اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي مفاوضات بلا ثمار: العدو يُضاعف العراقيل والسلطة اللبنانية تنتظر

مقالات

كسر سطوة أميركا.. من كاراكاس إلى طهران
🎧 إستمع للمقال
مقالات

كسر سطوة أميركا.. من كاراكاس إلى طهران

عندما تتحول القوة العسكرية من أداة للهيمنة إلى اختبار لحدودها
185

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

كان مشهد الولايات المتحدة وهي تعتقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦، ثم تفرض نفوذها المباشر على قطاع النفط الفنزويلي، كافيًا لإعطاء الانطباع بأن العالم دخل مرحلة جديدة من الهيمنة الأميركية المباشرة. لم تعد واشنطن تكتفي بالعقوبات والضغوط الاقتصادية، بل بدت وكأنها تقول إن بإمكانها إسقاط رأس السلطة، والسيطرة على الموارد، وفرض قواعد اللعبة، ثم الانتقال إلى ملف آخر.

وقد عزز هذا الانطباع اعتقادٌ "إسرائيلي" ــ أميركي بأن إيران يمكن أن تواجه المصير نفسه: ضربة عسكرية ساحقة، استهداف القيادة العليا، شلُّ مراكز القرار، ثم انهيار النظام من الداخل خلال فترة قصيرة.

لكن إيران قدمت الاختبار الأصعب لهذه النظرية. فاغتيال الإمام السيد علي الخامنئي في العدوان الأميركي ــ "الإسرائيلي" في ٢٨ شباط/فبراير لم يؤدِّ إلى انهيار الدولة الإيرانية. وعلى الرغم من الضربة الهائلة التي تلقتها القيادة الإيرانية، استمرت مؤسسات الدولة والجيش والحرس الثوري في العمل، وانتقلت السلطة إلى قائد جديد. وهذا بحد ذاته كان أول مؤشر على أن الحسابات التي تقوم على فكرة أن إسقاط رأس النظام يعني إسقاط النظام نفسه كانت حسابات ناقصة.

وهنا تكمن أهمية الحرب الإيرانية بالنسبة إلى مستقبل النظام الدولي.

المشكلة لم تكن في القدرة على الضرب

لا يمكن إنكار التفوق العسكري الأميركي. فالولايات المتحدة تستطيع تدمير منشآت، واغتيال قيادات، وتعطيل بنى تحتية، واستخدام قوة جوية وبحرية لا تملكها معظم دول العالم. لكن التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة القدرة على تحقيق النصر السياسي. وهذه هي النقطة التي بدأت تظهر بوضوح في الحرب على إيران.

فالهدف الاستراتيجي من الحرب لم يكن مجرد إلحاق أضرار بإيران، بل تغيير النظام فيها، وتقييد قدراتها. إلا أن استمرار النظام، واستمرار قدرته على الرد، وتحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط استراتيجية، كلها عوامل جعلت واشنطن أمام معضلة لم تكن موجودة في حساباتها الأولى.

لقد اكتشفت الولايات المتحدة أن ضرب دولة كبيرة مثل إيران ليس كالقيام بعملية خاطفة ضد دولة منهكة أو معزولة. إيران ليست مجرد قيادة سياسية يمكن قطع رأسها، إنها دولة ذات مؤسسات، وجغرافيا واسعة، وقدرات صاروخية، وبنية عسكرية موزعة، وشبكة من أدوات القوة الإقليمية، والأهم أنها تمتلك القدرة على تحويل الجغرافيا الاقتصادية للعالم إلى سلاح سياسي.

هرمز: المفاجأة التي قلبت الحسابات

هنا يأتي مضيق هرمز. فهذا الممر البحري ليس مجرد ممر مائي إقليمي، إنه أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي. وقد خلص تحليل لمعهد "بروكينغز" إلى أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب في وضع أسوأ مما كانت عليه قبلها، فيما أصبحت إيران تملك نفوذًا قويًا على المضيق الذي تمر عبره نسبة ضخمة من إمدادات النفط العالمية.

والأهم أن واشنطن، بدلًا من أن تنهي مشكلة هرمز بسرعة، وجدت نفسها تفاوض حول كيفية إعادة فتحه.

وفي الأيام الأخيرة، بقيت مسألة فتح المضيق عالقة، بينما أعلنت إيران أن إعادة فتحه مرتبطة بشروط تتصل بوقف الحرب والتعويضات ورفع العقوبات وانسحاب القوات الأميركية. وفي المقابل، بقيت أسواق النفط رهينة هذا التجاذب. وهنا تتحول المسألة من انتصار عسكري إلى معادلة استراتيجية مختلفة تمامًا:

ماذا تفعل القوة العظمى عندما تستطيع تدمير خصمها، لكنها لا تستطيع إجباره على تقديم التنازل الذي تريد؟

هذا هو السؤال الحقيقي.

من الردع إلى الاستنزاف

القوة الأميركية قامت لعقود على معادلة بسيطة: تستطيع الولايات المتحدة أن تبدأ الحرب، وتستطيع أن تضرب بقوة، وتستطيع أن ترفع كلفة المواجهة إلى مستوى لا يستطيع خصمها تحمله.

لكن الحرب الإيرانية أظهرت مشكلة جديدة: ماذا لو أصبح الطرف الأضعف قادرًا على جعل كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة التراجع؟ 

هنا يبدأ الاستنزاف. فالولايات المتحدة لا تقيس الحرب بعدد الصواريخ التي أطلقتها أو المنشآت التي دمرتها فقط. عليها أن تحسب كلفة حماية قواعدها وقواتها، وتأمين الملاحة، وحماية حلفائها، وإدارة أسعار النفط، ومنع اتساع الحرب، والحفاظ في الوقت نفسه على صورتها كقوة قادرة على فرض إرادتها.

كلما طال أمد الحرب، أصبح السؤال أكثر إحراجًا: من يستنزف من؟ وإذا كانت واشنطن تضطر بصورة متكررة إلى التهديد بضربة مدمرة ثم تتراجع عن تنفيذها، فإن المشكلة لا تعود عسكرية فقط، بل تصبح مشكلة مصداقية وردع.
فالردع لا يقوم على حجم القوة وحده، وإنما على اقتناع الخصم بأن التهديد سيُنفذ عندما تتوافر شروطه.

أخطر ما في الحرب: سقوط صورة (القدرة المطلقة)

ربما يكون هذا هو الأثر الأعمق للحرب.لم تعد المسألة أن إيران انتصرت عسكريًا بالمعنى التقليدي، فهذا توصيف مبسط لحرب معقدة. المسألة أن إيران أثبتت أن التفوق العسكري الأميركي لا يعني تلقائيًا القدرة على فرض النتيجة السياسية. وهذا فرق جوهري. لقد كانت الولايات المتحدة طوال العقود الماضية تستفيد من شيء أكبر من حاملات الطائرات والصواريخ والطائرات: هيبة القوة الأميركية.

الدول تحسب حساب واشنطن ليس فقط لأنها تستطيع تدميرها، بل لأنها تعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على تحقيق أهدافها عندما تقرر استخدام القوة.

إذا اهتز هذا الاعتقاد، فإن جزءًا أساسيًا من القوة الأميركية يهتز معه.

ولهذا فإن أزمة هرمز أخطر على واشنطن من مجرد أزمة نفطية. فإذا استطاعت دولة تواجه الولايات المتحدة أن تجعل أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم ورقة تفاوضية في يدها، فإن الرسالة لا تصل إلى طهران وحدها.
إنها تصل إلى موسكو وبكين ونيودلهي والعواصم الأوروبية وكل دولة تعيد حساباتها حول معنى القوة الأميركية وحدودها.

الصين تراقب… وروسيا تراقب

الصين لا تحتاج إلى الدخول في الحرب حتى تستفيد استراتيجيًا من نتائجها.

يكفيها أن ترى الولايات المتحدة مضطرة إلى توزيع قدراتها بين أوروبا و"الشرق الأوسط" والمحيطين الهندي والهادئ، وأن ترى حلفاء واشنطن يواجهون أزمة طاقة وأمن، وأن تلاحظ أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة السيطرة السياسية.

أما روسيا، التي خاضت هي الأخرى تجربة طويلة مع العقوبات والحروب والاستنزاف في حرب أوكرانيا ، فستقرأ الحرب الإيرانية من زاوية مختلفة: قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب بعيدة لا تعني قدرتها على إنهائها بالشروط الأميركية. وهذه رسالة استراتيجية بالغة الأهمية. فالولايات المتحدة كانت تتصرف في النظام الدولي باعتبارها القوة التي تستطيع الانتقال من العقوبات إلى الضربات، ومن الضربات إلى التفاوض، ثم فرض شروطها على الطاولة.

أما الآن، فإن تجربة إيران تقول إن الطرف المقابل يستطيع أحيانًا أن يرفض الاستسلام، وأن يجعل الحرب نفسها وسيلة لاستنزاف القوة العظمى. وهذا بالضبط ما يخلق العالم المتعدد الأقطاب.

أوروبا هي الحلقة الأكثر حساسية

أما أوروبا، فربما تكون الطرف الذي يقرأ هذه التطورات بأكبر قدر من القلق.

فالأوروبيون لا ينظرون إلى حرب إيران باعتبارها مواجهة بعيدة. إغلاق هرمز أو اضطراب الملاحة فيه يعني ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وضغطًا على الاقتصاد الأوروبي.

وقد بدأت المؤسسات الأوروبية بالفعل في التعامل مع أزمة حرية الملاحة في المضيق باعتبارها قضية استراتيجية، فيما فرض الاتحاد الأوروبي إجراءات مرتبطة بما وصفه بالتهديد الإيراني لحرية الملاحة.

لكن السؤال السياسي الأعمق هو: ماذا لو بدأت أوروبا تكتشف أن مصالحها ليست دائمًا متطابقة مع الحسابات الأميركية؟

كل أزمة من هذا النوع تفتح نقاشًا أوروبيًا جديدًا حول الاعتماد على واشنطن، وحول الحاجة إلى قدرة استراتيجية أوروبية أكثر استقلالًا.

ومن هنا يمكن أن تتحول الحرب الإيرانية من أزمة شرق أوسطية إلى نقطة تحول في العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة.

كسر السطوة لا يعني سقوط أميركا

لكن من الخطأ أيضًا القول إن الولايات المتحدة فقدت قوتها أو أصبحت دولة ضعيفة. هذا ليس صحيحًا.

الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أقوى منظومة عسكرية ومالية وتكنولوجية في العالم، وما زالت قادرة على إحداث دمار هائل، وما زالت تمتلك شبكة تحالفات واسعة.

لكن الفرق بين القوة والسطوة هو جوهر المسألة.

القوة هي القدرة على الضرب، أما السطوة فهي القدرة على جعل الآخرين يعتقدون مسبقًا أنهم لا يستطيعون مقاومة الضرب. وهنا تحديدًا تكمن أهمية التجربة الإيرانية.

فإذا أثبتت الحرب أن الولايات المتحدة تستطيع إلحاق أضرار هائلة بإيران، لكنها لا تستطيع بسهولة إسقاط نظامها، ولا إنهاء قدرتها على الرد، ولا فرض شروطها بشأن هرمز، فإن شيئًا مهمًا يكون قد تغير في ميزان الإدراك العالمي. وهذا أخطر من خسارة معركة عسكرية.

من هنا، فإن العالم بعد إيران ليس كما كان قبلها. ما يجري لا يعني نهاية القوة الأميركية، لكنه قد يعني نهاية مرحلة كان يُنظر فيها إلى القوة الأميركية باعتبارها قادرة على تحويل التفوق العسكري إلى إرادة سياسية متى شاءت.

لقد بدأت تلك الصورة تتآكل على مراحل: في أفغانستان، ثم في تجارب أخرى، واليوم بصورة أكثر وضوحًا في إيران. والفارق أن إيران ليست دولة هامشية في النظام الدولي. إنها دولة كبيرة، ذات موقع جغرافي حاسم، وقدرات عسكرية وصاروخية، ونفوذ إقليمي، والأهم أنها أثبتت أن إسقاط القيادة لا يعني بالضرورة إسقاط الدولة.

لقد حاولت واشنطن أن تختبر فرضية (الصدمة ثم الانهيار)، لكن النتيجة الأكثر أهمية كانت ظهور فرضية معاكسة: الصدمة يمكن أن تؤلم الدولة، لكنها لا تسقطها بالضرورة، وقد تتحول الحرب نفسها إلى أداة لاستنزاف القوة المهاجمة.

دول "الناتو" بعد هذه الحرب أعادت حساباتها في علاقتها مع أميركا، كما أن دول الخليج تأكدت أن القواعد الأميركية لم ولن تحمي، لا بل كانت سببًا لجلب الدمار إلى إليها، لذلك ستقوم هذه الدول بإعادة حساباتها أيضًا لناحية تعاملها مع أميركا. 

ومن هنا يصبح عنوان المرحلة المقبلة ليس (سقوط أميركا)، بل كسر سطوتها.

فالصين ستقرأ، وروسيا ستقرأ، وأوروبا ستقرأ، والدول التي كانت ترى في الإرادة الأميركية سقفًا لا يمكن تجاوزه ستعيد حساباتها.

وعندما تبدأ الدول في الاعتقاد بأن واشنطن تستطيع أن تضرب، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تفرض النهاية التي تريدها، فإن أساسًا من أسس الهيمنة يتغير.

السطوة الأميركية لا تسقط في يوم واحد، ولا تسقط عندما تخسر واشنطن معركة واحدة، إنها تبدأ بالانحسار عندما يفقد الآخرون خوفهم من قدرتها على فرض إرادتها.

وهنا تحديدًا تكمن الأهمية التاريخية للحرب الإيرانية: ليس لأنها أسقطت الولايات المتحدة، وإنما لأنها كشفت حدود القوة الأميركية أمام العالم.

فالعالم الذي كان يتساءل: (ماذا تريد أميركا؟) بدأ يدخل مرحلة جديدة يتساءل فيها: (ماذا تستطيع أميركا أن تفرض فعلًا؟)

وهذا هو المعنى الحقيقي لكسر السطوة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة