اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي نادي الأسير الفلسطيني: الاحتلال يواصل استهداف الطلبة في الضفة الغربية خلال الامتحانات

نقاط على الحروف

المجدُ لمن قال لا
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

المجدُ لمن قال لا

105

ليس ما جرى في واشنطن حدثًا منفصلًا عن سياق تاريخي طويل، بل هو امتداد لمحاولات متكررة لفرض تسويات غير متكافئة على لبنان، تحت ضغط الاحتلال والداعمين له. وما يُطرح اليوم يعيد إلى الذاكرة مباشرة ما سُمّي "اتفاق 17 أيار 1983"، حين حاولت السلطة آنذاك تثبيت معادلة سياسية وأمنية مع كيان الاحتلال، تحت عنوان "ترتيب الوضع"، لكنه كان في جوهره محاولة لشرعنة وجود الاحتلال وتقييد قرار لبنان السيادي.

ذلك الاتفاق لم يُكتب له أن يعيش؛ لم يسقط في البيانات ولا في الغرف الدبلوماسية، بل سقط على الأرض تحت ضغط موقف شعبي وسياسي واسع، وتحت ثقل دمٍ دفعه الشرفاء في مواجهة مشروع أراد تحويل الاحتلال إلى أمرٍ واقع مُقنّن. وكان واضحًا منذ البداية أن أي اتفاق يتجاهل ميزان القوة الحقيقي، ويتجاوز حق الناس في الدفاع عن أرضهم، هو اتفاق بلا قابلية للحياة مهما حاولت القوى الراعية فرضه.

اليوم، يعاد إنتاج المنطق نفسه بصيغة مختلفة وظروف مختلفة، لكن الجوهر واحد: محاولة فرض تسوية مع العدو من دون إنهاء أصل الصراع، ومن دون الاعتراف الكامل بحقوق لبنان في أرضه وسيادته وقراره. وهذا بحد ذاته ليس "تقدمًا سياسيًا"، بل انحدار نحو تكريس معادلة مختلّة تُحوّل الاحتلال من حالة مواجهة إلى طرف في تفاهمات.

إنّ رفض هذا المسار ليس موقفًا ظرفيًا، بل امتداد لوعي سياسي تشكّل عبر عقود من التجربة. فلبنان الذي أسقط اتفاق 17 أيار، لم يسقطه بالشعارات، بل بإرادة صلبة عبّرت عنها قوى المقاومة والشعب في الجنوب وكل مناطق المواجهة، حيث كان الدم هو اللغة الأوضح في رفض التطبيع مع الاحتلال. هناك، في تلك المرحلة، تبيّن أن أي محاولة لفصل القرار السياسي عن حقيقة الصراع على الأرض، محكوم عليها بالفشل مهما طال الزمن.

المسألة اليوم ليست في الشكل القانوني للاتفاق، ولا في العناوين التي يُزيَّن بها، بل في المضمون السياسي العميق: هل يُراد للبنان أن يبقى في موقع المواجهة والمقاومة مع الاحتلال كحالة رفض سيادي، أم أن يُعاد إدخاله في مسار تطبيع تدريجي يُفرغ الصراع من جوهره ويحوّله إلى إدارة مصالح؟

التجربة تقول بوضوح إن كل تسوية تُبنى خارج معادلة العدالة، وخارج ميزان القوة الحقيقي، تتحول إلى عبء إضافي على الدولة والمجتمع، وإلى مدخل لابتزاز دائم. وهذا ما يجعل استحضار اتفاق 17 أيار ليس استذكارًا تاريخيًا فقط، بل تحذيرًا سياسيًا من إعادة إنتاج الخطأ نفسه بأدوات جديدة.

في المقابل، تبقى المقاومة بكل ما تمثله من مشروع دفاعي وسيادي، هي العامل الذي منع تثبيت تلك المعادلات سابقًا، وهو نفسه الذي يفرض اليوم وجوده كقوة موازنة في أي نقاش يتعلق بمصير البلد. فهي لم تكن يومًا تفصيلًا عسكريًا، بل كانت وما تزال تعبيرًا عن قرار اجتماعي وسياسي يرفض تحويل لبنان إلى ساحة مستباحة أو إلى تابع في معادلات الإقليم.

إنّ الجنوب، الذي قدّم عبر سنوات طويلة أثمانًا باهظة، لم يكن مجرد جغرافيا متضررة، بل كان مركز اختبار حقيقي لمعنى السيادة. فيه سقطت مشاريع كثيرة، ليس لأنها كُتبت بشكل سيئ، بل لأنها اصطدمت بحقيقة بسيطة: لا يمكن فرض الاستقرار بوجود الاحتلال، ولا يمكن تحويل التنازل إلى حلّ دائم.

من هنا، يصبح الموقف من أي اتفاق مع العدو، امتدادًا لسؤال واحد واضح: هل يتعلم لبنان من تجربة 17 أيار التي سقطت بوعي الناس ودمائهم، أم يُراد له أن يعيد الدوران في الحلقة نفسها بأسماء جديدة وصيغ مختلفة؟
إنّ منطق التاريخ في هذا البلد كان واضحًا: ما يُفرض بالقوة لا يستقرّ عليه، وما يُبنى على إنكار حقوق الناس لا يتحول إلى سلام، بل إلى أزمة مؤجلة. ولذلك، فإن استحضار تلك المرحلة ليس للنوستالجيا السياسية، بل لتثبيت قاعدة أساسية: السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأي اتفاق لا يعترف بهذه الحقيقة يبقى هشًّا مهما تزيّن.

المجد لمن قال لا، كما قيلت في 17 أيار، وكما تُقال اليوم، وكما ستبقى تُقال كلما حاول أحد أن يمرّر تسوية على حساب الأرض والكرامة والدم.

الكلمات المفتاحية
مشاركة