مقالات مختارة
أسامة رحال وحسين العزي - صحيفة الأخبار
بتاريخ 26/6/2026 وقّعت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض ما سُميّ اتفاق «الإطار» بين السلطة اللبنانية وكيان العدو الإسرائيلي، تشير مقدمته إلى أنّ طموح الطرفين «إنهاء النزاع بينهما، وضمان سيادة وأمن كلا البلدين، وإقامة علاقات حسن جوار سلمية بينهما». لكنّ هذا الاتفاق لا يقتصر على نوايا وغايات مستقبلية، بل يقدم مجموعة من الالتزامات والتعهدات غير المتكافئة التي ترتب موجبات على لبنان، بمفهوم القانون الدولي.
وكان مجلس الوزراء قد أصدر القرار رقم 23-2 في جلسته المنعقدة في القصر الجمهوري بتاريخ 25/6/2025، بعد إدراجه بند «موضوع التفاوض» مع العدو الإسرائيلي من خارج جدول الأعمال.
وعليه، سنبحث الوضع القانوني للاتفاق «الإطار»، بما في ذلك قرار التفويض ومدى شرعيته على ضوء أحكام الدستور والقوانين والنصوص والأحكام ذات الصلة، ومن ثم ندرس المخالفات التي حملها مضمون الاتفاق «الإطار» لتحديد مدى شرعية محتواه القانوني، وآليات الطعن به.
أولًا – في الطبيعة القانونية لاتفاق «الإطار» والمخالفات الشكلية التي انطوى عليها
أ- في الطبيعة القانونية:
من منظور القانون الدولي يشكّل مضمون «الاتفاق الإطار» معاهدة دولية بصرف النظر عن التسمية المعطاة له من أطرافه. هذا ما استقرّ عليه رأي هيئة التشريع والاستشارات ومجلس شورى الدولة (راجع القرارات رقم 30/97-98 و 60/98-99)، وبالتالي تنتج مفاعيل قانونية بين الأطراف ولو سميت باتفاق إطار، وهي خاضعة لاتفاقية فيينا للمعاهدات للعام 1969 التي باتت أحكامها مبادئ عامة دولية، وبالتالي يطبق على الاتفاق الأصول والإجراءات الدستورية والقانونية المتبعة في إبرام المعاهدات الدولية ولا سيما في المادتان 52 و 65 من الدستور (راجع رأي هيئة التشريع والاستشارات رقم 375/2026).
والقول إنّ ما تم توقيعه ليس اتفاقاً نهائياً، أو مجرد إطار تمهيدي، ليس في موقعه القانوني، لأنّ الأطر أو الأدوات التمهيدية وغير النهائية، مهما كان شكلها، لا تُنشئ التزامات قانونية من لحظة توقيعها أو التزامات لا يمكن العودة عنها.
وكانت هيئة التشريع والاستشارات في استشارتها رقم 81/2026 أكدت أنّه وبمجرد توافر الشروط الثلاثة التالية، تكون الوثيقة المعقودة معاهدة دولية:
1. أن يكون اتفاقاً بين دول أو أشخاص من أشخاص القانون الدولي العام.
2. الثاني أن ينتج مفاعيل قانونية.
3. والثالث أن يندرج في إطار القانون الدولي.
فالعبرة في القانون الدولي ليست لعنوان الوثيقة، بل لمضمونها وما تنشئه من حقوق والتزامات. وهذا النص يتضمن التزامات واضحة ومحددة، منها: إنهاء حال النزاع (البند 1)، والالتزام بالتفاوض المباشر (البند 1)، ووضع ترتيبات أمنية ملزمة (بند 2 و3)، وإنشاء آليات تنفيذ وتحقق (البند 2)، وتشكيل مجموعات عمل (بند 12)، وإنشاء لجنة للتنسيق العسكري (البند 7)، وربط المساعدات الدولية بتنفيذ الالتزامات الواردة فيه، (البند 10) التخلي بحسن نية عن وقف جميع الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانون الدولي (البند 13)، كما وهو معقود بين أشخاص القانون الدولي العام بموجبه ويندرج في إطار القانون الدولي بلا شك، بما يجعلها معاهدة دولية مهما كانت التسمية التي أطلقها عليها أطرافها.
بل يصح الاعتقاد بأنّ تسميتها باتفاقية إطار يهدف إلى محاولة تهريبها من الأصول والقيود الدستورية التي من الواجب أن تخضع لها، من موافقة مجلس النواب والإبرام داخل مجلس الوزراء.
ب- في الوضع القانوني للقرار رقم 23-2 (أخذ العلم بالتفويض):
يشكّل الوضع القانوني للتفويض المعطى للوفد المفاوض في اسمه والصيغة التي أعطيت له مفارقة في حد ذاتها ضمن القانون الإداري، إذ وضع أخذ العلم تحت مسمى قرار وأعطي رقماً.
وليكون القرار في القانون الإداري متحقق الشروط يجب أن يكون له قوة تنفيذية، وأخذ العلم هو أقرب إلى كونه واقعة مادية بالنسبة إلى مجلس الوزراء من كونه قراراً إدارياً.
ونصّ القرار 23-2 بحرفيته على:
«أخذ المجلس علماً بالتفويض المُعطى من قِبَل السيد رئيس الجمهورية بالاتفاق مع السيد رئيس مجلس الوزراء إلى الوفد المفاوض في واشنطن (الولايات المتحدة الأميركية) وكلفهم إجراء ما يلزم توصلاً إلى النتيجة المرجوة وذلك تحت إشرافهما، علما أن أي اتفاق قد ينتج عن هذه المفاوضات يخضع إبرامه لموافقة مجلس الوزراء بحسب المادة 52 من الدستور».
فيما خصّ التفويض ينبغي بداية التفريق بين التفويض بالتوقيع والتفويض بالتفاوض، لكونهما تصرّفين قانونيين منفصلين، كما أنّ الصلاحيات الدستورية هي صلاحيات حصرية ومحددة نصاً وهي تؤخذ وتطبق بشكل حصري ولا يصح القياس عليها، وتتعلق بالانتظام العام، وأي خلل يطاول شكل أو مضمون التفويض لجهة الخروج عن الصلاحيات أو التوسّع بها أو منحه تفويضاً عاماً غير محدد، يضع صحة التفويض محل شك قانوني.
وعليه سندرس أولاً في التفويض بالتفاوض ومن ثم التفويض بالتوقيع:
1- التفويض بالتفاوض:
صحيحٌ أنّ المادة 52 تمنح رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة صلاحية التفاوض في المعاهدات الدولية، لكنّ الصلاحيات، لا سيّما الدستورية منها، ليست صلاحيات شخصية، ولا يمكن تفويضها بأي طريقة أو أسلوب، بل مقيّدة بمبدأ المشروعية، وللشروط الموضوعية والشكلية، فهي في الأمور الدستورية جزء لا يتجزأ من شرعية العمل.
وبالعودة إلى نصّ القرار 23-2 الخاص بتفويض الوفد اللبناني التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، الذي نصّ على «أخذ المجلس علماً بالتفويض المُعطى من قِبَل السيد رئيس الجمهورية بالاتفاق مع السيد رئيس مجلس الوزراء إلى الوفد المفاوض في واشنطن (الولايات المتحدة الأميركية وكلفهم إجراء ما يلزم توصلاً إلى النتيجة المرجوة وذلك تحت إشرافهما، علماً أن أي اتفاق قد ينتج عن هذه المفاوضات يخضع إبرامه لموافقة مجلس الوزراء بحسب المادة 52 من الدستور».
هكذا جاء مضمون التفويض عاماً وغير محدد خلافاً لأصول التفويض في المسائل الدستورية، حيث «كلفهم بالقيام بكل ما يلزم توصلاً إلى النتيجة المرجوة»، ولم يحدد مضمون القرار نوع وطبيعة الإجراءات الواجبة الاتخاذ كما لم يحدد بدقة ما هي النتيجة المتوخاة من التفويض، وفي ظل غياب التحديد لطبيعة الإجراءات وضبابية النتيجة المرجوة، يصبح التفويض المعطى تفويضاً عاماً وفضفاضاً وغير ذي جدوى، بحيث يمكن القول إنّه يندرج فيما سمّاه الاجتهاد الدستوري والإداري «العمومية المفرطة» أو «الغموض والإبهام» في صياغة النصوص التشريعية وهي أحد الأوجه البارزة لعيب «الاستقالة السلبية للمشرّع» (Incompétence négative).
ويرى القضاءان الدستوري والإداري في لبنان أن صياغة قانون بعبارات فضفاضة وعامة جداً تُحيل تنظيم الحقوق أو الواجبات برمّتها إلى السلطة التنفيذية، يُشكل طعناً في كفاءة النص القانوني الذي يفوّض به البرلمان السلطة التنفيذية لأنّه يفوّض سلطة دستورية عائدة له، وهذا ما يجب أن ينطبق على التفويض الممنوح من أصحاب الحق الدستوري في التفاوض (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) لأي وفد مفاوض.
وعليه، يكون التفويض الممنوح للوفد المفاوض معيوباً في ظل بقائه عمومياً ومبهماً ومتسماً بالغموض.
2- التفويض بالتوقيع:
من النافل القول إنّ التفويض يجب أن يصدر عن جهة لها الحق الأصيل في الإجراء المفوض به، لكنّه أيضاً يجب أن يكون التفويض الممنوح بالتوقيع صريحاً وواضحاً، ولا يجوز استنتاج التفويض في الصلاحيات الدستورية، خصوصاً أنّ «التوصل للنتيجة المرجوة» كما ذكر في قرار أخذ العلم ظلّ معلقاً على شرط البقاء «تحت إشراف» الرئيسين.
أضفْ إلى ذلك أنّه جرت العادة أن يمنح مجلس الوزراء صلاحية تفويض الوزراء توقيع الاتفاقيات، وأن يكون نصّها مرفقاً، ويؤخذ عادة رأي هيئة التشريع والاستشارات التي تضع ملاحظة على مسودة الاتفاقيات قبل توقيعها (راجع مثلاً البند 3 من جدول أعمال مجلس الوزراء تاريخ 09-07-2026، الذي طلبت فيه وزارة العدل الموافقة على توقيع 3 اتفاقيات مع المغرب، وتفويض وزير العدل بالتوقيع، بعد التزامات وزارة العدل بالملاحظات التي وضعتها هيئة التشريع والاستشارات على مسودة الاتفاقية).
وعليه، يمكن القول إنّ توقيع الوفد المفاوض للاتفاق «الإطار» دون تفويض صريح وغير صادر وفق الأصول يجعل التوقيع معيوباُ وغير صحيح.
ج- في مخالفة القرار أحكام الدستور لجهة إغفال موافقة مجلس النواب وإبرام مجلس الوزراء:
نصت المادة 52 من الدستور المعدلة وفقاً للقانون الدستوري تاريخ 17/10/1927 والقانون الدستوري تاريخ 9/11/1943، والقانون الدستوري 18 تاريخ 21/9/1990 تنصّ على أن «يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب».
وسنداً للمادة 52 من الدستور، ميّز الفقه والاجتهاد الدستوري في تفسير نص المادة 52 من الدستور معطوفة على المادة 65/5 منه بين نوعين من المعاهدات لجهة ضرورة أخذ موافقة المجلس النيابي المسبقة قبل الإبرام، فحصر موافقة المجلس السابقة للإبرام بالمعاهدات والاتفاقيات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، أو التي تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية.
أما المادة 65/5 فقد حددت آلية الإبرام بنصها الآتي: يجتمع مجلس الوزراء دورياً في مقر خاص ويترأس رئيس الجمهورية جلساته عندما يحضر. ويكون النصاب القانوني لانعقاده أكثرية ثلثي أعضائه، ويتخذ قراراته توافقياً. فإذا تعذر ذلك فبالتصويت، ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور. أما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. ويعتبر مواضيع أساسية ما يأتي:
تعديل الدستور، إعلان حال الطوارئ وإلغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية...
وبما أن اتفاق «الإطار» هو من المعاهدات الدولية كما تم تفصيله أعلاه، وفيها التزامات قانونية دولية لا يجوز فسخها سنة فسنة، منها التنازل عن حق مقاضاة كيان العدو في المحافل الدولية (البند 13)، يكون اتفاق «الإطار» محتاجاً لموافقة مجلس النواب قبل إبرامه (يراجع على سبيل المثال استشارة هيئة التشريع رقم 146/1999).
فسلطة الحكومة استنسابية في الإبرام بعد نيلها موافقة المجلس النيابي على الإبرام بموجب قانون، ولكن حجب الموافقة عنها أو عدم نيلها يجعل إبرام الاتفاقية مشوباً بعيب مخالفة الدستور، وبالتالي يكون الإبرام بحكم المنعدم ولا ينتج أي مفاعيل قانونية.
لكنّ الواقع أنّ السلطة اللبنانية التزمت بتطبيق الاتفاق الإطار دون موافقة مجلس النواب ودون إبرامها من مجلس الوزراء وفق النصاب الذي تنصّ عليه الفقرة الخامسة من المادة 65 من الدستور.
وفِي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى اتفاق 17 أيار 1983 الذي تمّ توقيعُه بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي بعد الاجتياح الذي شمل جزءاً كبيراً من الأراضي اللبنانية في العام 1982 ومن بينها العاصمة بيروت، فقد أقرّ مجلس النوّاب آنذاك القانون المتعلّق بإجازة إبرام ذلك الاتفاق في 14/6/1983، وبتاريخ 20/6/1983 أحال رئيس مجلس النوّاب القانون إلى الحكومة ولكنّ رئيس الجمهورية في حينه لم يبرمه، وبقي الاتفاق بالتالي مجرّداً من أيّ قيمة قانونية ولم يدخل حيّز التنفيذ.
وفي هذا الصدد فإنّ اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) تنصّ على أنّه يحق للدول التذرع بعدم صدور رضاها صحيحاً في المعاهدات الدولية لعلة مخالفة أحكام قانونها الداخلي كسبب لإبطال الالتزام بالمعاهدة «إذا كانت المخالفة بيّنة وتعلّقت بقاعدة أساسية من قواعد القانون الداخلي».
وبالتالي يكون اتفاق «الإطار» غير ملزم قانونياً للبنان، لأنّه لم يدخل النظام القانوني اللبناني وفق الأصول الدستورية، ويبقى مجرد التزام سياسي على عاتق من وقعّه.
د- الإكراه كسبب لبطلان المعاهدات في القانون الدولي:
يؤدي الإكراه في نشأة المعاهدات الدولية ونشأتها تحت الاحتلال إلى بطلانها. وتنص اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) في المادة 52 على أن «كل معاهدة يتم إبرامها نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استخدامها على نحو ينتهك مبادئ القانون الدولي تكون باطلة». أي إن عنصر الإكراه يُسقط الأساس القانوني لأي اتفاق. ولا شك أنّ الاحتلال والتهديد بالقصف والتدمير، هما أحد أبرز أوجه الإكراه المادي والمعنوي.
وفي مقاله المنشور في جريدة «السفير» بتاريخ (19 كانون الثاني 1983) تحت عنوان «بطلان المعاهدات المبرمة في ظلّ الاحتلال» أكّد العلامة محمد المجذوب على أنّ «المعاهدة التي تُنتزع وتُبرَم في ظل الاحتلال والإكراه المادي والمعنوي تُعتبَر باطلة، ويحق للدولة المقهورة، عندما تَستردّ حريتها، إلغاؤها وإبطالها».
ثانياً - في العيوب الداخلية التي انطوى عليها الاتفاق «الإطار» في ضوء الدستور ووثيقة الوفاق الوطني
علاوة على مخالفة القرار لأحكام الدستور المادة 52 بعدم حصول الحكومة على موافقة مسبقة من المجلس النيابي للإبرام وعدم إبرامها من مجلس الوزراء، وعدم صحة التفويض كما أسلفنا، يتبيّن أنّ مضمون الاتفاق قد خالف مجموعة من الأحكام الدستورية والقانونية، أبرزها:
أ- الاعتراف بكيان العدو والتعهد باتمام اتفاقية سلام معه: يتضمن الاتفاق «الإطار» في أكثر من موضع اعترافاً ضمنياً بالعدو الإسرائيلي، وتعهداً بتوقيع معاهدة سلام معه، وفي ذلك مخالفة لجملة من النصوص الدستورية والقانونية، منها:
1- وثيقة الوفاق الوطني: التي تنصّ في الفقرة ثالثاً على «التمسك باتفاقیة الهدنة الموقعة في 23 آذار 1949». والهدنة تعني إيقاف الأعمال الحربية، دون إنهاء الحرب.
وبالتالي أي تعديل لوضعية العلاقة مع العدو الإسرائيلي من إنهاء الحرب وإنهاء حال العداء تكون مخالفة لاتفاق الطائف، وبالتالي، لا يمكن تعديلها إلا باتفاق جديد لعقد اجتماعي جديد، ولا يمكن لتفويض من قبل رئيس لوفد مفاوض تغييره.
2- الفقرة «ب» مقدمة الدستور اللبناني: تنصّ الفقرة «ب» من مقدمة الدستور على الالتزام بمواثيق الجامعة العربية، ومنها، الميثاق العربي لحقوق الإنسان (2004) الذي أبرمها لبنان، وبحسب اجتهاد المجلس الدستوري اللبناني المستقر والثابت -آخره القرار رقم 7/2026- تكون مواثيق الجامعة العربية جزءاً لا يتجزأ من النص الدستوري اللبناني، ولها القيمة الدستورية.
وبالعودة إلى نصّ الميثاق العربي لحقوق الإنسان، فإنّ المادة 2 منه تنصّ على أنّ الاحتلال والصهيونية تحدٍّ للكرامة الإنسانية، وعلى أنّ العمل على إزالتها واجب على الدول الأعضاء. فكيف يمكن إلغاء حال العداء والسلام مع الدولة التي يجب العمل على إزالة فكرها الصهيوني، بحسب الدستور اللبناني؟ كما أنّ الميثاق العربي لحقوق الإنسان، يوجب على الدول الأعضاء أن تتوأم تشريعاتها مع الالتزامات الواردة في الميثاق.
3- الفقرة «ط» من مقدمة الدستور اللبناني: إنّ الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الأرض المحتلة (البند 1 من الاتفاق «الإطار»)، يعني إنكار حق العودة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، الذين لا يعترف كيان العدو بحقهم بالعودة، وبالتالي هو خرق للفقرة «ط» من المقدمة التي منعت توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
4- الفقرة «ي» من مقدمة الدستور اللبناني: تنصّ الفقرة «ي» من مقدمة الدستور اللبناني على أنّه «لا شرعية لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». وهذه الفقرة، ليست حكماً معنوياً، بقدر ما هي قاعدة عليا حاكمة على المنظومة القانونية في لبنان، فلا يجوز اتخاذ قرار بإنهاء العداء والحرب مع العدو التاريخي للبنان والطائفة الأكثر تأثراً بجرائم العدو واحتلاله غير موافقة على القرار.
5- مخالفة مبدأ المشروعية، فإنّ قانون مقاطعة «إسرائيل» يوجب مقاطعة كيان العدو في المادة 1 ويضع جزاءات على مخالفته، وقانون البث التلفزيوني والإذاعي للعام 1994 يصفه بـ«العدو الصهيوني» في المادة 6، وقانون رقم 194/2011 (معالجة أوضاع من لجؤوا إلى «إسرائيل») يؤكد عدم الاعتراف بسيادة كيان الاحتلال، ويصف أرض فلسطين بـ«الأراضي المحتلة»، مما يؤكد العداء مع الكيان الإسرائيلي وعدم الاعتراف به بوصفه منظومة قانونية متكاملة، ولا يمكن تعديل هذه القوانين دون العودة إلى المجلس النيابي.
ب- تقويض السيادة اللبنانية ووحدة الإقليم اللبناني:
تنصّ المادة الثانية من الدستور اللبناني على عدم جواز التخلي عن أي جزء من الأراضي اللبنانية، كما تنصّ الفقرة «ط» من مقدمة الدستور على عدم جواز التجزئة أو التقسيم، وتنصّ الفقرة «د» من المقدمة على أنّ الشعب هو صاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية.
في حين ينصّ اتفاق «الإطار» على أن تلتزم الحكومة «برنامجاً صارماً قائماً على الأداء» لبسط سيطرة الجيش ونزع السلاح، وترحّب باستعداد الولايات المتحدة للدعم، مع إدراكها أنّ أيّ مساعدةٍ ستكون «مشروطةً بصرامة» بمراحل قابلةٍ للتحقّق وبرقابةٍ مستمرة.
وهكذا رُبط ما سمي «استعادة» السيادة ببرنامج أداءٍ ومساعدةٍ خارجيةٍ مشروطة وخاضعة لرقابة دائمة. وهذا يتناقض مع مفهوم السيادة التي لا تربط بطبيعتها بأي شرط ولا تُكتسب أداءً أمام مانح؛ إضافة إلى أنّ المؤسسات الدستورية ليس لها، بوصفها وكيل عن الشعب في ممارسة السيادة، أن تقبل دون تفويض من الشعب تقويض سيادته على جزء من أراضيه، وربط انسحاب المحتل بأي شرط من الشروط، كما وبتسمية الاحتلال بـ«إعادة الانتشار» (البندان 2 و3).
وبالتالي يكون الإقرار بوجود الاحتلال وشرعنته والاعتراف بحقه في البقاء في «مناطق آمنة» داخل الأراضي اللبنانية وإعادة الانتشار، وتعهد لبنان بالقيام بأنشطة مشتركة مع العدو ضد أي عمل مقاوم سواء أكان عسكرياً أو مدنياً (تمويل)، قد خرقت السيادة اللبنانية، وشرّعت وجود الاحتلال فيها.
ج- التنازل عن حقوق أصلية وأساسية للمواطنين اللبنانيين (حق السكن، وحق الانتصاف القانوني، وحق المقاومة):
1- التنازل عن حق الانتصاف القانوني واللجوء إلى القضاء (حق مقاضاة العدو الإسرائيلي عن جرائمه): تضمنت الفقرة 13 من الاتفاق تنازل لبنان مسبقاً عن ممارسة سيادته السياسية والقانونية بالمحافل الدولية والقضائية، وهذا يعد تنازلاً عن حق لبنان في الانتصاف للشهداء والمتضررين من جرائم العدو الإسرائيلي، وبالتالي هو تنازل عن حقه بتحقيق العدالة، كما مصادرة سلطة القضاء اللبنانية وانتهاك سيادته، وهذا يشكل خرقاً فاضحاً لمبدأ فصل السلطات بين السلطة السياسية والسلطة القضائية التي نصت عليها المادة 20 من الدستور.
فالبند (13) تمت صياغته العامة بما يسمح بتفسيره بمرونة عالية بشكل يؤدي إلى توسيع نطاقه ليشمل أي عمل أو إجراء سياسي أو قضائي دولي يكون سلبياً أو إيجابياً ضد العدو الإسرائيلي، حيث استخدم واضعو الاتفاق تعبيراً عاماً هو: «أي عمل عدائي أو سلبي في المحافل القانونية والسياسية الدولية» (negative actions in international political or legal forums).
فالحق في الانتصاف هو من القواعد الآمرة (Jus Cogens) في القانون الدولي التي لا يجوز مخالفتها أو انتهاكها تحت أي ظرف، وإلا عدّ العمل أو الاتفاق باطلاً بطلاناً مطلقاً وفقاً لنص المادة 53 و64 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات للعام (1969).
وفي محاولة لتبرير هذه المخالفة صرّح رئيس الحكومة اللبناني بتاريخ 6-7-2026 بأنّ اتفاق «الإطار» لم يتخلَّ عن حق لبنان بمقاضاة العدو إنّما علّقه فقط. ومع أنّ هذا الكلام صادر عن رئيس سابق لمحكمة العدل الدولية، فإنّه يجانب الصواب، فالتعليق لا يختلف عن التنازل عن الحق بالنسبة للمبادئ الآمرة في القانون الدولي، ناهيك بأن التعليق دون تحديد مُدة زمنية، يكون تعليقاً دائماً أي بمثابة تنازل مستقبلي ودائم عن حق الانتصاف القانوني.
2- نزع الشرعية عن المقاومة والتواطؤ مع العدو لتصفيتها وإضعاف لبنان، في مخالفة صريحة لجميع المواثيق الدولية والإقليمية التي تحفظ حق الشعوب في مقاومة الاحتلال وتقرير مصيرها والدفاع عن نفسها وهو ما يلتزم به الدستور اللبناني.
• بالنسبة لحق الشعوب في مقاومة الاحتلال وتقرير المصير في القانون الدولي: فإنّ اجتهاد المحاكم الدولية وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد أنّ الحق في تقرير المصير يشمل بلا أي شك الحق في الكفاح المسلح بوجه الاحتلال الأجنبي، وهو ما أكدت قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة على الأقل منذ قرارها رقم 3246 الصادر عام 1974. كما يؤكد اجتهاد المحاكم الدولية على ذلك، ومنه ما ذكرته القاضية تشارلز وورث في رأيها المُرفق برأي محكمة العدل الصادر عام 19 تموز 2024 حول الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين (وكان نواف سلام رئيساً للمحكمة حينها) على شرعية المقاومة العسكرية بوجه الاحتلال انطلاقاً من حق الشعوب بتقرير المصير.
• الحق في تقرير المصير وحق المقاومة في القانون الدستوري اللبناني:
كما ذكرنا فإنّ مواثيق الجامعة العربية ومنها الميثاق العربي لحقوق الإنسان والاتفاقية العربية لحقوق الإنسان هي جزء لا يتجزأ من الدستور اللبناني، وينصّ الميثاق العربي لحقوق الإنسان في ديباجته على حق الشعوب في تقرير المصير.
كما ينصّ في مادته 2 في الفقرة 3 على أنّ الصهيونية والاحتلال تحدٍّ للكرامة الإنسانية، ويجب العمل على إزالتها، تنصّ المادة نفسها في الفقرة 4 أيضاً على أن: «للشعوب كافة الحق في مقاومة الاحتلال الأجنبي».
تنصّ الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب على أنّه: «لا تعد جريمة، حالات الكفاح بمختلف الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل التحرر وتقرير المصير، وفقاً لمبادئ القانون الدولي».
وبالتالي يصبح حق الشعوب في مقاومة الاحتلال وتقرير المصير، والعمل على إزالة الصهيونية جزءاً لا يتجزأ من الدستور اللبناني.
أضف إلى ذلك أنّ وثيقة الوفاق الوطني تؤكد على وجوب اتخاذ كافة الإجراءات الواجبة لتحرير الأرض، ومنع حق المقاومة يكون قد سلب أحد الأوجه الممكنة لتحرير الأرض وقيد نصّ وثيقة الوفاق الوطني.
3- نزع الحق في السكن: يشكل ربط إعادة الإعمار بشروط سياسية وأمنية (البندان 10و11) تعطيلاً لحق المواطنين في السكن؛ وهو حق كفلته جملة المواثيق الدولية لا سيّما المادة 11 من العهد العالمي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، في الوقت الذي منح المجلس الدستوري اللبناني حق السكن قيمة دستورية في قراره الرقم 6/2014.
وعليه، فإنّ الاتفاق «الإطار» والقرار الصادر عن مجلس الوزراء رقم 23-2 (أخذ العلم بالتفويض) محل البحث، مخالفان لحزمة واسعة من النصوص الدستورية والاتفاقيات الدولية والقوانين اللبنانية النافذة، وبالتالي يكون الاتفاق غير ملزم قانوناً للدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، ويكون على القضاء اللبناني المتخصّص، لو طُرح الملف أمامه، أن ينتصر لمبدأ المشروعية بوصفه حجر الرحى الذي يدور حوله القانون الإداري برمّته.
* حسين العزي (أستاذ جامعي وباحث في القانون الدولي)
** أسامة رحال (محامٍ وباحث في القانون الدستوري)