خاص العهد
في مشهد يعكس تلاحم الأبعاد التاريخية والعقدية والسياسية في إيران، تشهد العاصمة طهران مراسم تشييع تاريخية لآية الله العظمى الإمام السيد الشهيد علي الخامنئي، في جنازة وُصفت بأنها محطة مفصلية في تاريخ البلاد. الحدث الذي امتدّ ليتحوّل إلى مظاهرة شعبية حاشدة، مثّل تجسيدًا عمليًا لقوة "السردية الوطنية" التي تمثل صمام أمان الدولة الإيرانية وعمودها الفقري.
حضور تونسي رفيع
ضمن الحضور الدولي الواسع في طهران، شارك وفد تونسيّ رفيع المستوى لتقديم واجب العزاء، على رأسه مفتي الجمهورية التونسية، في إشارةٍ تعكس العلاقات الدبلوماسية والروحية التي تربط تونس بمركز الثقل الإيراني. الحضور الرسمي التونسي جاء ليؤكد عمق الأواصر التي تتجاوز التباينات السياسية، لتلامس جوهر التقدير للرموز الفكرية والسياسية التي أثّرت في مسار المنطقة. شكّلت هذه المراسم مادة دسمة للتحليل السياسي في تونس، فتباينت القراءات في أبعادها وتداعياتها على مستقبل إيران والمنطقة.
السردية قوة دفع
أمين عام التيار الشعبي زهير حمدي أكّد أن تشييع الملايين للشهيد علي الخامنئي يليق بزعيم أمميّ ناصر قضايا الشعوب، وعلى رأسها فلسطين ومقاومة الاحتلال في كل جبهاته. وتابع بالقول: "على مدى 40 عامًا قدّم حياته مع أفراد أسرته ورفاق دربه إيمانًا بعدالة قضية شعبه والقضايا العادلة في المنطقة والعالم في مواجهة الاستعمار والصهيونية". وأضاف: "كان بالإمكان أن يتوّج ملكًا على المنطقة ويعيش عيشة السلاطين والملوك، لكنه آثر طريق الحق والشهادة". وأضاف: "الإمام الخامنئي يُشيّع اليوم على هذه الصورة؛ ليس لأنه فارسي أو شيعي، بل لأنه أحد أبطال التاريخ الذين ضحّوا من أجل قضية".
في تصريح عن دلالات التشييع، أكد محسن النابتي الناطق باسم التيار الشعبي في تونس، لـ"العهد"، أن إيران لا تُقرأ من خلال ترسانتها العسكرية فحسب، أيضا من خلال "قوة السردية الوطنية" التي نجحت في ربط الذاكرة التاريخية البعيدة بالراهن المعقّد. وأشار إلى أن المشاركة الشعبية المليونية ليست سوى انعكاس لتلك "القوة المعنوية الجبّارة" التي تستمد شرعيتها من دمج الإرث التاريخي، من قورش إلى العصر الحديث، بالمظلومية العقدية، ما يحوّل الجنازة من "محنة" إلى "قوة دفع" جديدة لبناء المستقبل.
تحدّي التماسك في ظل التحولات
من جانبه، قدّم الصحفي كمال بن يونس لـ"العهد" قراءة ركّزت على الجانب الجيوسياسي والدبلوماسي للمشهد، مشيرًا إلى أن الحضور الدولي الكبير والزخم الشعبي يبعثان برسائل واضحة عن مدى تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية على الرغم من الضغوط الخارجية. ورأى بن يونس أن التشييع يمثّل لحظة اختبار لمدى قدرة مؤسسات الدولة الإيرانية على الانتقال السلس للسلطة، مؤكدًا أن السردية التي أشار إليها المراقبون هي الضمانة التي ستحول دون انكسار الدولة في مرحلة ما بعد الخامنئي.
مع استمرار المراسم نحو محطات أخرى في العراق وصولًا إلى مشهد، تبدو مراسم تشييع الشهيد الراحل، بمشاركة الوفود الدولية والحشود الشعبية، أفضل تعبير عن مشروعٍ وطني يسعى لربط الأجيال المتعاقبة برؤية واحدة.