خاص العهد
في أعقاب الحدث الجسيم الذي ألمّ بالأمة بارتقاء آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي شهيدا، لم تكن تونس بمنأى عن مشاعر الفقد والاعتزاز التي اجتاحت قلوب الأحرار في العالم الإسلامي. لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة للتعبير عن وفاء عميق لشخصية تحولت الى رمز للمقاومة والتحرر.
رؤى النخبة: بين الاستشراف والوفاء
لم تكن ردود الفعل التونسية عفوية فحسب، بل اتسمت بوعي سياسي وتحليل استراتيجي، حيث برزت أصوات وازنة في المشهد الإعلامي والتحليلي التونسي لتعبر عن هذه اللحظة الفارقة.
الناشطة المدنية ذهبية الفاهم ركزت في مداخلاتها المفعمة بالبعد الإنساني على "البعد القيمي للقيادة". وقد أشارت في قراءتها للمشهد إلى أن السيد الخامنئي استطاع أن يحول "مفهوم الشهادة" من مجرد رحيل إلى "مشروع نهضوي مستمر". وترى الفاهم أن وفاء التونسيين لهذه الشخصية ينبع من إدراكهم بأن الرجل كان المدافع الأول عن المستضعفين، وأن رحيله يمثل خسارة لبوصلة أخلاقية كانت توحد الأحرار ضد قوى الاستكبار.
فلسفة الثبات
ولعل استحضار الفاهم للمقولة التاريخية للسيدة زينب عليها السلام يعكس حالة من الرسوخ الإيماني. ففي نظرها، الشهادة ليست نهاية للمسيرة بل هي تتويج لها، وترك "بصمة" لا تمحى في وجدان الأمة. هذا الموقف يعكس نضجًا سياسيًا وإدراكًا بأن الصراع مع قوى الاحتلال هو صراع قيم ونفس طويل، وأن القادة الذين رحلوا تركوا خلفهم نهجًا حيًا لا يموت برحيل الأشخاص.
من جانبه، تناول الباحث والمحلل السياسي هشام الحاجي الحدث من زاوية "جيوسياسية واستراتيجية". فقد أكد الحاجي في تحليلاته أن الشهيد السيد الخامنئي لم يكن يقود إيران فحسب، بل كان مهندس محور المقاومة الذي أعاد للأمة هيبتها. وأكد الحاجي على وجود "عمق استراتيجي" للمقاومة في تونس، مشدّدًا على أن هذه المواقف تعبر عن تمسك التونسيين بخط التحرر الوطني الذي يرفض التطبيع ويدعم القضية الفلسطينية كمرتكز أساسي للهوية السياسية للأمة.
التشييع كفعل سياسي وأخلاقي
إن التفاعل الشعبي التونسي ومشاركة وفد تونسي رفيع يتقدمه مفتي الجمهورية التونسية يؤكد على عدة دلالات أهمها التأكيد على إدانة التحالفات الدولية التي استهدفت سيادة الدول الممانعة.
وكذلك يؤكد على إيمان التونسيين بأن استشهاد القادة -من السيد حسن نصر الله وصولا إلى السيد الخامنئي- يزيد محور المقاومة صلابة وتصميمًا، وهو ما عبّرت عنه القوى الوطنية بوضوح.
علاوة على التمسك بالبوصلة أي اعتبار ثبات الشهيد على مبادئه، رغم التهديدات المباشرة، مدرسة للأجيال التي ترفض التبعية. يرى التونسيون الأحرار أن رحيل السيد علي الخامنئي هو خسارة فادحة، لكنه في الوقت ذاته محطة فارقة لاستنهاض الهمم. لقد أثبتت هذه الأزمة، أن تونس -بثقافتها ونخبها وشبابها- تظلّ جزءًا لا يتجزأ من نبض الأمة الإسلامية، وأن قلوب التونسيين ستظل دوماً معلقة بقدسية الحق والعدل ومقاومة الظلم.
ويبقى الوفاء سيد الموقف، وتبقى دماء الشهداء هي الوقود الذي يُبقي شعلة الحرية متقدة في وجدان الأمة التونسية.