خاص العهد
مع حلول شهر المحرّم الحرام، وما يحمله من معاني العطاء والتكافل، تبرز أهمية توجيه تبرعات الناس نحو الإسهام في سدّ احتياجات العائلات التي أُخرجت من ديارها بغير حق. انطلاقًا من هذا الهدف، أُطلق مشروع "بوصلة" لترشيد الإنفاق وتوجيهه نحو الأولويات الأكثر إلحاحًا، وقد بدأ العمل به مع مطلع السنة الهجرية 1448هـ، على أن يستمر بوصفه مبادرة مجتمعية تسعى إلى ترسيخ ثقافة الوعي في الإنفاق والعطاء واستقطاب المساهمين والداعمين من داخل لبنان وخارجه.
يُنفَّذ مشروع "بوصلة" برعاية وحدة العمل النسائي، وبالتعاون مع عدد من الجهات والمؤسسات، منها: العمل البلدي والهيئة الصحية ووحدة الأنشطة الثقافية والتبليغ والهيئات النسائية وجهاد البناء، إلى جانب العلماء والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، في إطار تكامل الجهود لخدمة الفئات الأكثر حاجة.
في هذا السياق، تؤكد مسؤولة وحدة العمل النسائي في حزب الله الحاجة أمال القطان لموقع "العهد" الإخباري، أن الهدف الرئيسي من مشروع "بوصلة" هو توجيه العطاء إلى حيث تكون الحاجة أكبر، مشيرةً إلى أن الإنسان يمتلك بطبيعته قدرات وإمكانات متنوعة، إلا أن حسن استثمار هذه الإمكانات يتطلب توجيهها الوجهة الصحيحة.ومن هنا جاءت فكرة المشروع لتوعية الناس وإرشادهم إلى أفضل السبل لتوظيف مواردهم وإمكاناتهم ما يحقق الأثر الأكبر في تلبية الاحتياجات الفعلية للمجتمع.
توضح القطان أن إطلاق المشروع مع بداية شهر المحرّم الحرام جاء انسجامًا مع خصوصية هذا الشهر الذي يشهد إقبالًا واسعًا على المجالس وإحياء الشعائر الدينية، إلى جانب ارتفاع حجم الإنفاق المرتبط بالإطعام . شكّل ذلك فرصة مناسبة لتطبيق أهداف المشروع عمليًا، بتوجيه هذا الإنفاق نحو مجالات أكثر حاجة وأشدّ إلحاحًا، ما يتيح للناس ترجمة مفهوم ترشيد العطاء إلى خطوات ملموسة تنعكس أثرًا مباشرًا على المستفيدين.
تتابع القطان: "إن مجتمعنا يزخر بالكثير من الخيرات وروح العطاء والاستعداد للبذل، إلا أن الأهم هو القدرة على تشخيص الاحتياجات الحقيقية داخل الأسرة والبيئة والمجتمع، حيث يُوجَّه هذا العطاء نحو الحاجات الأكثر إلحاحًا وتأثيرًا. فالغاية ليست مجرد الإنفاق بحد ذاته، بل أن ينطلق من معرفة دقيقة بالاحتياجات الفعلية وأن يسهم بصورة مباشرة في سدّها وتخفيف معاناة المحتاجين".
تشير القطان إلى أن المرحلة الراهنة وما رافقها من تداعيات الحرب أظهرت حجمًا كبيرًا من الاحتياجات الإنسانية، لا سيما العائلات التي أُخرجت من ديارها بغير حق واضطرت إلى النزوح من بلداتها وقراها، إضافة إلى الأسر التي تعطلت مصادر رزقها أو تضررت منازلها وممتلكاتها. تلفت إلى أن شريحة واسعة من هؤلاء باتت عاجزة عن تأمين متطلباتها الأساسية نتيجة الظروف الصعبة التي تمر بها، ما يستدعي توجيه الجهود والإمكانات نحو مساعدتها وتلبية احتياجاتها الأكثر إلحاحًا.
توضح القطان أن القائمين على المشروع سعوا إلى وضع هذه الاحتياجات أمام الأشخاص القادرين على العطاء والبذل، بهدف توجيه إسهماتهم نحو تأمينها وسدّها، ما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة ويوجهها إلى الوجهة الأكثر فاعلية. كما يهدف المشروع إلى تعزيز قيم التعاون والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، حيث يشعر المحتاج الذي يعجز عن تلبية بعض احتياجاته الأساسية بأن هناك من يدرك معاناته، ويسعى إلى مساعدته والوقوف إلى جانبه.
كذلك تشير إلى أن المشروع يستهدف، بصورة عامة، كل من تندرج احتياجاته ضمن العناوين التي تتبناها الحملة، والتي تتوزع على ثلاثة مسارات رئيسية. يتمثل المسار الأول بـــ"حملة الطفل الرضيع" الهادفة إلى تأمين حليب الأطفال الرضع ومستلزماتهم الأساسية، فيما يُعنى المسار الثاني، "حملة ساقي العطاشى"، بتأمين مياه الشرب للعائلات المحتاجة والمتضررة. أما المسار الثالث فهو "حملة محرّم التكافل"، التي تسعى إلى ترشيد الإطعام في المضائف التي تُقام خلال شهر محرّم، بما يسهم في توجيه جزء أكبر من الموارد والإمكانات نحو الأسر الأكثر حاجة.
حملة محرّم التكافل
في إطار مشروع "بوصلة"، تأتي "حملة محرّم التكافل" بهدف تنسيق عمل المضائف خلال شهر محرّم وتوجيه جزء من الجهود والإمكانات المرتبطة بها؛ نحو تأمين الوجبات والمواد الغذائية الأساسية للعائلات المحتاجة والنازحة، وذلك بالتعاون والتخطيط المشترك بين أصحاب المضائف والجهات الاجتماعية والبلديات. كما تسعى الحملة إلى توسيع دائرة المستفيدين من أموال المضائف والحد من الهدر الغذائي، إلى جانب تأمين سلال غذائية ومواد أساسية للأسر الأكثر حاجة، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الخدمات والمساعدات.
حملة ساقي العطاشى
أما "حملة ساقي العطاشى" فهي مبادرة إنسانية تُطلق خلال شهر المحرّم بهدف تأمين مياه الشرب النظيفة للعائلات النازحة والمتضررة، انطلاقًا من أن المياه تُعد من الاحتياجات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في ظل الظروف الراهنة. تستهدف الحملة جميع المتضررين والنازحين، بتوفير وتوزيع عبوات مياه للشرب، ما يسهم في التخفيف من الأعباء المعيشية وتأمين احتياج أساسي من احتياجات الحياة اليومية.
حملة الطفل الرضيع
تندرج "حملة طفل رضيع" ضمن أبرز المبادرات التي يتضمنها مشروع "بوصلة"، انطلاقًا من التركيز على أكثر الاحتياجات إلحاحًا في المرحلة الحالية، وهو تأمين حليب الأطفال الرضع. بحسب التقديرات، هناك آلاف الأطفال الذين يعتمدون على حليب الأطفال كونه حاجة أساسية يومية، ويُقدّر عددهم بنحو 25 ألف طفل، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تعيشها العديد من الأسر. نظرًا إلى أن الطفل، خاصة في المراحل الأولى من عمره، يحتاج إلى الحليب يوميا وبانتظام، تسعى الحملة إلى تأمين حليب الأطفال الرضع ومستلزماتهم الأساسية للأسر النازحة والعائلات غير القادرة على توفير هذه الحاجة لأطفالها.
تستهدف الحملة الأطفال منذ الولادة وحتى عمر السنتين، مع اختلاف الاحتياجات والكميات المطلوبة بحسب عمر الطفل ومرحلته الغذائية. مع أن الأشهر الستة الأولى هي المرحلة الأكثر حساسية، في الاعتماد على الحليب، إلا أن الحاجة إليه تستمر بدرجات متفاوتة حتى عمر السنتين.
كذلك تقوم الحملة على مبدأ إشراك المجتمع بأوسع صورة ممكنة في عملية الدعم، إذ يمكن الإسهام بالتبرع المالي المخصص لشراء عبوات الحليب، أو بتقديم الحليب مباشرة للعائلات المحتاجة، أو بكفالة طفل رضيع وتأمين احتياجاته الأساسية. كما تشجع الحملة الأفراد على المبادرة ضمن محيطهم الاجتماعي، سواء عبر مساعدة الأقارب والجيران أم دعم العائلات النازحة الموجودة في القرى والبلدات التي يقيمون فيها.
تشمل مكونات المشروع "سلّة الرضيع" التي تتضمن عبوات حليب مناسبة لأعمار الأطفال المختلفة، إضافة إلى قسائم دعم تُصرف من صيدليات محددة؛ ما يضمن حصول كل طفل على نوع الحليب الملائم لاحتياجاته الصحية والعمرية.
في الوقت نفسه، تشدد الحملة على أهمية توجيه التبرعات عبر المسارات الموثوقة والجهات القادرة على تحديد الاحتياجات بدقة وإيصال الدعم إلى مستحقيه، كونها تمتلك القدرة على تأمين كميات أكبر من الحليب بأسعار أقل، الأمر الذي يسهم في خفض الكلفة وزيادة عدد الأطفال المستفيدين من المساعدات، ما يحقق الأثر الإنساني والاجتماعي المنشود.