خاص العهد
أكد عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس أسامة حمدان أن الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي ترك إرثًا استثنائيًا في دعم القضية الفلسطينية ومحور المقاومة، مشددًا على أن العلاقة التي جمعته بفصائل المقاومة طوال أكثر من ثلاثة عقود لم تكن علاقة دعم سياسي أو عسكري فحسب، بل علاقة شراكة استراتيجية قائمة على الإيمان بأن فلسطين هي القضية المركزية للأمة الإسلامية، وأن تحريرها مسؤولية جماعية.
وفي حديث لموقع العهد الإخباري على هامش مراسم تشييع الإمام الشهيد في العاصمة الإيرانية طهران، استعرض حمدان محطات العلاقة بين حركة حماس والجمهورية الإسلامية، وكشف جوانب من اللقاءات التي جمعت قيادة الحركة بالإمام الخامنئي، متحدثًا عن رؤيته للمقاومة، وموقفه من معركة "طوفان الأقصى"، ودوره في بناء محور المقاومة، إضافة إلى تقييمه لمستقبل الجمهورية الإسلامية بعد استشهاده.
ثلاثة عقود من الالتزام الثابت
استهل حمدان حديثه بالتأكيد أن الحديث عن شخصية بحجم الإمام الشهيد لا يمكن اختصاره في كلمات، موضحًا أن حركة حماس عرفت السيد علي الخامنئي منذ أكثر من أربعة وثلاثين عامًا، وتحديدًا منذ انطلاق العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مطلع التسعينيات. وقال إن الإمام الشهيد كان ينظر إلى فلسطين باعتبارها قضية عقائدية وصراعًا بين الحق والباطل، ولم يتعامل معها بوصفها ملفًا سياسيًا يمكن أن يخضع للمساومات أو الحسابات الظرفية.
وأضاف أن المواقف التي لمسها قادة حماس خلال جميع اللقاءات مع الإمام كانت تؤكد أن التزامه تجاه فلسطين "التزام منقطع النظير"، إذ لم يقتصر على تقديم أشكال الدعم التقليدية، وإنما كان يبادر دائمًا إلى البحث عن وسائل جديدة لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتقوية المقاومة.
وأشار إلى أن الجمهورية الإسلامية دفعت أثمانًا كبيرة نتيجة هذا الخيار، سواء على مستوى العقوبات أو الضغوط السياسية أو الاستهداف العسكري، لكن ذلك لم يدفعها يومًا إلى التراجع أو التردد، بل بقيت فلسطين عنوانًا ثابتًا في سياستها الخارجية.
فلسطين قضية الأمة كلها
وأوضح حمدان أن الإمام الخامنئي كان يعتبر فلسطين قضية الأمة الإسلامية بأسرها، وليس قضية الفلسطينيين وحدهم، ولذلك ظل يؤكد في مختلف لقاءاته أن هذه القضية يجب أن تكون عامل وحدة للمسلمين في مواجهة مشاريع التفتيت والانقسام، وأن الإمام كان يرى أن الاحتلال الصهيوني لا يستهدف فلسطين وحدها، بل يستهدف الأمة كلها، ولذلك فإن مواجهة هذا المشروع تحتاج إلى جهد جماعي تشارك فيه جميع مكونات الأمة.
وأشار إلى أن هذه الرؤية انعكست عمليًا في سياسة الجمهورية الإسلامية منذ انتصار الثورة، بدءًا من تحويل مبنى السفارة الإسرائيلية في طهران إلى سفارة لفلسطين، مرورًا بدعم مختلف الفصائل الفلسطينية دون تمييز.
دعم لم يقتصر على حماس والجهاد
وشدد حمدان على أن من الخطأ الاعتقاد بأن الدعم الإيراني اقتصر على حركتي حماس والجهاد الإسلامي، موضحًا أن الجمهورية الإسلامية دعمت جميع القوى الفلسطينية التي اختارت طريق مقاومة الاحتلال، بغض النظر عن خلفياتها الفكرية أو السياسية.
وأوضح أن الدعم كان موجّهًا للشعب الفلسطيني أولًا، ثم للمقاومة باعتبارها رأس الحربة في مواجهة الاحتلال، مشيرًا إلى أن جميع الفصائل المقاومة استفادت بدرجات مختلفة من هذا الدعم بما يتناسب مع احتياجاتها وإمكاناتها.
وأضاف أن ما ميّز هذا النهج أنه لم يكن قرارًا حكوميًا فحسب، بل تحول إلى ثقافة راسخة داخل المجتمع الإيراني، الأمر الذي جعل الشعب الإيراني مستعدًا لتحمل مختلف الأثمان دفاعًا عن فلسطين.
كيف بدأت العلاقة مع الإمام؟
وكشف حمدان أن أول تواصل رسمي بين حركة حماس والجمهورية الإسلامية جاء بتكليف مباشر من الإمام الخامنئي، حيث أوفد أحد المسؤولين الإيرانيين للبحث عن القيادي في الحركة الشيخ خليل القوقة بعد إبعاده من فلسطين، وترتيب أول لقاء مع قيادة الحركة.
وأوضح أن أول وفد رسمي من حماس زار طهران عام 1992 برئاسة الدكتور موسى أبو مرزوق، وكان اللقاء مع الإمام الخامنئي أبرز محطات الزيارة.
وقال إن الإمام رسم خلال ذلك اللقاء الخط العريض للعلاقة عندما أكد أن "دعمكم واجب شرعي لأنكم مسلمون ومجاهدون ومظلومون، وتواجهون أبشع احتلال في العالم".
وأضاف أن هذا الخط بقي ثابتًا طوال العقود اللاحقة رغم كل التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة.
رؤية استراتيجية وعمل ميداني
وأشار حمدان إلى أن الإمام الشهيد كان يجمع بين الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى والمتابعة العملية الدقيقة، موضحًا أنه كان يتحدث دائمًا عن تحرير فلسطين باعتباره هدفًا استراتيجيًا يحتاج إلى تراكم طويل في العمل والجهاد.
وفي الوقت نفسه، كان يتابع تفاصيل احتياجات المقاومة ويعمل على إزالة العقبات التي تعترض طريقها.
وكشف أن قيادة المقاومة عرضت خلال إحدى الزيارات إلى طهران عام 2018 مشكلة تقنية كانت تعيق أحد جوانب العمل المقاوم، فما كان من الإمام إلا أن أصدر توجيهًا فوريًا بحلها، وهو ما جرى بالفعل.
وأكد أن الإمام لم يكن يتدخل في القرار الميداني للمقاومة، لكنه كان يحرص على توفير كل ما تحتاج إليه لإنجاز مهمتها.
استقلالية المقاومة... مبدأ ثابت
ومن أبرز ما توقف عنده حمدان أن الإمام الخامنئي كان يتعامل مع فصائل المقاومة باعتبارها حلفاء مستقلين، لا أدوات تنفيذية.
وأوضح أن الجمهورية الإسلامية كانت توفر الدعم والإسناد والمشورة، لكن القرار السياسي والعسكري بقي بيد الفصائل نفسها، مضيفًا أن الإمام كان حريصًا على احترام استقلالية قوى المقاومة وعدم التدخل في قراراتها.
وأكد أن هذا النهج هو الذي عزز الثقة المتبادلة بين الجمهورية الإسلامية وفصائل المقاومة طوال العقود الماضية.
حزب الله... نموذج عملي لرؤية الإمام
وتحدث حمدان بإسهاب عن تجربته ممثلًا لحركة حماس في لبنان، مؤكدًا أن تلك المرحلة أتاحت له الاطلاع عن قرب على تجربة حزب الله، وعلى الطريقة التي كان الإمام الخامنئي يتابع بها مختلف جبهات محور المقاومة.
وقال إن الإمام كان يعتبر المقاومة ضد المشروع الصهيوني أحد الأركان الأساسية للنظام الإسلامي في إيران، ولم يكن ينظر إليها كملف سياسي يمكن التعامل معه وفق الظروف، بل كخيار استراتيجي دائم.
وأضاف أن هذا الفهم انعكس على دعم الجمهورية الإسلامية لحزب الله منذ تأسيسه، وعلى متابعتها المستمرة لتطوير قدراته العسكرية والسياسية، بما مكّنه من تحرير معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، ثم التحول إلى قوة إقليمية لعبت دورًا محوريًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وأشار إلى أن الإمام الشهيد كان يرى في المقاومة اللبنانية جزءًا أصيلًا من مشروع تحرير فلسطين، ولذلك لم يكن دعم حزب الله منفصلًا عن دعم المقاومة الفلسطينية، بل كان ينظر إلى الساحتين باعتبارهما جبهتين في معركة واحدة.
وأضاف أن هذا الفهم تجسد بوضوح خلال معركة إسناد غزة، عندما دخل حزب الله المواجهة تحت شعار "على طريق القدس"، معتبرًا أن ذلك يعكس الرؤية التي عمل الإمام الخامنئي على ترسيخها طوال سنوات، والقائمة على تكامل ساحات المقاومة وعدم عزل أي جبهة عن الأخرى.
ولفت إلى أنه التقى خلال تلك المرحلة بالأمين العام الشهيد السيد حسن نصر الله، الذي أكد له أن أكثر ما يهمه في معركة الإسناد هو إعادة قضية القدس إلى موقعها الطبيعي بوصفها قضية الأمة كلها، وهو ما يتطابق مع رؤية الإمام الخامنئي.
"طوفان الأقصى"... بداية النهاية
وأكد حمدان أن الإمام الخامنئي بارك عملية "طوفان الأقصى" منذ أيامها الأولى، ورأى فيها تحولًا استراتيجيًا في مسار الصراع مع الاحتلال.
وأوضح أن الإمام كان يشيد دائمًا بما حققته المقاومة من إنجازات، معتبرًا أنها نجحت في كسر صورة الجيش الإسرائيلي وإثبات أن الإرادة والإيمان قادران على تغيير موازين القوى.
وأضاف أن الإمام ظل حتى أيامه الأخيرة مقتنعًا بأن "طوفان الأقصى" سيكون بداية النهاية للمشروع الصهيوني.
مواقف إنسانية لا تُنسى
وسرد حمدان عددًا من المواقف التي جمعته بالإمام الشهيد، منها لقاء عام 1998 عندما كانت المقاومة تواجه حملة أمنية إسرائيلية واسعة، حيث قال لهم الإمام: "الأعداء لا يلاحقون الأموات ولا الضعفاء، فإذا كانوا يحاربونكم بهذه الشراسة فهذا دليل على أنكم أقوياء".
كما روى تفاصيل تقديم مجسم للقدس هدية للإمام، موضحًا أن الأخير لم يكتفِ باستلام الهدية، بل أخذ يتأمل تفاصيل المدينة المقدسة، وسأل عن معالمها واحدًا تلو الآخر، قبل أن يوجه بعرضها في متحف الروضة الرضوية في مشهد، مع الإشارة إلى أنها هدية من المقاومة الفلسطينية، في موقف يعكس عمق ارتباطه الشخصي بالقدس.
الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة بعد استشهاد الإمام
وفي ختام حديثه، أكد حمدان أن حركة حماس تنظر بثقة إلى مستقبل الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة، مشددًا على أن هذا المشروع لا يقوم على الأشخاص، بل على عقيدة ومؤسسات ورؤية استراتيجية راسخة.
وأشار إلى أن كل ما كان قائمًا من تعاون وتنسيق مع الجمهورية الإسلامية لم يتأثر بعد استشهاد الإمام الخامنئي، ولم يحدث أي تراجع في مستوى الدعم أو الالتزام.
وأضاف أن الجمهورية الإسلامية بقيادتها الجديدة ستواصل هذا النهج، وأن محور المقاومة سيبقى متماسكًا، معربًا عن ثقته بأن هذا المسار سينتهي بتحرير فلسطين وزوال الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدًا أن "المقاومة ستصبح أكثر قوة وقدرة، وأن المستقبل سيكون لصالحها بإذن الله".