اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي غريب آبادي ووزير الخارجية القطري يناقشان سير تنفيذ مذكرة التفاهم

نقاط على الحروف

حملة تعويم
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

حملة تعويم "اتفاق العار".. حين تنطق الصحافة بما تريده واشنطن

99

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

ما إن وقّع ما يُسمى بـ"اتفاق الإطار" الثلاثي المذل في واشنطن حتى انبرت شخصيات وازنة ولها ثقلها السياسي والشعبي في الساحة اللبنانية لرفضه. وفق قناعاتها، فإنّ هذا الاتفاق المذل والمهين بحق لبنان وشعبه والذي لا تكفي لوصفه جميع مفردات التوهين، يشكّل وصمة عار في تاريخ الجمهورية اللبنانية. إلا أنه وكالعادة، تنبري صحف ووسائل إعلام السفارات لتنفيذ كلمة سر واحدة وأجندة معلّبة لا ترى في "اتفاق الإطار" سوى فرصة انطلاقًا من حقدها وكرهها لفئة واسعة من اللبنانيين تتضرّر منه. فتذهب هذه الوسائل بعيدًا في شنّ الحملات على الاتفاق الأميركي- الإيراني الذي أصرّت فيه إيران على ضمان حقوق لبنان بانسحاب العدو "الإسرائيلي" باعتراف رئيس وزارئه بنيامين نتنياهو الذي يُكرر مرارًا أنّ "إيران حاولت أن تفرض علينا انسحابًا من جنوب لبنان"، لكنّ "اتفاق العار" كان بمنزلة المخلّص لهذا الاحتلال. 

وفي هذا السياق، يبرز نمط واضح من المقالات والتقارير التي تعمل على إعادة تقديم الاتفاق بوصفه خيارًا نهائيًا لمصلحة الدولة اللبنانية، ومحاولة تثبيته مسارًا وحيدًا قابلًا للتطبيق، في مقابل تغييب المواقف المعارضة، أو تظهيرها ضمن إطار سلبي. وتكشف قراءة هذه التغطيات عن محاولة إعلامية– سياسية لإعادة ضبط النقاش العام حول الاتفاق لصالح مسوّقيه، خصوصًا بعد تزايد البيانات الانتقادية والاعتراضات السياسية التي صدرت عن أطراف وازنة، أبرزها رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وما رافقها من سجالات حول أبعاد الاتفاق وانعكاساته الداخلية. إذ يمكن ملاحظة اتجاه متكرر في بعض الوسائل الإعلامية يقوم على الرد المباشر أو غير المباشر على هذه الاعتراضات، عبر التركيز على خطاب "ضرورة التنفيذ" و"فرصة الدولة الأخيرة"، وإبراز الدعم الدولي والدور الرسمي في مقابل تهميش الأصوات الرافضة أو إعادة تأويل دوافعها السياسية.

"النهار"

 وتحت عنوان "دور عسكري أميركي مباشر بين لبنان وإسرائيل.."، كتبت صحيفة "النهار" مقالًا قالت فيه :"يسود الترقب المشهد اللبناني بشقّيه الميداني والسياسي، في انتظار بلورة نتائج الاتصالات والمشاورات المفتوحة بين لبنان والقيادة العسكرية الأميركية المعنية، للبدء بالخطوات الميدانية المتصلة بتنفيذ الاتفاق الإطاري الذي وقّعه لبنان و"إسرائيل" الأسبوع الماضي في واشنطن. وعلى رغم ستار الكتمان الذي أحيطت به نتائج زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر، أول من أمس إلى بعبدا واليرزة، حيث تمّ البحث في كيفية البدء بتنفيذ المناطق النموذجية جنوباً، تسرّبت معلومات تشير إلى أن الجانب العسكري الأميركي بدا مهتمّاً بالإسراع في تنفيذ الخطوة الأولى التي تلحظ إمساك الجيش اللبناني بالمنطقتين التجريبيتين، لما يتركه نجاح هذه الخطوة من أثر إيجابي فعّال سينعكس حتماً على شقّ الطريق وتوسيعها نحو الخطوات اللاحقة".

في المقطع أعلاه، تعاملت "النهار" مع  "اتفاق الإطار" المذل بوصفه ملفًا دخل مرحلة التنفيذ، متجاهلة كل الأصوات المعترضة. فالمقال لا يسأل إن كان الاتفاق سيُنفذ، بل كيف، في إيحاء واضح بأن الحسم السياسي قد وقع، وأن الاعتراضات لم تعد مؤثرة في مساره. ويلاحظ أن الصحيفة تمنح الدور الأميركي مساحة استثنائية، حيث تتابع :"وتعكس هذه المعلومات جدية أميركية كبيرة في رعاية الخطوات التنفيذية، باعتبار أن الدور العسكري الأميركي الوسيط في التمهيد العملاني للبدء بخطوات المناطق التجريبية، كما في تنسيق الأدوار العملية بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، يُعد عصباً أساسياً وشرطاً بارزاً لجعل التجربة الأولى تشكّل نموذجاً يُبنى عليه استكمال تنفيذ الاتفاق الإطاري بكل بنوده الأخرى (..) وفي انتظار ما ستتكشف عنه الساعات المقبلة من معلومات تفصيلية عن بداية تنفيذ الخطوة الأولى، تنامت المعطيات التي تتحدث عن دور أميركي عميق وواسع ومباشر بين لبنان وإسرائيل، عقب توقيعهما الاتفاق الإطاري الأسبوع الماضي في الخارجية الأميركية وبرعايتها المباشرة (..)".

وفق "النهار"، لا يظهر الجانب الأميركي كوسيط بين طرفين، بل كضامن، ومشرف، ومنسق، ومراقب، وصاحب المبادرة في رسم آليات التنفيذ. وتتكرر الإشارة إلى القيادة المركزية الأميركية، والأدميرال براد كوبر، ووزارة الخزانة الأميركية، وإدارة دونالد ترامب، بما يرسخ صورة الولايات المتحدة باعتبارها المرجعية الأساسية للمرحلة المقبلة، فيما يغيب أي نقاش حول دلالات هذا الحضور أو انعكاساته على السيادة اللبنانية، بعد أن قدّمت واشنطن الدعم الواسع للاحتلال "الإسرائيلي" ليمعن في قتل اللبنانيين وتهجيرهم.

وفي سياق الانحياز التام لاتفاق العار، يستخدم المقال لغة توحي باليقين أكثر مما تنقل الوقائع، وذلك عبر استخدام تعابير مثل "ينعكس حتمًا"، و"عصبًا أساسيًا"، و"جدية أميركية كبيرة"، و"بداية لتطبيق الاتفاق"، وهي تعابير لا تكتفي بوصف الأحداث، بل تمنح القارئ انطباعًا بأن نجاح الاتفاق مسألة محسومة، وأن كل الخطوات تسير في اتجاه واحد.

ويعتمد النص كذلك على مصادر غير محددة مثل "تسرّبت معلومات"، و"المعطيات"، و"مصادر رسمية"، لتقديم استنتاجات سياسية وميدانية دون إسنادها إلى مصادر معلنة يمكن التحقق منها، وهو ما يمنح الصحيفة مساحة واسعة لبناء روايتها الخاصة حول الاتفاق. 

وفي المقابل، تبدو الأصوات الرافضة للاتفاق محدودة الحضور. فعندما يتناول المقال موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري يتناوله بشكل سلبي، واصفًا إياه بأنه يكثّف حملته الانتقادية، فلا يتوقف المقال عند الأسباب السياسية أو القانونية لرفض الاتفاق، بل يركّز على تحركات المعترضين بوصفها محاولة لتشكيل "جبهة لمناهضة الاتفاق وإسقاطه". وبذلك يُختزل الخلاف السياسي إلى كونه مواجهة مع مسار يُفترض أنه أصبح محسومًا.

في الخلاصة، تصوغ "النهار" رواية تُضفي من خلالها الشرعية على مسار تنفيذ "اتفاق العار"، وتُبرز الدور الأميركي باعتباره عنصرًا ضامنًا، فيما تُؤطَّر القوى المعارضة في إطار المعطِّل أو الساعي إلى إفشال المسار. ومن خلال ترتيب الأخبار، وانتقاء المصادر، واختيار المفردات، لا يكتفي المقال بوصف الواقع، بل يشارك في تشكيله وتوجيه إدراك القارئ له بعيدًا عن أي مهنية أو موضوعية تحكم مسار العمل الصحفي. 

"نداء الوطن"

أما صحيفة "نداء الوطن" فتذهب بعيدًا في الاستماتة دفاعًا عن "اتفاق الإطار". وتحت عنوان :" الجيش سينفذ وبري ينفذ رغبات إيران وعون ممتعض من جنبلاط: "لا فاهمو ولا متفهّمو"، كتبت الصحيفة مقالًا عملت من خلاله على تفسير النيات، وإسناد الدوافع، وإصدار أحكام سياسية على الأطراف المختلفة. هذا الأمر يبدو واضحًا من العنوان، حيث يتخلى المقال عن الحياد الإخباري ويتبنى خطابًا تفسيريًا موجّهًا. فالعنوان يقدّم استنتاجات بوصفها حقائق. الجملة الأولى ("الجيش سينفذ") تتعامل مع تنفيذ الاتفاق كأمر محسوم، بينما الجملة الثانية ("بري ينفذ رغبات إيران") تنسب دافعًا سياسيًا إلى رئيس مجلس النواب دون أن يكون ذلك مبنيًا على تصريح مباشر أو دليل معلن، بل على ما تصفه الصحيفة بـ"مصادر مطلعة". وهنا يتحول العنوان من وظيفة الإخبار إلى وظيفة التأطير السياسي، تشن من خلاله الصحيفة هجومًا على قامة وطنية كبيرة كالرئيس بري لمجرد رفضه الاتفاق واعتباره مذلًا للبنان وتضحيات أهله. 

ويعتمد المقال على تقنية المصادر المجهولة بصورة لافتة. فتكاد معظم المعلومات الجوهرية تُنسب إلى "مصادر القصر"، و"مصادر مطلعة"، و"عارفين بكواليس الاتصالات"، و"زوار الرئيس". ومن خلال هذه المصادر غير المحددة، تُقدَّم استنتاجات سياسية كبيرة، مثل القول إن الرئيس بري غيّر موقفه "تلبية لرغبات إيران"، أو أن الرئيس جوزاف عون "لا يفهم" مواقف وليد جنبلاط. وبهذا تتحول المصادر المجهولة إلى أداة تمنح الصحيفة حرية تمرير قراءات سياسية يصعب التحقق منها.

ويستخدم المقال لغة ذات حمولة عاطفية واضحة. فعبارات مثل "ما عاد عنا وقت"، و"آخر فرصة"، و"طاحشة عالآخر"، و"تلبية رغبات إيران"، و"المزايدات غير المفهومة"، ليست مفردات وصفية، بل تحمل أحكامًا مسبقة وتوجّه القارئ نحو تقييم معين للأحداث والأطراف.

ومن السمات البارزة أيضًا "الشخصنة". فبدل أن يناقش المقال الاتفاق من حيث بنوده أو تداعياته، يركّز على العلاقات الشخصية بين رئيس الجمهورية جوزاف عون، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس نبيه بري، والنائب السابق وليد جنبلاط، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. حتى أن اتصال عون بترامب يُقدَّم بطريقة انطباعية عبر عبارة "بتقول عنّو لبناني"، وهي عبارة تضفي بعدًا وجدانيًا على شخصية الرئيس الأميركي، في محاولة لاستعطاف القارئ، ولا تضيف معلومة جوهرية تؤدي إلى فهم الاتفاق.

وفي سياق تعويمها للدور الأميركي تضيف كاتبة المقال :" وهنا السؤال: هل يبدأ تنفيذ إطار العمل هذا وملحقه الأمني؟ ومتى؟ الجواب، بحسب معنيّين ومطلعين على الاتصالات: "نعم، سيبدأ التنفيذ قريبًا". فلقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بقائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، كان ممتازًا، و"كوبر" سيتواصل مع الجانب الإسرائيلي لوضع الخطة التنفيذية للاتفاق وبدء العمل بها قريبًا، أي خلال أيام، "لأنو ما عاد فينا نطوّل"..".

المقطع أعلاه يمثّل "سقطة السقطات" وزلّة لسان تكشف ما تُخفيه النوايا، وتبيّن العقلية التي يتعاطى بها الأميركي مع الجانب اللبناني على قاعدة "آمر ومأمور" فالأميركي وفق اعتراف "نداء الوطن" ــ نقلًا عن مصادرها ــ سيتواصل مع الجانب "الإسرائيلي" لوضع الخطة التنفيذية للاتفاق وبدء العمل بها قريبًا. ماذا يعني ذلك؟ يعني بكل بساطة أنّ "الإسرائيلي" يضع الخطة ــ وفق مصالحه ومطامعه ــ واللبناني أداة تنفيذ، وفي ذلك انتقاص واضح من دور رئيس الجمهورية اللبنانية ومكانته، ما يُعيدنا إلى المبدأ الأساس بأنّ الاتفاق المسمى باتفاق الإطار ليس سوى وصفة أميركية- "إسرائيلية" لإعطاء العدو ما عجز عنه في الميدان، وسلب لبنان حقوقه.

كذلك، يتجاوز المقال نقل الوقائع إلى بناء رواية سياسية. فهو لا يكتفي بالإشارة إلى معارضة الرئيس بري للاتفاق، بل يفسر سببها بأنها جاءت بعد اتصال من رئيس مجلس الشورى الإيراني، ليستنتج أن إيران طلبت منه "رفع السقف". هذا الانتقال من سرد الحدث إلى تفسير النيات يمثل أحد أبرز مظاهر الصحافة المعلّبة والتي جل همها تنفيذ أجندة معينة بغض النظر عن قول الحقيقة من عدمها. 

ويُلاحظ أيضًا أن المقال يقدّم الاتفاق بوصفه الخيار الوحيد الممكن، من خلال تكرار عبارات مثل "لا خيار بديل"، و"آخر فرصة"، و"يجب تنفيذها". هذا الأسلوب لا يترك مساحة للنقاش حول بدائل الاتفاق أو الانتقادات الموجهة إليه، بل يرسّخ فكرة أن أي اعتراض عليه هو اعتراض على مصلحة الدولة نفسها، بغض النظر عن بنود "اتفاق العار" التي تناقض سيادة الدولة ووحدتها وسلامة أراضيها. 

"اللواء"

أما صحيفة "اللواء" وتحت عنوان "الاتفاق الإطاري... حين فاوضت الدولة باسم لبنان"، كتبت :" لا ينبغي النظر إلى الاتفاق الإطاري الذي وُقّع في واشنطن برعاية الولايات المتحدة على أنه مجرد محطة دبلوماسية أو إجراء تقني لمعالجة ملف حدودي، بل بوصفه مؤشراً إلى تحوّل في موقع الدولة اللبنانية داخل معادلة اتخاذ القرار. فالقيمة الحقيقية لهذا الاتفاق لا تكمن في مكان التوقيع أو في صورته البروتوكولية، بل في الرسالة السياسية التي يحملها: للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تفاوض الدولة اللبنانية عن نفسها، وباسم لبنان، ومن أجل مصالحه الوطنية". 

يوحي المقال أنّ الاتفاق الإطاري يمثّل إنجازًا وطنيًا واستعادةً للدور السيادي للدولة اللبنانية، من خلال تقديمه بوصفه لحظة تاريخية استعادت فيها الدولة حقها الحصري في التفاوض واتخاذ القرار. ولا يكتفي الكاتب بعرض الاتفاق، بل يمنحه منذ البداية قيمة سياسية ووطنية، عبر اعتباره "تحولًا" و"رسالة سياسية" و"استعادة للدولة"، وهي تعابير تحمل أحكامًا مسبقة أكثر مما تنقل وقائع. وبهذا، ينتقل المقال من توصيف الحدث إلى تبنّي سردية تؤطّر الاتفاق باعتباره مكسبًا للدولة، دون التوقف عند الاعتراضات السياسية والدستورية المثارة حوله أو مناقشة وجهة نظر الرافضين له، ما يجعل المقال أقرب إلى الدفاع عن الاتفاق وتسويقه منه إلى تقديم قراءة متوازنة لمضمونه وتداعياته.

ويواصل المقال توسيع تعريفه لمفهوم السيادة، فيقول :"السيادة ليست مجرد انسحاب قوة أجنبية من جزء من الأراضي اللبنانية، بل هي أيضاً وحدة القرار الوطني، ووحدة المرجعية العسكرية، ووحدة المسؤولية أمام الشعب. فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد القوى المسلحة فيها، بل بقدرتها على احتكار استخدام القوة وفقاً للدستور والقانون، وعلى اتخاذ قرارات الحرب والسلم من خلال مؤسساتها الدستورية وحدها".

ينقل الكاتب مفهوم السيادة من البعد التقليدي المرتبط بوجود الاحتلال أو غيابه، إلى إطار يقوم على وحدة القرار الوطني والمرجعية العسكرية وحصرية السلطة في اتخاذ القرار السيادي، وهنا يطرح كاتب المقال السيادة باعتبارها بنية مؤسساتية متكاملة، لا تكتمل إلا بامتلاك الدولة وحدها لقرار الحرب والسلم واحتكار استخدام القوة ضمن إطار دستوري وقانوني، متناسيًا البعد الوطني في الدفاع عن الأرض، والمتمثل بمقاومة الاحتلال وهو حق يكفله الدستور اللبناني والشرائع المختلفة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة