خاص العهد
صحافية لبنانية
يومًا بعد يوم، يتراكم حجم التخريب والأضرار الذي خلّفته آلة القتل وإثارة الفوضى "الإسرائيلية" في الجنوب اللبناني وما زالت.
بين عامي 2024 و2026، يبدو الفرق شاسعًا جدًا من حيث المساحات التي عمل جيش الاحتلال على هدمها وجرفها، ومن حيث الوحدات السكنية التي إمّا سوّيت أرضًا، أو لاقت نصيبها من عمليات القصف والنسف المباشرة. غير أن المفارقة تكمن في أن موجة الدمار، التي لم تتوقف منذ آذار 2026، اتسعت رقعتها بوتيرة أكبر عقب توقيع اتفاق الإطار بين السلطة الرسمية في لبنان والكيان الصهيوني في حزيران 2026.
11 ألف وحدة دمّرها الاحتلال في عدوان 2024
عدوان 2024 الذي بدأ رسميًا بشكل واسع في 23 أيلول أسفر عن خسائر جسيمة على صعيد الوحدات السكنية والبنى التحتية.
وفق بيانات الشركة الدولية للمعلومات، عدد الوحدات السكنية التي تضررت بشكل بسيط أو متوسط في الحرب الماضية بلغ 317 ألفًا، فيما وصل عدد تلك التي تضررت بالكامل الى 51 ألفًا، بينها 9 آلاف في الضاحية الجنوبية و1500 وحدة في البقاع، و22 ألفًا في منطقة القرى الحدودية.
البنك الدولي أصدر كذلك تقريرًا قدّر فيه تكلفة الأضرار التي ترتّبت جراء العدوان الصهيوني على لبنان عام 2024. التقرير يغطّي الفترة من 8 تشرين الأول 2023 حتى 20 كانون الأول 2024، ويظهر الآتي:
* إجمالي الكلفة الاقتصادية للحرب: 14 مليار دولار،
* الأضرار المباشرة: 6.8 مليار دولار،
* الخسائر الاقتصادية: 7.2 مليار دولار،
* المساكن المتضررة: نحو 100 ألف وحدة سكنية (بين دمار كلي ونصفي وجزئي).
شركة "ستاتيستيكس ليبانون" للإحصاءات في لبنان أوردت بدورها أن العدد الإجمالي للوحدات السكنية المدمرة في عدوان 2024 بلغ نحو 11 ألف وحدة، فيما قُدرت قيمة الأضرار التي لحقت بالبلاد بحوالي 3.4 مليارات دولار، كما وصلت الخسائر الإجمالية خلال 12 شهرًا إلى قرابة 5.1 مليارات دولار.
وفي قطاع الوحدات السكنية، بلغت قيمة الدمار 2.8 مليار دولار، في حين قدرت الخسائر بـ389 مليون دولار.
62 ألف وحدة سكنية دُمّرت في 6 أسابيع فقط في 2026..
الحرب المستمرة الى اليوم منذ 1 آذار 2026 تبدو أرقامها مُضاعفة. بحسب إحصاءات المركز الوطني للبحوث العلمية في لبنان، تضرّرت ودمّرت أكثر من 62 ألف وحدة سكنية جراء العدوان الصهيوني على لبنان خلال 6 أسابيع فقط من العدوان الذي لم تنتهِ مفاعليه حتى الآن.
الأرقام تشير الى تدمير 21 ألفًا و700 وحدة سكنية بشكل كامل، وتضرّر 40 ألفًا و500 وحدة أخرى.
بين 2 آذار و2 تموز 2026.. الدمار فوق الوصف
المركز الوطني للبحوث العلمية يوثّق حجم الدمار المسجّل بين 2 آذار و2 تموز 2026 في أحدث تقييم أولي صادر عنه، وفق الآتي:
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء النبطية: 26874
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء بنت جبيل: 22350
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء صور: 19782
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء مرجعيون: 10296
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء بعبدا: 8112
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء صيدا: 4077
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء جزين: 2817
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء البقاع الغربي: 2349
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء بعلبك: 1422
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء حاصبيا: 630
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء بيروت: 480
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء عاليه: 324
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء الشوف: 90
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء الهرمل: 63
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء زحلة: 63
* عدد الوحدات المدمرة والمتضررة في قضاء المتن: 48
بيانات الشركة الدولية للمعلومات الأولية تحدّثت أيضًا في بداية العدوان عن تدمير 4500 وحدة في الجنوب، و1600 وحدة في الضاحية الجنوبية لبيروت كليًا، إضافة إلى إلحاق أضرار متنوعة بـ 12 ألف وحدة.
صحيحٌ أن هذه الأرقام ليست نهائية، فالاعتداءات متواصلة، غير أنها مؤشرٌ بالغ الدلالة بشأن حجم الإبادة المدنية والبشرية والتحتية التي تتعرّض لها قرى الجنوب.
اعتراف "إسرائيلي" بهدم 20 ألف منزل وتدمير 24 بلدة جنوبية
المثير للانتباه أن العدو يقرّ بنهجه التدميري ويُعلن حصيلة ما أقدم عليه الى الآن. وزير الحرب الصهيوني إسرائيل كاتس قال إن عمليات الهدم التي يقوم بها الجيش "الإسرائيلي" شملت ما بين 15 ألفًا و20 ألف منزل، لافتًا إلى أن نحو 90% من الأبنية في القرى المستهدفة دُمّرت، وأن المنطقة الواقعة بمحاذاة الحدود أصبحت، بحسب وصفه، خالية من السكان المدنيين، متحدّثًا عن أن 24 بلدة سُويّت بالأرض بشكل منهجي
القناة 12 "الإسرائيلية" نشرت تحقيقًا بيّن أن نحو 18 ألف مبنى في 19 قرية جنوبية دمّر، بما يعادل 74% من إجمالي مبانيها.
إبادة القرى..
التحقيق استند إلى صور التقطتها شركة Planet Labs، وأعدّه الباحث الصهيوني عدي بن نون من مركز نظم المعلومات الجغرافية في الجامعة العبرية. واعتمد الباحث معيارًا يقضي باعتبار المبنى مدمّرًا إذا تجاوزت نسبة الأضرار فيه 30 في المئة.
ووفقًا للتحقيق، بلغت نسبة الدمار 99% أو أكثر في خمس قرى هي:
* مروحين،
* محيبيب،
* مارون الراس،
* بليدا،
* العديسة.
وأظهرت البيانات أيضًا أن محيبيب ومروحين تعرضتا لدمار كامل بنسبة 100%، فيما بلغت النسبة 99% في كل من بليدا ومارون الراس، و90% في الخيام والعديسة، و87% في كفركلا والناقورة، و83% في حولا.
أما في بقية القرى، فسجّلت يارون نسبة دمار بلغت 76%، و65% في كل من دير سريان والطيبة وميس الجبل، و61% في عيتا الشعب، و57% في الطيري، و54% في بنت جبيل، و52% في القنطرة، فيما سجلت قبريخا النسبة الأدنى، وبلغت 13%، على ما يظهره التحقيق المنشور في القناة 12.
بين 2024 و2026.. العداد الى تصاعد
تقودنا هذه الأرقام والإحصائيات الى أن الحرب الحالية بلغت خلال أسابيع مستوى يقارب أو يوازي، وفي بعض المؤشرات يتجاوز، ما استغرق أكثر من عام في حرب 2024.
على الرغم من اختلاف منهجيات الجهات التي أعدّت الإحصاءات، فإنها تتقاطع عند نتيجة واحدة: حجم التدمير الذي خلّفه عدوان 2026 خلال أسابيع قليلة يقترب من، أو يوازي، ما خلّفته حرب 2024 والخروقات "الإسرائيلية" التي أعقبتها، فيما تشير بعض المؤشرات إلى أنه تجاوزها في عدد من المناطق الحدودية.
ما بعد اتفاق الذلّ..
وفي حين استندت تقديرات عام 2024 إلى فترة امتدت من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى كانون الأول/ديسمبر 2024، أي أكثر من أربعة عشر شهرًا، فإن معظم أرقام عام 2026 توثّق ما جرى خلال نحو ستة أسابيع فقط، مع استمرار عمليات الهدم التي تكثّفت بشكل فاقع منذ توقيع اتفاق الإطار بين السلطة الرسمية في لبنان والكيان الصهيوني في 26 حزيران/يونيو 2026.
تكشف المقارنة بين مؤشرات عام 2024 وما سُجّل خلال الأشهر الأولى من حرب 2026 أن مسار التدمير في الجنوب اللبناني لم يتوقف عند حدود العمليات العسكرية التقليدية، بل اتخذ منحًى تصاعديًا مع توسّع عمليات الهدم والتفجير والجرف التي نفذها الجيش "الإسرائيلي" داخل القرى الحدودية خلال وبعد حزيران/ يونيو.
1212 اعتداءً بعد توقيع اتفاق الذلّ!
في إحصائية أعدّها المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق حصل عليها موقع العهد الإخباري، يتضح أنه منذ 26 حزيران 2026 وحتى 18 تموز 2026، أي خلال 22 يومًا، سجّل العدو 1212 اعتداءً، توزّعت على الشكل الآتي:
* شنّ غارات،
* تحليق طيران حربي،
* قصف مدفعي،
* إلقاء قنابل حارقة وصوتية،
* حرق منازل وأراضٍ،
* تفجير ونقل متفجرات،
* تدمير منازل بالجرافات وآليات الهندسة،
* خروقات جوية عبر مسيّرات ومحلّقات،
* إطلاق نار مباشر باتجاه البلدات والقرى،
* عمليات تمشيط،
* توغل دبابات ميركافا وجرافات،
* إجبار مزارعين على مغادرة أراضيهم (كما حصل في عين عرب والماري).
هذه الاعتداءات المُكثّفة بمعدّل أكثر من 10 عمليات في اليوم الواحد، تسارعت بوتيرة ناشطة جدًا مباشرة بُعيد توقيع اتفاق الإطار - اتفاق الذلّ في واشنطن.
وبالحديث عن المعدّل اليومي، على سبيل المثال في 7 تموز الماضي، سُجّل بين الضاحية والبقاع وعموم قرى الجنوب 52 اعتداءً وخرقًا مُتفرّقًا من القصف المباشر والتدمير وإلقاء القنابل وتحليق المسيّرات والطيران الحربي.
العدو استغلّ التزام المقاومة بالهدنة ووقف إطلاق النار انسجامًا مع مفاعيل مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية التي تلحظ في بنودها الأولى جبهة لبنان ووقف إطلاق النار فيها. والملاحظة الثابتة أن الأرقام تزيد في كلّ يوم مع مواصلة السيناريو نفسه: اعتداءاتٌ بصُورٍ مُختلفة في عموم القرى الجنوبية والعاصمة بيروت ومناطق جبل لبنان وصولًا الى البقاع (مسيّرات يومية وأحيانًا طيران حربي).
ارتفاعٌ سريع في مدة زمنية قصيرة
بناءً على ما تقدّم يتضح أن الجزء الأكبر من أضرار عام 2024 نتج عن الغارات الجوية والقصف المباشر، فيما تُظهر معطيات عام 2026 أن سياسة إزالة الأبنية وتجريف الأحياء السكنية باتت تشكل عنصرًا أساسيًا في حجم الدمار المسجل. وقد انعكس ذلك في الارتفاع السريع لعدد الوحدات السكنية المدمرة خلال فترة زمنية أقصر بكثير، وفي وصول نسب الدمار في عدد من القرى إلى مستويات قاربت أو بلغت الدمار الكامل، وفق بيانات لبنانية وتحقيقات وتقارير "إسرائيلية" استندت إلى صور الأقمار الصناعية.
وتكشف المقارنة أن عدد الوحدات السكنية المتضررة والمدمّرة في الحرب الحالية تجاوز 62 ألف وحدة خلال فترة وجيزة، بينها أكثر من 21 ألف وحدة دُمّرت بالكامل، فيما لا تزال فرق الرصد المُختلفة توثّق أضرارًا جديدة يوميًا، ما يعني أن الحصيلة مرشّحة للارتفاع بصورة مستمرة.
طبيعة الاستهداف بين 2024 واليوم
لا تقتصر المقارنة على عدد الأبنية، بل تمتدّ إلى طبيعة الاستهداف. ففي عام 2024 كان القسم الأكبر من الأضرار ناجمًا عن الغارات الجوية والقصف المدفعي، أما في حرب 2026 فتبرز سياسة الهدم المنهجي للقرى الحدودية عبر التفجيرات والجرافات وتحريك آليات الهندسة التابعة لجيش الاحتلال وصولًا الى المدفعية والدبابات والمسيّرات المسلّحة.
ضربٌ للنسيج العمراني جنوبًا
لا تعكس المؤشرات الراهنة مجرد استمرار للأعمال العسكرية، بل تكشف انتقالًا إلى نمط من التدمير المنهجي الذي يستهدف النسيج العمراني للقرى الحدودية، يُنفّذ بوتيرة متسارعة بغطاء من السلطة اللبنانية واتفاقها مع آلة القتل والتدمير "الإسرائيلية"، ما يعزّز القناعة بأن جيش الاحتلال يرمي أولًا وأخيرًا الى حرق الجنوب وإعدام كلّ عناصر الحياة وبنائها فيه، وهذا ما يرفع كلفة إعادة الإعمار، ويجعل الحصيلة النهائية للدمار مرشّحة للارتفاع الى مستويات قياسية لم يعهدها لبنان.