مقالات
كاتب من مصر
تزامنًا مع مستجدات ومشاهد غير معتادة، مثل الخلاف العلني الذي اقترب من التلاسن بين أميركا والعدو "الإسرائيلي"، والالتزام "الإسرائيلي" غير المسبوق بوقف إطلاق النار بأوامر أميركية صارمة، خوفًا من الجدية الإيرانية بإنهاء التفاوض الذي سعى إليه الأميركيون، خرج الشيخ نعيم قاسم ليعلن عنوان المرحلة الراهنة، ملخصًا إياه في عبارة "كسر المشروع "الإسرائيلي".
وبحكم عادة العدو، فقد لفت الشيخ نعيم إلى أن الأعداء سيحاولون تكرار المحاولة والتجربة، ولكن المقاومة بالمرصاد.
وما وجدناه من اتفاق إطاري في واشنطن، وما أعقبه من زهو للعدو وادعاء بأنه أخرج إيران والمقاومة من المعادلة، هو أكبر مصداق لأن إيران والمقاومة كسرتا المشروع "الإسرائيلي"، وأجبرتاه على الالتفاف عبر قنوات بديلة، وأن الزهو ما هو إلا غطاء لاتهامات الفشل والأزمة الاستراتيجية والبنيوية للكيان ولصميم التحالف الصهيو-أميركي، وأن صراخ العدو جاء على قدر الألم.
وهنا لا بد من إلقاء الضوء على طبيعة هذا المشروع "الإسرائيلي" ومقوماته وموقع لبنان فيه، وبالتالي كيف جرى كسره، وذلك عبر عناوين مختصرة.
أولًا: المشروع "الإسرائيلي" وطبيعته ومقوماته
باختصار شديد، فإن المشروع "الإسرائيلي" هو مشروع "إسرائيل الكبرى"، وهو مشروع لم يغادر الطموحات الصهيونية، ولا أدراج مكاتب المخططين الصهاينة، ولا رعاتهم من القوى الاستعمارية الكبرى.
وهذا المشروع لا يتقيد بحدود جغرافية ولا نطاقات أمنية، ولكنه مشروع توسعي يتقيد فقط بتوازنات القوى.
ونظرًا للطبيعة التوسعية، فإن الصهاينة يسعون دومًا لكسر التوازنات وتعزيز الردع، والقضاء على أي بؤرة للمقاومة، سواء في الداخل المحتل، أو في المحيط.
والعدو الأول لهذا المشروع الصهيوني هو المقاومة وثقافتها ونزعة الاستقلال الوطني، لأن "إسرائيل الكبرى" لا تقوم على السيطرة العسكرية فقط، حيث يفوق النطاق الجغرافي للمشروع طاقة العدو "الإسرائيلي" بشريًا وعسكريًا، وإنما يقوم المشروع على مزيج من السيطرة العسكرية على الأرض، والسيطرة العابرة للحدود عبر النفوذ والردع بعيد المدى، والسيطرة على الحكومات الضعيفة الخائفة المستسلمة.
ومن هنا كانت المقاومة وثقافتها هي العدو الأول، لأنها تجهض المشروع العسكري عبر المقاومة المسلحة على الأرض، وتسقط الردع والنفوذ عبر مقاومة ثقافة الاستسلام والخضوع.
ثانيًا: موقع لبنان في هذا المشروع
ولبنان جزء أصيل في مشروع "إسرائيل الكبرى"، لأسباب عامة وأسباب خاصة.
وتتلخص الأسباب العامة في كون لبنان دولة من دول الطوق، مثلها مثل سورية ومصر والأردن والداخل الفلسطيني، التي يسعى الكيان إلى تدجينها والقضاء على مقاومتها وأي تهديدات تأتي من جانبها، بينما تتمثل الأسباب الخاصة في المطامع التاريخية في احتلال الجنوب، ونهب الثروات النفطية، ومطامع المياه في الليطاني والحاصباني والوزاني، وهي مطامع معلنة وموثقة.
ورغم أن الكيان عند نشأته قد استهان بلبنان لدرجة أنه خطط لبناء قاعدته الصناعية في الجليل باعتبارها جبهة آمنة، إلا أنه فوجئ بأن المقاومة التي ولدت في لبنان هي أكبر وأقوى حركة مقاومة، ما جعل تصفيتها مشروعًا مستقلًا شن من أجله الحرب تلو الأخرى، باعتبار تصفيتها شرطًا أساسيًا لتنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى".
ثالثًا: الأطراف الفاعلة
ولا شك في أن الكيان "الإسرائيلي" هو مشروع وظيفي للاستعمار، ويرغب الاستعمار في توسيع قاعدته، وهو ما جعل مشروع "إسرائيل الكبرى" مشروعًا استراتيجيًا لأميركا والغرب عمومًا، باعتبار التمدد "الإسرائيلي" هو تمدد للنفوذ والمصالح الغربية، وهو سر العلاقة البنيوية بين أميركا والكيان.
والطرف المقابل في مواجهة هذا المشروع هو محور المقاومة الذي تقوده الجمهورية الإسلامية، وهذا هو سبب استهدافها منذ اليوم الأول لنجاح ثورتها، وقد استمر الاستهداف بالحصار والمؤامرات الهادفة إلى قلب نظام الحكم، ثم الاغتيالات، إلى أن جاء الدور إلى العدوان المباشر في لحظة ظن فيها العدو الأميركي و"الإسرائيلي" أنها مواتية لتنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى"، بعد حرب الإبادة في غزة وسط تخاذل عربي غير مسبوق، وبعد ضربات مؤلمة وُجِّهت إلى جبهات المقاومة، تمثل أكبرها في اغتيال الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، وسقوط النظام في سورية، وهو ما جعل مجرم الحرب نتنياهو يخرج متعجلًا بالإعلان عن هزيمة محور المقاومة، وحاملًا خرائط "إسرائيل الكبرى"، وسط صمت واستسلام الأنظمة العربية، بل وتواطؤ عدد منها صراحة مع الكيان.
رابعًا: كيف تم كسر المشروع؟
وبالنظر إلى أعمدة هذا المشروع، التي تقوم على تصفية حركات المقاومة وإسقاط النظام الإقليمي الراعي لها والمتمثل في نظام الجمهورية الإسلامية، فإن مجرد بقاء حركات المقاومة، ومجرد بقاء نظام الجمهورية الإسلامية، هو إفشال لهذه الهجمة الشرسة.
ولكن الكسر الحقيقي لم يكن مجرد البقاء، بل تمثل في ثبوت قوة المقاومة واقتدارها، فقد منعت المقاومة في لبنان تمركز العدو في مناطق احتلاله، وجعلته يبرر فشله بالحديث عن السيطرة النيرانية بدلًا من السيطرة بالقوات على الأرض، كما كبدت العدو خسائر كبرى في جنوده وضباطه ودباباته، واستطاعت تهديد أمن الشمال، بما شكل نزوحًا وضغطًا على العدو، وهو ما رفع كلفة مغامرته في لبنان.
واستطاعت إيران توجيه صفعات كبرى إلى الراعي الرئيسي للكيان ومشروعه، واستطاعت السيطرة على أهم مضائق العالم استراتيجيًا، ووزعت كلفة العدوان الأميركي الصهيوني على العالم بأسره، وهو ما أفشل العدوان.
كما استطاعت إيران تدشين معادلة جديدة قوامها إغلاق مضيق هرمز عند أي عدوان على أي طرف من حلفاء المقاومة، وأصبح العدوان على لبنان يشكل كلفة دولية، لا كلفة لأميركا والعدو "الإسرائيلي" فقط، ناهيك عن استهداف العمق الصهيوني بالصواريخ في حال التمادي في العدوان "الإسرائيلي".
هنا انقلب السحر على الساحر، وأصبح الكيان عبئًا على أميركا ومصالحها بدلًا من كونه خادمًا وظيفيًا لها، وفرضت قيود رادعة لأي مساس بالمقاومة، وبالتالي انتقلنا من مرحلة الحلم الصهيوني بتصفيتها إلى مرحلة الحذر من أي مساس بها.
وبالنظر إلى تفاعلات الانتصار الاستراتيجي لمحور المقاومة في الداخل الأميركي و"الإسرائيلي"، والتهديد الواقعي لمستقبل الكيان ومستقبل الهيمنة الأميركية، فإن أقصى طموح لأميركا هو الحفاظ على بعض تحالفاتها وبعض نفوذها، وأقصى طموح للكيان هو الحفاظ على جبهته الداخلية، ولملمة سمعته، والهروب من شبح الانهيار والزوال، ولم يعد لمشروع "إسرائيل الكبرى" محل ولا مسوغ ولا قدرة في الوضع الاستراتيجي الراهن.
ولا شك أن الفتنة التي يسعى إليها الأعداء، وهذه المراوغات والالتفافات، ستصطدم بخيار المقاومة، لأنه تخيير بين السلة والذلة، ورد المقاومة على ذلك معروف سلفًا: "هيهات منا الذلة".