إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الثلاثاء 30 حزيران 2026 برصد أوضاع المنطقة في ظل التفاهم الهش بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، في مساعٍ حثيثة لضمان تنفيذ الأخيرة لالتزاماتها واستنفاد كل الطرق الدبلوماسية لذلك.
تطابق موقف إيران وعُمان
كتبت صحيفة وطن أمروز: "بعد 120 يومًا من الجهود الأميركية المكثفة والشاملة لانتزاع زمام المبادرة من إيران في السيطرة على مضيق هرمز، تلوح في الأفق مؤشرات عديدة على ضرورة أن تُقرَّ واشنطن بالواقع على الأرض، وأن تقبل بإدارة الجمهورية الإسلامية وسلطتها وسيادتها الفعلية على هذا الممر المائي الحيوي. يُعدُّ مضيق هرمز، باعتباره أهم شريان طاقة في العالم، ممرًّا يمر عبره أكثر من 20% من النفط الخام العالمي. وقد فشلت الجهود الأميركية، ولا سيما التدابير العسكرية، في تغيير موازين القوى في هذا المضيق الاستراتيجي، على الرغم من إنفاق مبالغ طائلة، في تغيير الوضع. بل على العكس، عززت طهران موقعها أكثر من أي وقت مضى بالاعتماد على قدراتها المحلية، وحربها غير المتكافئة، ودبلوماسيتها الإقليمية.
ويؤكد ضرورة قبول هذا الواقع ليس فقط المراقبون الإيرانيون، بل أيضًا المحللون المستقلون والخبراء الدوليون، وحتى وسائل الإعلام الأميركية البارزة. حتى وسائل الإعلام التي تتبنى السياسة الخارجية الأميركية العامة أشارت في تقاريرها الأخيرة إلى أنه، خلافًا لمزاعم البيت الأبيض الأولية، احتفظت إيران بزمام المبادرة. يُظهر هذا الاعتراف تناقضًا واضحًا بين الرواية الرسمية لواشنطن والواقع الجيوسياسي للخليج.
[...] على الرغم من الادعاءات المتكررة من ترامب ومسؤولين أميركيين بهزيمة إيران في الحرب الأخيرة، وخاصة في مضيق هرمز، فإن وسائل الإعلام الأميركية تقترب تدريجيًّا من الواقع على الأرض، وتُقرُّ بأن إيران هي المنتصرة في معركة مضيق هرمز. ويكمن سبب ذلك في مراجعة دقيقة للأحداث التي جرت خلال الأشهر الأربعة الماضية.
منذ بداية الحرب المشؤومة التي شنَّها التحالف الأميركي الصهيوني ضد بلادنا، والتي تزامنت مع سيطرة إيران الفعلية على مضيق هرمز، سعت واشنطن جاهدةً لانتزاع السيطرة على المضيق من إيران عبر مزيج من التهديدات واللجوء إلى القوة العسكرية، إلا أن مجريات الحرب التي استمرت أربعين يومًا أثبتت استحالة تحقيق هذا الهدف. خلال هذه الحرب، نفَّذت الولايات المتحدة عدة عمليات مباشرة لعرقلة حركة الملاحة التي تسيطر عليها إيران، لكنها واجهت في كل مرة ردودًا دقيقة وغير متكافئة من القوات المسلحة الإيرانية. ومن أبرز هذه الجهود خطة ترامب العبثية المسماة "مشروع الحرية"، والتي كان الهدف منها إنشاء طريق بديل آمن وإخراج إيران من سيطرتها على مضيق هرمز. لم تستمر هذه العملية سوى ساعات قليلة، وفشلت بسبب رد إيران، وتم إيقافها سريعًا.
[...] على الرغم من كل الجهود الأميركية لإنشاء مسار بديل موازٍ للمسار الذي حددته طهران، يبدو أن السفن التجارية والسفن العابرة لا تزال تُولي اهتمامًا لتحذيرات القوات المسلحة الإيرانية بدلًا من خطط واشنطن. وهذا يدل على عمق النفوذ الإيراني الفعلي في إدارة مضيق هرمز. بالأمس، تم بث فيلم من إنتاج البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، حُذِّرت فيه السفن الموجودة شرق وغرب المضيق من أنها ستتحمل المسؤولية الكاملة عن أي عبور دون إذن أو عبر مسارات غير مصرح بها.
ومباشرةً بعد هذه التحذيرات، أفادت وكالة الإذاعة الإيرانية بزيادة ملحوظة في عدد طلبات العبور عبر المسار الذي حددته إيران. وتُعدُّ هذه الزيادة في الطلب مؤشرًا عمليًّا على قبول الفاعلين الاقتصاديين وقطاع الشحن الدولي لقواعد اللعبة، وتُظهر أن جهود الولايات المتحدة لتجاوز الإدارة الإيرانية لم تُثمر.
[...] في هذا السياق، أكدت عُمان، التي تعرضت في الأيام الأخيرة لضغوط من الولايات المتحدة لتحييد مراقبة إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز، رسميًّا موقف إيران بشأن السيادة وحقها في إدارة المضيق. وأعلنت وزارة الخارجية العُمانية أمس عن انعقاد الاجتماع الأول للجنة العُمانية الإيرانية المشتركة المعنية بمضيق هرمز في مسقط، حيث جرى بحث وجهات نظر الجانبين حول مستقبل إدارة هذا الممر المائي.
وفي تصريحات هامة، أكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أن مسقط لا تؤيد تلقي "إيرادات" مباشرة من مضيق هرمز، ولكنها ستناقش آليات تتعلق بتكاليف الخدمات البحرية، وسلامة الملاحة، وحالات الطوارئ، ومكافحة التلوث، على غرار نماذج مضيق ملقا وسنغافورة.
ويتوافق هذا الموقف بوضوح مع نهج إيران، الذي يؤكد على ضرورة دفع تكاليف الخدمات وتوفير الأمن للسفن العابرة.
في غضون ذلك، يمكن اعتبار اجتماع اللجنة الإيرانية العُمانية المشتركة مؤشرًا على تفعيل المادة الخامسة من مذكرة التفاهم. لم تكتفِ طهران ومسقط بمتابعة تنفيذ بنود التفاهم، بل خطتا خطوةً أبعد ودخلتا مرحلة وضع ترتيبات مستقبلية للإدارة المستدامة لمضيق هرمز. وبناءً على هذه العملية، من المتوقع أن تدفع السفن العابرة تدريجيًّا تكاليف خدمات المضيق.
مع ذلك، كان من أبرز النقاط في خطاب البوسعيدي رده على طلب فرنسا وبريطانيا ضمان أمن المضيق وإزالة الألغام. وقد صرَّح وزير الخارجية العُماني بوضوح أن المسؤولية الرئيسية عن هذه الأمور تقع على عاتق إيران.
إن مجمل التطورات التي شهدتها الأشهر الأربعة الماضية، بدءًا من فشل العمليات العسكرية في مضيق هرمز وتفوق إيران غير المتكافئ في الخليج، وصولًا إلى تغيير حسابات الدول المجاورة، وانتهاءً بزيادة امتثال شركات الشحن الدولية الكبيرة والمهمة للقواعد الإيرانية، يُظهر أن مضيق هرمز يخضع أكثر من أي وقت مضى للإدارة الفعلية لطهران، ومن ناحية أخرى، لم تتمكن الولايات المتحدة من تغيير هذه المعادلة!".
تباهي المقامر
كتبت صحيفة همشهري: "على الرغم من تصريح ترامب بإمكانية العودة إلى الحرب مع إيران، هل تستطيع الولايات المتحدة في الواقع أن تقرر العودة إلى الحرب مع إيران؟ سنبحث في إجابة هذا السؤال بالرجوع إلى القيود الستة التي وضعتها إدارة ترامب على العودة إلى الحرب:
1.ضعف القواعد الأميركية في المنطقة: ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن العديد من القواعد الأميركية في البحرين ودول الخليج الأخرى تعرضت لأضرار جسيمة، وأن الولايات المتحدة مضطرة إلى إنفاق مبالغ طائلة لإعادة بناء قواعدها المتضررة جراء الهجمات الصاروخية الإيرانية. وقال ماكنزي إيجلين، الرئيس الثاني للجنة الوطنية لمستقبل البحرية في الكونغرس الأميركي: إن الأضرار التي لحقت بجميع القواعد الأميركية في المنطقة كشفت عن "نقاط ضعف وهشاشة شاملة" للولايات المتحدة.
2.إمكانية إغلاق مضيق هرمز مجددًا: إن إغلاق مضيق هرمز مجددًا من شأنه أن يزيد من خطر حدوث ركود اقتصادي عالمي يقارب مستوى الركود الكبير عام 2008. تمكنت إيران من ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية كبيرة على الحكومة الأميركية خلال الحرب من خلال إغلاق مضيق هرمز ورفع أسعار البنزين والتضخم نتيجةً لأزمة الطاقة، فضلًا عن زيادة السخط الشعبي على ترامب في الولايات المتحدة.
3.محدودية مخزونات الذخيرة والقدرة: كانت مذكرة التفاهم الأميركية مع إيران في الواقع "وثيقة استسلام مشروط"، واضطرت واشنطن إلى قبول هذا الاتفاق نتيجةً لانخفاض قوتها العسكرية. إن إفراغ مخزونات الأسلحة الأميركية بعد الحرب مع إيران جعل واشنطن عرضةً لحرب أخرى.
4.المعارضة الشعبية والتكاليف السياسية الداخلية: وفقًا لاستطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك على مستوى البلاد، يعتقد 60% من الناخبين الأميركيين أن العمل العسكري الأميركي ضد إيران لم يكن مجديًا، وأن الشعب الأميركي غير راغب في العودة إلى الحرب. ويعتقد غالبية الأميركيين أن الحرب ضد إيران لم تحل المشكلة، بل زادت من حدة المشكلات.
5. قيود الكونغرس الأميركي: وافق مجلس الشيوخ الأميركي، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، الأسبوع الماضي على مشروع قانون يُلزم الرئيس بوقف الحرب مع إيران أو الحصول على تفويض من الكونغرس قبل استئناف العمليات العسكرية. وهذه هي المرة الأولى منذ إقرار "قانون صلاحيات الحرب" عام 1973 التي يُقر فيها مجلسا الكونغرس قرارًا مشتركًا لإنهاء عمل عسكري من قبل الرئيس. وبهذا القرار، يواجه ترامب قيودًا قانونية صارمة على العودة إلى الحرب مع إيران.
6. عدم دعم الحلفاء الأوروبيين لترامب: إن الانضمام إلى حرب شُنَّت دون إجماع دولي وخارج الإطار المتعارف عليه قد يُكبِّد الحكومات الأوروبية تكاليف سياسية وقانونية باهظة. لذا، لا ينبغي لأوروبا أن تتبع سياسة ترامب العدائية لمجرد الحفاظ على العلاقات مع واشنطن.
إن تصعيد الحرب مع إيران قد يمثل صدمةً جديدةً لسوق الطاقة الأوروبية والتجارة البحرية والاقتصاد؛ ولهذا السبب، تفضل العديد من الحكومات الأوروبية لعب دور الوسيط وداعم الدبلوماسية، بدلًا من أن تكون شريكًا في حرب واسعة النطاق".
الدبلوماسية في بغداد
كتبت صحيفة رسالت: "في واحدة من أخطر وأهم الفترات التاريخية في غرب آسيا، حملت زيارة السيد عباس عراقجي، وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى بغداد رسائل استراتيجية بالغة الأهمية للأصدقاء والأعداء على حد سواء. لم تكن هذه الزيارة، وهي أول زيارة خارجية لرئيس السلك الدبلوماسي الإيراني بعد العدوان الفاشل واليائس على الأراضي الإيرانية من قبل المحور الأميركي الصهيوني ونهاية الحرب الأخيرة، مجرد اجتماع دبلوماسي ثنائي، بل كانت بمثابة مناورة لتعزيز مكانة الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الساحة الجيوسياسية للمنطقة.
خلال هذه الزيارة، بالإضافة إلى لقائه بنظيره العراقي، فؤاد حسين، ومسؤولين كبار آخرين في بغداد، طرح عراقجي على طاولة المفاوضات ملفات هامة، كالأمن الإقليمي، والإدارة المحلية لمضيق هرمز، وتنفيذ مذكرة التفاهم الأخيرة مع الولايات المتحدة، وإنهاء الحرب في لبنان، فضلًا عن التخطيط لحدث تاريخي فريد، ألا وهو تشييع جثمان قائد الثورة الإسلامية الشهيد.
لطالما استند تقدير إيران لإخوانها العراقيين وتجسيدها للعلاقات المتينة في دبلوماسيتها إلى مبادئ الامتنان وحسن الجوار والأخوة الإسلامية. وفي أولى محطات مهمته في بغداد، أعرب عراقجي عن امتنان وتقدير الحكومة والشعب الإيرانيين العميقين للسلطات العراقية. فخلال الحرب الأخيرة، وفي مواجهة الهجمات الوحشية للجبهة المتغطرسة، أدانت الحكومة والشعب العراقيان، من خلال تبني مواقف واضحة وشجاعة ومسؤولة، العدوان على الأراضي الإيرانية، وأظهرا تضامنًا لا مثيل له. وقد أثبت هذا التضامن أن الروابط المشتركة من دم وتاريخ وثقافة ودين بين الشعبين قد شكلت حاجزًا منيعًا في وجه مؤامرات الغرب التفرقة.
[...] كان محور نقاشات وتصريحات السيد عباس عراقجي في بغداد بلا شك قضية "مضيق هرمز" والترتيبات الأمنية الجديدة في الخليج العربي. خلال المواجهة العسكرية الأخيرة، أثبتت القدرات المذهلة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في السيطرة الكاملة على هذا الممر المائي الاستراتيجي للعالم أن مفتاح أمن الطاقة العالمي يكمن في يد طهران القوية. أعلن وزير خارجية بلادنا، بصراحة دبلوماسية ومن موقع قوة، أن مسؤولية فتح وإدارة مضيق هرمز تقع "حصرًا" على عاتق الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وبحسب مذكرة التفاهم الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، والتي وُقِّعت عقب يأس واشنطن في ساحة المعركة، تعهدت طهران بإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل الحرب بعد إزالة جميع العوائق في غضون 30 يومًا. يُعدُّ هذا إنجازًا غير مسبوق في دبلوماسية المقاومة، إذ اضطرت واشنطن عمليًّا إلى قبول سيادة إيران المطلقة وتفوقها البحري في الخليج ومضيق هرمز.
[...] ترى طهران أن وجود قوى خارجية، ولا سيما إرهابيي القيادة المركزية الأميركية، هو أصل انعدام الأمن في غرب آسيا. ويُعدُّ فرض مذكرة التفاهم على واشنطن بداية عهد جديد تضمن فيه دول المنطقة أمنها من خلال التكاتف والاعتماد على قدراتها المحلية. وسيلعب العراق، بوصفه أحد أوزان التوازن في العالم العربي، دورًا لا غنى عنه في هذا النظام الجديد، وسيكون التعاون المتنامي بين طهران وبغداد نموذجًا ناجحًا لدول الخليج الأخرى.
خلاصة القول: تضافر الجهود الميدانية والدبلوماسية. ينبغي اعتبار زيارة السيد عباس عراقجي إلى بغداد رمزًا للنضج الاستراتيجي للدبلوماسية الإيرانية. وقد أثبتت هذه الزيارة أن "الميدان" و"الدبلوماسية" في النظام الإسلامي ليسا مفهومين متناقضين، بل هما جناحان قويان لتعزيز السلطة الوطنية. لقد شكَّلت المقاومة الشجاعة للشعب الإيراني ضد عدوان الغطرسة دعمًا لا مثيل له للجهاز الدبلوماسي في الدفاع بحزم عن حقوق الأمة غير القابلة للتصرف في عواصم المنطقة.