اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الحاج حسن: اتفاق الإطار "عار وذل ومهانة".. والسلطة تضحي بسيادة لبنان 

مقالات

حين قال دولته:
🎧 إستمع للمقال
مقالات

حين قال دولته: "لن يمر"...

296

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

أعلن دولة الرئيس نبيه بري أن اتفاق الإطار "لن يمر ولن يُطبق"، مع تركيزه على أن الاتفاق يهدد الوحدة الداخلية ويخالف السياق العربي والدولي، كما استعاد بصورة غير مباشرة تجربة اتفاق 17 أيار 1983، مشيداً بالمواقف الرافضة للاتفاق.

لم يكن تصريح رئيس مجلس النواب نبيه بري بأن اتفاق الإطار "لن يمر ولن يُطبق" مجرد إعلان موقف سياسي جديد، بل بدا أقرب إلى رسم خط أحمر في لحظة ظن كثيرون أن قطار الاتفاق قد تجاوز مرحلة الاعتراض. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا رفض بري الاتفاق؟ بل لماذا اختار هذا التوقيت بالذات ليعلن رفضاً بهذه الحدة؟

خلال الأسابيع الماضية، مضت الحكومة اللبنانية في مسار تفاوضي انتهى إلى توقيع اتفاق حمل في طياته تنازلات جوهرية تتصل بالترتيبات الأمنية والسياسية وآليات التنفيذ والرقابة. وقد بدا وكأن السلطة التنفيذية قررت الانتقال إلى مرحلة جديدة، معتمدة على الضغوط الدولية والرعاية الأميركية لإضفاء شرعية سياسية على الاتفاق.

إلا أن موقف الرئيس بري أعاد خلط الأوراق بالكامل.

فاللافت أن الرجل لم يكتف برفض الاتفاق، بل وصفه بأنه غير قابل للحياة، معتبراً أنه لا ينسجم مع البيئة العربية ولا مع التوازنات الداخلية اللبنانية، وأن الخطر الأكبر لا يكمن في بنوده فقط، بل في ما قد يولده من انقسام داخلي وفتنة سياسية ومذهبية.

هذا التوقيت يحمل أكثر من رسالة.

الرسالة الأولى موجهة إلى الداخل اللبناني، ومفادها أن الحكومة لا تستطيع وحدها رسم الخيارات الاستراتيجية للدولة إذا كانت تفتقد إلى غطاء وطني واسع. فلبنان، بحكم نظامه السياسي، لا تُصنع فيه التحولات الكبرى بالأكثرية الحكومية، بل بالتوافق بين مراكز القرار الأساسية.

أما الرسالة الثانية، فهي إلى واشنطن و"تل أبيب"، ومضمونها أن التوقيع لا يعني التنفيذ، وأن أي اتفاق لا يحظى بشرعية سياسية وشعبية واسعة قد يتحول إلى وثيقة معلقة أكثر منه إلى مسار قابل للتطبيق.

وتبدو الإشارة المتكررة إلى اتفاق 17 أيار ذات دلالة خاصة. فبري يستحضر تجربة اتفاق سقط رغم توقيعه الرسمي، ليقول إن التاريخ اللبناني مليء باتفاقات وُلدت على الورق، لكنها عجزت عن الصمود أمام التوازنات الداخلية. إنه تذكير بأن المشكلة في لبنان ليست دائماً في صياغة الاتفاقات، بل في البيئة السياسية التي يُفترض أن تحتضنها.

ومن زاوية أخرى، يمكن فهم التصعيد باعتباره محاولة لاستعادة زمام المبادرة بعد أن بدا أن القرار انتقل بالكامل إلى السلطة التنفيذية. فإعلان الرفض في هذه المرحلة يعيد المجلس النيابي والقوى السياسية المؤثرة إلى قلب المشهد، ويؤكد أن الطريق إلى أي تسوية لا يمر عبر التوقيع وحده، بل عبر ميزان القوى الداخلي أيضاً.

كذلك، فإن تركيز بري على خطر "الفتنة" يكشف أن معركته ليست قانونية أو دستورية فحسب، بل اجتماعية وسياسية. فهو يحاول نقل النقاش من حدود الاتفاق نفسه إلى نتائجه المحتملة على السلم الأهلي، في محاولة لتشكيل جبهة وطنية عريضة تعارض الاتفاق تحت عنوان حماية الاستقرار الداخلي، لا تحت عنوان الاصطفاف التقليدي بين مؤيد للمقاومة ومعارض لها.

لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا الموقف يضع الحكومة أمام مأزق حقيقي. فإذا أصرت على تنفيذ الاتفاق، فإنها تدخل في مواجهة سياسية داخلية مع رئيس المجلس وقوى وازنة. وإذا تراجعت، فإنها ستواجه ضغوطاً خارجية كبيرة، خصوصاً من الجهات الراعية للاتفاق. وبذلك، يصبح لبنان أمام اختبار معقد بين الالتزامات الخارجية والتوازنات الداخلية.

في المحصلة، يبدو أن تصريح الرئيس نبيه بري لم يكن نهاية السجال، بل بدايته. فهو أعلن عملياً أن المعركة انتقلت من طاولة التفاوض إلى الساحة اللبنانية، وأن الاتفاق الذي وُقِّع في الخارج سيخضع الآن لاختبار الشرعية السياسية في الداخل.

ولهذا، فإن عبارة "لن يمر" لا ينبغي قراءتها باعتبارها شعاراً سياسياً فقط، بل إعلاناً بأن لبنان دخل مرحلة جديدة من الصراع حول هوية التسوية وحدودها، وأن ما بعد التوقيع قد يكون أكثر تعقيداً من التفاوض نفسه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة