الهين. فقد أشارت تجربة عقود من النشاط السياسي في الجمهورية الإسلامية، والسجلات والتجارب المتوفرة، إلى أن التوجّه نحو هذا المسار، وإن كان ضروريًا لظروف المجتمع الإيراني، قد يُنظر إليه من وجهة نظر البعض على أنه حجر كبير يدل على الجمود والتقاعس.
ولكن ما أهمية بناء التوافق؟ تكمن أهميته في ضمان قبول القرار شعبيًا، وفي جعله أكثر استدامة، لا سيما في الأنظمة السياسية الحديثة حيث تتوزع السلطة ضمن إطار الدستور. ففي هذا النوع من الأنظمة، حتّى لو كان للفرد أو المؤسسة الحق أو القدرة على اتّخاذ القرارات، فإنه ما لم يحظَ بدعم الخبراء والمؤسسات، قد لا يحظى بالقبول الشعبي. بعبارة أخرى، تُعتبر القرارات وطنية إذا مرت عبر قنوات النخب داخل الحكومة وخارجها. لذا، لا تُتخذ القرارات الوطنية عادةً بين عشية وضحاها، بل هي نتاج تبادل الآراء والانتقادات والمراجعات من قِبل النخب والخبراء والمحللين في المجال العام والإعلامي. وبعد نضج مقترحات أو عروض الخطط الوطنية في خضمّ عملية النقد والمراجعة، تُحال إلى قنوات صنع القرار القانونية والمؤسسية.
[...] الآن، عشية الذكرى السنوية الثانية لتولي الحكومة الرابعة عشرة زمام الأمور، تتضح لنا بوادر بروز رئيسٍ يميل إلى بناء التوافق. ومن بين القضايا الوطنية الكبرى التي يبدو أنها خضعت لعملية بناء التوافق وأفضت إلى قرار، اتّخاذ القرارات بشأن المفاوضات لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، وتوقيع مذكرة تفاهم سياسية، وبدء المفاوضات بين البلدين. بالطبع، هذا لا يعني أن القرار لم يواجه معارضة، فليس من الضروري أن يكون المجتمع موحدًا تمامًا. والمقصود بالتوافق هنا هو دعم وتأييد أغلبية النخب داخل الحكومة وخارجها، وليس بالضرورة جميعها.
وفي معرض حديثه عن هذه القضية يوم الأحد، قال بزشكيان: "اتُخذ القرار بوحدة وتوافق في المجلس الأعلى للأمن القومي. حضر قائد مقر ختم الأنبياء، وقائد الجيش، وقائد الحرس الثوري، وقوات الأمن، وجميع الفصائل، وتحدثوا جميعًا بصوت واحد، وتوحدوا في موقفهم، وتمكنوا من تحقيق المطلوب، وقد وقّع الجميع على القرار". ومن بين أعضاء هذه المؤسسة الأمنية الأهم في البلاد، كان هناك صوت واحد فقط معارض لقرار إنهاء الحرب وبدء المفاوضات.
[...] اليوم، ورغم بعض الانتقادات، بل وحتى المعارضة، يُمكن اعتبار قرار إنهاء الحرب والتفاوض قرارًا توافقيًا، ولا شك أن الرئيس قد لعب دورًا محوريًا في بناء هذا التوافق. لعلّ هذه القدرة على بناء التوافق تُشكّل حلًا في مرحلة ما بعد الحرب".