مقالات مختارة
عبد الباري عطوان - صحيفة رأي اليوم الاكترونية
بعد أربعة أشهر من الصمود الإيراني في وجه العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران وفصائل المقاومة في لبنان واليمن وغزة، وإصدار مجلس النواب الأمريكي قراراً يحد من صلاحية الرئيس دونالد ترامب العسكرية، باعتباره متهوراً وفاقد الأهلية، ويشكل تهديداً على أمن الولايات المتحدة واستقرارها بعد تقديمه الأمن القومي الإسرائيلي على الأمن القومي الأمريكي، ومعارضة أكثر من 80 بالمئة من الأمريكيين لتورط بلادهم في الحرب على إيران، باتت منطقة الشرق الأوسط على أبواب مرحلة جديدة من التغيير الاستراتيجي، السياسي والجغرافي والعسكري عنوانه الأبرز تراجع التفوق الإسرائيلي، وعودة القضية الفلسطينية إلى الصدارة مجدداً بعد بروز القوة الإيرانية مجدداً بفضل القيادة الإيرانية الجديدة.
هناك ثلاث ساحات رئيسية ستكون محور الأحداث في المنطقة في الأيام والأسابيع والأشهر القليلة المقبلة:
الساحة الأولى: ستكون في لبنان، حيث أصبحت إيران وحلفاؤها يملكون الكلمة الأولى والأخيرة، بالانتصار الإيراني في الحرب وباعتراف 92 بالمئة من الإسرائيليين في استطلاع رأي للجامعة العبرية، والشيء نفسه في أمريكا، وعودة “حزب الله” القوية سياسياً وعسكرياً، غيّر هذه الساحة كلياً، ودفع الرئيس ترامب إلى التدخل لوقف العربدة الإسرائيلية، وإجبار نتنياهو على الالتزام بوقف إطلاق النار فوراً والبدء في سحب قواته بشكل متسارع تجنباً لإفشال الاتفاق الأمريكي الإيراني الذي تم التوصل إليه مؤخراً.
الساحة الثانية: هي الجبهة السورية، وفشل القيادة السورية الجديدة والمؤقتة في السيطرة على البلاد وحماية حدودها، وتثبيت الأمن في الداخل السوري، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين السوريين؛ فإسرائيل تحتل معظم الجنوب السوري، علاوة على هضبة الجولان وجبل الشيخ، وتزايد حدة المؤشرات التي تتحدث عن تصعيد متسارع لحركات مقاومة وطنية إسلامية وقومية أدت إلى تزايد عمليات الهجوم على قوات الاحتلال الإسرائيلي وإلحاق خسائر في صفوفها جرى التكتم عليها.
أما الشمال السوري فيعيش حالة من الغليان بسبب الصراع الطائفي المتجدد، وفشل الدولة في التعامل مع جميع مكوناتها الشعبية على قدم المساواة، وتقديم نفسها كدولة لطائفة وليس كمظلة لجميع الألوان.
ولعل الضغوط الأمريكية على القيادة السورية الجديدة للتدخل في المستنقع اللبناني تحت عنوان المواجهة مع “حزب الله” بهدف نزع سلاح قواته، وتفكيكه تسريعاً لتطبيق المخطط الثلاثي المشترك: الإسرائيلي الأمريكي والدولة اللبنانية الرسمية، والسؤال هو: هل سينجح الضغط الأمريكي التجويعي لسورية الجديدة في إجبار قيادتها للانزلاق إلى هذا المستنقع، وكيف سيكون الرد في حال عدم التجاوب سريعاً مع هذه الضغوط.
الساحة الثالثة: هي جبهة الحدود الأردنية الإسرائيلية حيث تتصاعد المخاوف الإسرائيلية من حدوث اقتحام لها من قبل فصائل المقاومة المدعومة إيرانيّاً، خاصة انطلاقاً من الجنوب وبالتحديد من “أم الرشراش” (إيلات)، والحدود الشرقية مع الاردن، وأخيراً الحدود الشمالية مع سورية، فالفصائل المدعومة إيرانيّاً على هذه الجبهات الثلاث، وخاصة حركة “أنصار الله” وكتائب النجباء وحزب الله العراق، التي رفضت تسليم سلاحها للدولة العراقية شرقاً، والمقاومة الإسلامية والقومية السورية في مناطق درعا وريف السويداء.
إيلي لانكري رئيس بلدية إيلات حذّر من هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) جديد يستهدف المدينة انطلاقاً من الحدود الأردنية الشرقية المقابلة، وغزو بري موسع يتم الإعداد له على نار ملتهبة.
مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية ما زالت “جنيناً”، وتتسم بالكثير من الهشاشة بسبب القضايا الصعبة التي جرى تأجيلها مثل الملفين الإيرانيين الأكثر تعقيداً، ويتمثلان في البرنامج النووي، والآخر الصاروخي العسكري، ومن غير المتوقع أن يتم التوصل إلى اتفاق حولهما في مفاوضات هدنة الشهرين، فإذا كانت مفاوضات استمرت عامين في الملف النووي وحده لم تحقق أي تقدم، فهل ستنجح مفاوضات الشهرين؟ فإيران تعتبر الملفين خطاً أحمر لا يجب تقديم أي تنازلات فيهما باعتبارهما عمق مبدأ السيادة الإيرانية.
الانتصار الإيراني لم يعد محصوراً بالجغرافيا الإيرانية، وإنما بات يشمل المحيط الإقليمي كله تقريباً، فالسيطرة والسيادة على مضيق هرمز تأكدت بتشكيل مؤسسة لإدارته بالتنسيق مع سلطنة عُمان، الدولة الأخرى المشاطئة للمضيق، لإدارة شؤونه، وفرض الرسوم على السفن العابرة للمضيق، ولكن تحت اسم خدمات، والأهم من ذلك بداية فك التجميد للأرصدة الإيرانية في البنوك الأمريكية والقطرية ابتداءً من مرحلة أولى بـ12 مليار دولار، ولا ننس رفع أمريكا الحصار البحري عن جميع المدن الإيرانية مجرد فتح إيران لمضيق هرمز.
غرب آسيا، وليس الشرق الأوسط، يقف الآن أمام مرحلة تغيير استراتيجي جذري، فمرحلة ما بعد الانتصار الإيراني والهزيمة الأمريكية الكبرى تختلف كلياً عن مرحلة ما قبله على الصعد كافة، ومن سيعيد رسم خرائط القوة والجغرافيا ليس بنيامين نتنياهو، ولا دونالد ترامب، وإنما القوى الوطنية الجديدة الإسلامية والعربية، انطلاقاً من الساحات الثلاث المذكورة آنفاً.. والأيام بيننا.