اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بالفيديو: مراسم تشييع رمزية للقائد الشهيد في مدينة كرغيل الهندية

مقالات

الاستعانة بـ
🎧 إستمع للمقال
مقالات

الاستعانة بـ"إسرائيل" في مواجهة المقاومة: أداةٌ للغلبة الداخلية

181

تتعدد الزوايا التي يمكن من خلالها تفسير التحولات اللبنانية في الموقف من "إسرائيل" وفي تحديد طبيعة العلاقة معها، إذ غالبًا ما تتشكل هذه التحولات عند نقطة التقاء بين متغيرات البيئة الإقليمية وطموحات بعض القوى اللبنانية. وفي هذا المسار، تداخلت اعتبارات الأمن "الإسرائيلي" مع حسابات قوى سياسية لبنانية في تحقيق طموحاتٍ عنصريةٍ وطائفيةٍ وسياسيةٍ. ومن ثم، فإن فهم هذا المسار يقتضي مقاربته بوصفه نتاجًا لتشابكٍ مستمرٍّ بين العوامل الداخلية والخارجية، لا نتيجة عاملٍ منفردٍ أو مسارٍ أحاديِّ التفسير.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى أحد القوالب التفسيرية بوصفه قائمًا على فرضيةٍ مفادها أن العلاقة مع "إسرائيل" كانت أيضًا وسيلةً استخدمتها بعض القوى اللبنانية في سياق صراعها الداخلي. فكلما تعرض ميزان القوى الداخلي أو الإقليمي لاختلالٍ جوهري، برزت رهاناتٌ على الاستفادة من التفوق "الإسرائيلي" أو من التحالف معه لإعادة تشكيل موازين القوى داخل لبنان، سواء عبر الوصول إلى السلطة، أو تثبيت مواقع النفوذ، أو إعادة توزيع القوة داخل مؤسسات الدولة.

ويكشف هذا المنظور عن ارتباطٍ وثيقٍ بين طبيعة العلاقة مع "إسرائيل" والتحولات التي تصيب البيئة الاستراتيجية المحيطة بلبنان. فالعلاقة لا تتقدم عادةً في ظل توازناتٍ مستقرة، وإنما تبرز في اللحظات التي تشهد تغيرًا فعليًا، أو يراهن البعض على ذلك، في موازين القوى العسكرية أو السياسية، حيث ترى بعض القوى أن البيئة الجديدة تتيح تحقيق أهدافٍ كانت متعذرةً في ظل التوازنات السابقة. وعليه، يصبح الانتقال من الاتصالات المحدودة أو السرية إلى أشكالٍ أكثر علنيةً من الانخراط السياسي انعكاسًا لتغيرٍ في تقدير موازين القوى، أكثر مما يعكس تحولًا جذريًا في القناعات السياسية.

وانطلاقًا من ذلك، لا تُفهم "إسرائيل"، في هذا التصور، باعتبارها مجرد طرفٍ في علاقةٍ خارجيةٍ أو شريكًا في تسويةٍ سياسية، بل باعتبارها عنصرًا يمكن توظيفه في إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، بشرط تقاطعه مع المصالح "الإسرائيلية" في الفترة نفسها. فالصراع لا يدور حول العلاقة مع "إسرائيل" في حد ذاتها، وإنما حول ما يمكن أن توفره هذه العلاقة من قدرةٍ على ترجيح كفة فريقٍ سياسي على آخر، أو إضعاف خصومه، أو تعديل موازين القوى بين الطوائف، أو إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة، أو توفير مظلة قوةٍ خارجيةٍ تمنح أحد الأطراف أفضليةً في إدارة الصراع الداخلي.

ومن هنا، تصبح التحولات الإقليمية عاملًا مضاعفًا للصراعات اللبنانية الداخلية، لا مجرد سياقٍ خارجي لها. فكل تغيرٍ كبيرٍ في البيئة الإقليمية يخلق فرصًا جديدةً لإعادة تموضع القوى المحلية وفق موازين القوة المستجدة. ولذلك، فإن العلاقة مع "إسرائيل" لا تنفصل عن لحظات التحول الإقليمي، بل تتأثر بها وتُعاد صياغتها وفق ما تتيحه من فرصٍ أو ما تفرضه من قيود.

ويؤدي هذا التفاعل إلى تحويل السياسة الخارجية، في بعض الأحيان، إلى امتدادٍ مباشرٍ للصراع الداخلي، بحيث تصبح التحالفات الخارجية وسيلةً لإعادة ترتيب التوازنات السياسية، أكثر من كونها تعبيرًا عن استراتيجيةٍ وطنيةٍ موحدة. وعندما تتغلب اعتبارات الغلبة الداخلية على مفهوم المصلحة الوطنية الجامعة، تتراجع الحدود الفاصلة بين السياسة الخارجية وإدارة التنافس الداخلي، ويصبح الانفتاح على القوى الخارجية جزءًا من أدوات الصراع على السلطة، وليس مجرد خيارٍ دبلوماسيٍّ مستقل.

وبهذا المعنى، فإن أي مسارٍ تفاوضي أو اتفاقٍ سياسي لا يمكن تقييمه استنادًا إلى نصوصه القانونية أو الأمنية وحدها، بل ينبغي فهمه ضمن البيئة السياسية التي أنتجته، ووفق قراءةٍ لطبيعة موازين القوى، والأهداف الداخلية التي يسعى إلى تحقيقها.

وقد تُرجم ذلك في الإطار الثلاثي مع كيان العدو والولايات المتحدة بشكلٍ صريحٍ ومباشر، إذ عندما كانت السلطة اللبنانية أمام خيارين: إما الاقتراب من شعبها لمواجهة الاحتلال "الإسرائيلي"، أو الاستعانة بالاحتلال لمواجهة المقاومة وشعبها، اختارت الخيار الثاني، عبر شرعنة الاحتلال، ووافقت معه على العمل على تفكيك المقاومة ومؤسساتها الاجتماعية والتربوية والمالية، ومنحت العدو شرعية العدوان، ونزعتها عن المقاومة، مقابل وعودٍ لا يوجد ما يُلزم "إسرائيل" بتنفيذها.

خلاصة القول: تكشف هذه المقاربة أن مسار العلاقات اللبنانية–"الإسرائيلية" ليس مجرد انعكاسٍ للصراع العربي–"الإسرائيلي" أو للسياسات "الإسرائيلية" تجاه لبنان، بل هو أيضًا مرآةٌ للتحولات التي تصيب المشهد السياسي اللبناني. فكلما اختلت موازين القوى داخليًا أو إقليميًا، أو ارتفع منسوب الرهانات على هذا الاتجاه، برزت محاولاتٌ لإعادة توظيف العلاقة مع "إسرائيل" لتحقيق الهيمنة، في أقل السيناريوهات، ومن أجل إعادة تشكيل المشهد اللبناني بما تقتضيه المتغيرات، وفي المرحلة الحالية من أجل إعادة تشكيل المشهد السياسي والديموغرافي للبنان.

الكلمات المفتاحية
مشاركة